المحتوى الرئيسى

> في المسألة الطائفية

05/16 21:06

"أبناء الفراعنة المحدثون".. واحد من الكتب التي يمتن المرء للمصادفة لأنها أوقعته في طريقه فقرأها. الكتاب الذي ذُيل عنوانه بعنوان فرعي "دراسة لأخلاق أقباط مصر وعاداتهم" كتبه إس إتش ليدر، وهو كاتب انجليزي قُدّر له أن يعيش في مصر في بدايات القرن الماضي، وهو علي اهتمامه بالتاريخ المصري ـ والقبطي بشكل خاص ـ كان ـ فيما يبدو من الكتاب ـ مهتما ـ بجدية وإخلاص شديدين ـ بفهم المصريين علي النحو الذي هم عليه ـ وقتها ـ وليس علي النحو الذي صاغه المستشرقون. لهذا فجنبا إلي جنب الملاحظات العديدة التي يعلق بها ليدر علي طبائع المصري وهي طبائع فيما يبدو متوارثة عن الجدود المخضرمين في التاريخ، نجده مهتما بفهم المسألة القبطية في تاريخيتها، أي في ظرفها التاريخي والاجتماعي. وهو يفعل ذلك بموضوعية شديدة لا تتجاوز فحسب الأفكار التي أمكن النظر إليها باعتبارها الحقيقة، بل إنها أيضا تتجاوز الخطاب الرسمي لبني جنسه من الإنجليز الذين كانوا حتي ذلك الوقت يضعون مصر تحت حمايتهم الاستعمارية. اللافت للنظر أن ليدر يدين السياسة الاستعمارية الإنجليزية بشدة ويحمّلها مسئولية ما أسماه "الصدع بين المسلم والقبطي". ورغم أنه في أماكن عديدة من الكتاب يصر علي نفي أي من الأكاذيب التي كان يروّجها الكُتاب الغربيون عن الفتنة الطائفية بين عنصري الأمة فإنه يؤكد أن بذرة الطائفية قد وَجَدت من دسها في التربة المصرية بإيعاز من الاحتلال في بعض الأحيان أو من خلال الاحتلال نفسه في أحيان كثيرة. فهو بينما يؤكد مرارا وتكرارا علي التقدير الذي يكنه المسلمون لرجال الدين المسيحي والأعياد المسيحية بل وللمقدسات المسيحية نفسها، فإنه يؤكد أيضا أن الإنجليز قد تعاملوا مع أقباط مصر ليس بحذر فقط وإنما بسوء ظن كذلك، مشيرا إلي اعتقاد القائمين علي الاحتلال أنهم بمجاملة المسلمين سوف يسهّلون علي أنفسهم مهمتهم في مصر، مشيرا أيضا إلي أن أقباط مصر كانوا ـ منذ محمد علي ـ شركاء في المناصب العليا في الدولة المصرية الحديثة، وهو ما أنهي الاحتلال استمراره. يعلق ليدر علي سياسة "فرق تسد" التي وضعها الإنجليز (مستثنيا فترة اللورد كرومر)، والتي دعّمها الكتاب الغربيون الذين غذّوا لدي الأقباط أفكارا من قبيل "إن العربي غاز في مصر" و"إن المصريين الحقيقيين هم الأقباط المسيحيون" وهو ما أسماه بـ "إحياء كراهية المسلمين بالتركيز علي الماضي". فيما استعار شهادة كرومر نفسه في كتابه "مصر المعاصرة" والتي قال فيها "إن الفرق الوحيد بين المسلم والقبطي أن المسلم مصري يتعبّد في الجامع والقبطي مصري يتعبّد في الكنيسة". والحقيقة أن المرء ليشعر بالمرار بينما يقرأ الفقرات التي كان يشير فيها ليدر لعمق العلاقة بين المسلمين والمسيحيين، هذا العمق الذي أزال أي حرج عن قيام مسلمين ببناء كنائس وعن تطوع أقباط لبناء مساجد، والذي دفع المسلمين لاستجداء البركة من أحد القساوسة لأنه ـ بتعبير مصري مسلم ـ رجل بتاع ربنا!. بل إني لأشعر بقدر الحماقة التي وصلنا إليها حين أقرأ أنه في عام 1808 اجتمع رجال الدين الإسلامي ورجال الدين من الكنيسة القبطية والكنائس الشرقية الأخري مع الحاخامات اليهود في جامع عمرو بن العاص مشتركين في صلاة جماعية لاستعادة فيضان النيل الذي تأخر عن موعده، رافعون أصواتهم بالصلاة ـ مصرية الأصل ـ "كيرياليسون" جنبا إلي جنب "الله أكبر"، في وقت لم يكن هناك حرج لمسلم أو لقبطي في اعتبار أن الله واحد ولكنه يعبد بصور متعددة. طبعا لن تمحو كل هذه المواقف التي يوردها ليدر سنوات الاضطهاد التي شهدها أقباط مصر، حين مُنعوا من استخدام أجراسهم في كنائسهم وفُرض عليهم ارتداء الألوان الداكنة، وأشياء أخري يشعر الإنسان بالخزي لمجرد أن أسلافه قد فكروا فيها. ولكن ما يعنيني هنا التاريخ المعاصر للمسألة القبطية، الذي يبدو أن الاستعمار الإنجليزي كان فاعلا أصيلا وأساسيا في صناعته، يقول ليدر "يعود تاريخ الصدع بين المسلم والقبطي إلي فترة الاحتلال فحسب، فالطائفتان ليست بينهما عداوة فطرية أو متأصلة وهو ما أثبته التاريخ مرارا وتكرارا" ويضيف "يشكو الأقباط من الاحتقار الذي تعاملهم به الطبقات الرسمية الإنجليزية، ومن نفاد صبر أبناء بلدهم المسلمين، ويبدون عاجزين تماما عن تصور أنهم مسئولون إلي حد كبير عن عدم الثقة التي أوصلتهم إلي هذه النتيجة". فيبدو أن الأقباط كانوا ـ وما زالوا في رأيي ـ نتيجة لعصور من الاضطهاد من جهة ولتكريس فكرة التفوق التي قام بها المستشرقون من جهة ثانية ـ يتعاملون مع الآخر بحذر شديد وبعدم ثقة مبالغ فيها، لدرجة أنهم ـ تبعا لليدر ـ لا يقولون الحقيقة مطلقا في كل الحالات، مفضلين إخفاء الحقيقة بل وإخفاء أنفسهم أيضا، وهو ما يمكن ملاحظته الآن من تضارب أرقام التعداد الخاص بهم أو في الانعزالية التي تسم معظمهم. ليست كل هذه ذرائع بالطبع للمسألة القبطية في وضعها الحالي والتي لم تتحسن كثيرا عن فترة الاحتلال إن لم يكن نظام يوليو ـ ما بعد 1970 علي الأقل ـ قد زادها سوءا، ولكنها إضاءة لمسألتين أراهما في غاية الأهمية، المسألة الأولي تتعلق بإعادة النظر في جذر الصدع بين المسلم والقبطي واستعادة التدين المصري التلقائي الذي صاغ نسختي المسيحية والإسلام فجعلهما قبطيتين ـ أي مصريتين ـ بشرطه الحضاري، والمسألة الثانية تتعلق بما سميته في مقال سابق "نظرية الدائرة المغلقة" التي يصر الأقباط علي إخفاء أنفسهم فيها ـ وبها ـ منعزلين طواعية عن الانفتاح علي العمل العام والشأن السياسي مفضلين بالطبع الموقف الرسمي للكنيسة علي تبني وجهات نظر علمانية فردية بعيدا عن الكنيسة وعن الانتماء الطائفي أيضا. كاتب

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل