المحتوى الرئيسى

> التجربة التركية

05/16 21:06

كتب - ضياء أبو اليزيدفي اسطنبول، العاصمة التاريخية لتركيا، جلست علي خليج البسفور ويدي علي خدي عاجزاً عن الاستمتاع بما أري من طبيعة رائعة هذبتها يد البشر، فزادتها روعة. كنت شارداً بعيداً عن الرفاق أفكر كيف وصلت الفجوة بيننا وبين بلد مثل تركيا إلي هذا الحد، كيف استطاعت تركيا أن تجد سبيلها فتصل إلي الصفوف الأولي علي بعد خطوة واحدة من عضوية أهم تجمع اقتصادي وسياسي في العالم، وهي دولة مسلمة تشابه كثير من ظروفها معنا، بينما ضللنا نحن الطريق ووقفنا في كل مفترق نسأل أين نذهب وكيف نسير، ونسينا أن الوقت الذي أضعناه في التردد ملأه غيرنا عملاً وإبداعاً وجعله مطية له إلي مستقبل ممتلئ بالنعمة والخير لأجياله القادمة. تشاء الصدفة أن أستمع في اليوم الذي غادرت فيه اسطنبول إلي القاهرة إلي المهندس نجيب ساويرس مؤسس حزب المصريين الأحرار يقول إنه لا يتمني أن يري مصر مثل إيران، وإنما مثل تركيا. لست الوحيد إذن الذي رأي في تركيا تجربة يمكن استلهامها، وأخذ ما نراه منها مناسباً - ولا أقول تطبيقها حرفياً - لبناء دولة حديثة، يتفادي طريقها أخطاء نحن عنها أغنياء. ومنذ شهرين أو يزيد قليلاً أصدر معهد كارنيجي للسلام - علي لسان مدير مكتبه في بيروت - توصية للدولة المصرية باحتذاء خطوات تطبيقية محددة مرت بها التجربة التركية وأدت إلي نتائج اعتبرت إيجابية في أغلب التحليلات فيما بعد، أنقل منها ما يلي: إنشاء مجلس للأمن القومي - تم إنشاؤه في تركيا في أوائل الستينيات- ويضم رؤساء أركان الجيش فضلاً عن الرئيس المدني المنتخب، ورئيس الوزراء، والوزراء المعنيين، مثل وزراء الدفاع والداخلية والخارجية، ويضع المجلس السياسة الخاصة بالشؤون الدفاعية والاستراتيجية، ويعزز التوافق في الآراء بين القيادات العسكرية والمدنية. وهو يضمن للجيش دوراً وصوتا في الدولة الديمقراطية، ويؤمن مساعدة الجيش في تحقيق انتقال آمن ومستقر إلي الديمقراطية. إصدار قوانين انتخابات برلمانية ومحلية ورئاسية جديدة. حيث يكون التمثيل النسبي أكثر ملاءمة علي المستويين البرلماني والمحلي لضمان تمثيل واسع لألوان الطيف السياسي الجديد في مصر. ولابد أن تضمن القوانين الجديدة عملية انتخابية مفتوحة تمكن الأحزاب الجديدة والمرشحين من بناء قاعدة سياسية فعلية من خلال انتخابات حزبية ومناطقية تأهيلية. والنقطة السابقة غاية في الأهمية حيث إن تنظيم انتخابات علي نطاق الأحياء أو المحافظات (أي انتخابات محلية) علي أساس حزبي ربما يكون اقتراحاً في غاية الوجاهة، حيث تكون هذه الانتخابات مثل تدريب علي الممارسة الديمقراطية علي نطاق محدود بأقل الخسائر، وأيضاً هي محك لاختبار مصداقية وقدرة كل حزب علي تطوير مجتمعه ومساعدته . وهذه الفكرة ليست بدعة جاءت بها تركيا وإنما نقلتها بدورها عن ديمقراطيات أكثر عراقة. أما النصيحة الأخيرة التي وجهها معهد كارنيجي فكانت للجماعات الإسلامية المصرية بألا يعتمدوا علي أجنداتهم العقائدية في خوض السباق السياسي المتوقع، حيث ضرب لها مثلاً بما انتهجه الإسلاميون في تركيا أيضاً لشرعنة أوضاعهم في المجتمع كأحزاب فاعلة: "الإسلاميون في تركيا ادركوا منذ سنوات أن قلة فقط من الناخبين هي التي تدفعها الاهتمامات الدينية البحتة، وأن برنامجاً دينيا ضيقا قد يكسب من الخصوم بقدر ما يكسب من المؤيدين". أضيف إلي هذه الاقتراحات الثلاثة رابعا من عندي أراه يناسب الحالة المصرية، ولا يقل أهمية في رأيي عن سابقيه وإن كان في اتجاه مختلف وأتوجه به إلي المجلس الأعلي للقوات المسلحة ، وهو إنشاء جهاز أمني جديد تماماً يتكون من عناصر من الجيش والشرطة معاً ويتخصص في التدخل السريع لاحتواء عمليات البلطجة والفتنة والإخلال بالأمن، وأراهن علي أنه سوف يلقي ترحيباً وتعاوناً كبيراً من الشارع في كل محافظات مصر حيث إن أياً مما سبق من اقتراحات لا يمكن تطبيقه إلا بعد عودة الأمن إلي الشارع . يهمني هنا أن أوضح تماماً أن دعوتي ليست أبداً إلي تطبيق الخطوات التي يقترحها هذا المعهد أو غيره، وإنما إلي دراستها ضمن العديد من الأفكار الأخري التي يساهم بها كثير من أهل الرأي في مصر والعالم الآن وعدم إغفال مثل هذه التوصيات والدراسات مهما كانت هوية من يصدرها ومهما كان حجمه. وربما تكون الفكرة الأعم والأهم الآن هي إنشاء مركز يجمع عقول مصرية من خبرات وشباب، تدعمه الدولة ولا تديره، ويختص بدراسة الخيارات المتاحة أمام أمتنا في هذه اللحظة التاريخية، فإذا كانت لدينا خلاصات تجارب بشرية ترشدنا وتهدينا، فهل نريد أن نخترع العجلة من جديد؟ إن بلادنا التي أنهكها الفقر والجهل والظلم، لن تحتمل السير مرة اخري في الاتجاه الخطأ . هذا أمر أعتقد أنه واضح لكل ذي حلم، لذا يجب أن ندرك خطورة ومسئولية الاختيار، وأن نحرص تماماً علي أن نتأكد أن ما نختاره هو الأفضل لمصر.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل