المحتوى الرئيسى

السفير البريطاني توم ريلي يكتب: القبح الطائفي: فرصة أخيرة للإصلاح؟

05/16 20:48

خلال اليومين الماضيين غيرت خط سير رحلتي بالدراجة في توجهي إلى مكان عملي لكي أمر أمام مبنى التليفزون في ماسبيرو.  هذا المبنى، الذي يبدو قبيحا في أحسن حالاته ويقع على الكورنيش متمتعا بإطلالة رائعة على النيل، يحيط به الآن كوردون من شرطة الشغب وكميات من الأسلاك الشائكة.  وحول المبنى من جميع الجوانب، على الأرصفة، وفي الطريق، وعلى المقاعد، وفوق جزيرة الطريق يجلس الناس بعضهم تحت خيام بسيطة مؤقتة مصنوعة من الملاءات القديمة، وبعضهم يربضون فقط تحت ملاءات تغطي رؤوسهم.كان هذا الصباح هادئا على نحو غير عادي.  التوتر محسوس في الجو.  لم يكن هناك تقريبا أي أحد يتكلم على الإطلاق.  بدت الشرطة متوترة في صفوفها، لا أحد يبتسم.  جلس رجل على سور النيل ممسكا بقطعة مرآة مكسورة بيده اليسرى وبشفرة حلاقة في يده اليمنى في تركيز بالغ.  كانت هناك لافتات مرفوعة وشعارات تردد:  "ربنا راعينا" و "بالدم نفدي الصليب" و "ليس للجيش سلطة، السلطة الوحيدة من الرب".  لقد ذهب الأقباط إلى المكان ويبدون مصممين على البقاء.ذهبت إلى إمبابة اليوم وتجولت بها.  بدا هناك نفس الهدوء الصامت ولكن الجيش كان هناك بأعداد كبيرة وعدد عربات الجنود المدرعة المتراصة في الشوارع ينفي هذا الهدوء.  هناك توتر مضغوط في الجو؛ وقد تم إغلاق الشارع الرئيسي المواجه للكنيسة التي تم حرقها.  بدت الكنيسة شاحبة ومهجورة، وشهدت واجهتها المسودة في صمت على فظاعة مساء السبت، وبدت نوافذها المظلمة الخالية من الزجاج كأفواه خرساء تصرخ على من في الشارع تحتها وتتوسل لإنقاذها.  لم يسمح لي الجيش بالمرور بالرغم من محاولاتي القوية: شعرت بأن رفضهم اللطيف والمهذب والحازم للغاية في نفس الوقت كان مشوبا بالرعب:  بدوا وكأنهم يقولون – هذا موقف يتمايل عند حافة الفوضى.عدت بذاكرتي لأيام الثورة التي كان لها تأثير بالغ على النفس.  تذكرت مئات الآلاف في التحرير عندما كان المسيحي يقف كتفا بكتف مع المسلم، والرجل والمرأة يقفان جنبا إلى جنب، عندما كان الأطفال الصغار جدا على الفهم يُرفعون فوق رؤوس آبائهم الفرحين المفعمين بالأمل والذين كانوا شديدي الإصرار على وجود هؤلاء الأطفال معهم وهم يتطلعون في أمل نحو مستقبل أكثر اشراقا.  فكرت في وحدة الهدف هذه، في روح التحرير، وأنا أنظر إلى هؤلاء البشر البؤساء المنكمشين فوق الرصيف في تصميم على أن يجدوا من يدافع عنهم.  قال لي أحد الرجال أنه ذهب إلى التحرير وأنه بكى دموع الفرح عند سقوط مبارك وأنه اعتقد أن وقت ازدهار مصر قد حان أخيرا وحلم بالمستقبل العظيم الذي يسوده التآلف.  أخبرني بأنه أحضر ابنه ذا الستة أشهر إلى الميدان وسحب في يده ابنته ذات الأعوام الأربعة ووقف طوال اليوم، حاملا أحد الطفلين بين ذراعيه والآخر على كتفيه، مستمتعا بالأمل: ثم قال "أتمنى الآن لو أن الحزب الوطني الديمقراطي عاد.  لم يكن أمن الدولة ليسمح بحدوث هذا أبدا".نظريات مؤامرة كثيرة تشرح ما حدث من عنف: لم يكن البلطجية الذي أشعلوا النيران في كنيستي إمبابة سلفيين بل كانوا من أنصار الحزب الوطني الديمقراطي؛ المتطرفون المصريون ليسوا مسئولين بل هناك قوى خارجية ما قد تدخلت.  بل ويؤكد البعض أنه لا يوجد توتر طائفي في مصر. ولكن الحقائق الواضحة تبقى: لقد مات 12 شخصا وأصيب أكثر من 200 في أحداث عنف بين مسيحيين ومسلمين مساء يوم السبت.إن إنعدام اليقين السياسي والاقتصادي، الذي هو نتيجة طبيعية لمثل ذلك التغيير العميق الذي مرت به مصر على مدى الأيام المائة الماضية يختلط بالحيرة حول كيف يمكن أن يكون هذا قد حدث في بلد لديها بالرغم من التوترات تاريخ يزيد عن ألف عام من التعايش السلمي المذهل – يعود الوجود القبطي في مصر إلى القرن الأول الميلادي ونشأت المجتمعات المسلمة هنا في وقت مبكر هو عام 650 بعد الميلاد.كان رد فعل الغالبية العظمى في البلد جديرا بالإعجاب؛ قدر ضخم من الإدانة وتصميم حديدي على عدم السماح بحدوث ذلك مرة أخرى.  هدد المجلس العسكري الحاكم بعقاب شديد القسوة لأي شخص يثير الفتن؛  تسابق الزعماء الدينيون على شجب العنف؛ قدمت المؤسسات الخيرية الأموال للمساعدة في إعادة بناء الكنائس.  كان رد فعل مصر مشابها بعد تفجير كنيسة الإسكندرية في بداية العام الحالي: فقد التف المسلمون حول الكنائس القبطية في عيد الميلاد كدرع بشري.  من الصعب التنبؤ بما سيحدث بعد ذلك، ولكنني آمل أن تكون موجة الاشمئزاز الشعبي كافية للتخلص من التوتر وأن يستطيع الزعماء استعادة السيطرة على تابعيهم وأن يحل الحوار الناضج العاقل محل ما يتم الصياح به من أحاديث أحادية الطرف.وأيا كان ما سيحدث بعد ذلك فإن الكثيرين يشعرون بأن الضرر قد وقع بالفعل.  يشعر بعض الأقباط، الذين يشكلون 10% من تعداد مصر- ممن تحدثت إليهم بأنهم في مشكلة وأنهم معرضين للخطر ومتخلى عنهم: بعضهم الآن يطلبون الحماية الدولية.  يقتطع كل هجوم من روح المجتمع، وتنشأ الحواجز النفسية، وتذوى الثقة.رد الفعل على ما حدث خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي هو مسئولية مصر.  يجب أن يكون رد فعل بقيادة مصرية وتفكير مصري، ولكن المجتمع الدولي لا يمكن أن يكون متفرجا فقط.  كأصدقاء ومعجبين بما تم إنجازه بين 25 يناير و 11 فبراير، نحن نحمل مسئولية معنوية تجاه تقديم المساعدة لمصر – سواء في صورة مشورة حول تشكيل لجان صلح أو حول تشريعات جديدة تتعلق بتكافؤ الفرص.  أما إذا لم نفعل ذلك ووقفنا متفرجين فقط ننتقد من وراء الخط، وسامحين بذبول التفاؤل وضياع الفرصة التي أتاحها ميدان التحرير فنحن نشترك بذلك في الذنب مع من قاموا بإلقاء قنابل النيران أو أطلقوا الرصاص خلال عطلة نهاية الأسبوع.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل