المحتوى الرئيسى

أوزبكستان.. قراءة في مفهوم الديمقراطية وآلية تطوير مؤسسات المجتمع المدني بقلم علاء فاروق

05/16 20:38

بقلم/ علاء فاروق – مدير موقع آسيا الوسطى للدراسات والأبحاث أوزبكستان دولة ذات حضارة قديمة، وعضو نشط وفعال في الكثير من المؤسسات الدولية الكبرى مثل: الأمم المتحدة، منظمة شنغهاي للتعاون، منظمة المجتمع الاقتصادي، منظمة معاهدة الأمن الجماعي، منظمة المؤتمر الإسلامي، والكثير من المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية، مما يؤكد أهميتها وريادتها في المنطقة. وقد نجحت هذه الجمهورية خلال الفترة القصيرة الماضية- "فترة الاستقلال"، وهي قصيرة بالمعايير التاريخية- في وضع نفسها على الخريطة الدولية، وأصبحت دولة ذات تأثير واضح في المنطقة. وساعد على تَبَوُّء هذه المكانة الدولية نجاحُ هذه الدولة الفتية في التجديد الديمقراطي للمجتمع، والإصلاح الأساسي للاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، وهي تجتاز الآن بثقة مرحلة انتقالية لتصبح متكاملة مع المجتمع العالمي، وتحقق تطورًا اقتصاديًا كبيرًا وثابتًا. كلمة الرئيس.. قراءة وتعليق ومؤخرًا، ألقى الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف كلمة في الجلسة المشتركة للمجلس التشريعي ومجلس الشيوخ (برلمان) لجمهورية أوزبكستان، التي عقدت في 12 من نوفمبر 2010، أعلن فيها عن حزْمة إصلاحات ينوي تنفيذها؛ كي تسير بلاده على طريق الديمقراطية وتحديث البلاد. ومثّلت الكلمة خريطة طريق واضحة المعالم، فاشتملت على خَطّين رئيسين؛ الأول: تقييم الفترة الماضية، والثاني: وضع رؤًى استشرافية للفترة القادمة، وبين التقييم والرؤية الاستشرافية كان الهدف واضحًا، وهو إصلاح وتحديث أوزبكستان؛ للوصول لنموذج "الدولة الديمقراطية الحقوقية المنفتحة"، والتي يعد الإنسان فيها هو القيمة الكبرى مع مصالحه وحريته وحقوقه. وأهم ما تناولته الكلمة- من وجهة نظري- التأكيد المستمر في خطابات الرئيس على نظرية النقد الذاتي، والتفكير النقدي عند التطرق لما تم إنجازه في الماضي، وتقييم كل مرحلة– ويحدث ذلك غالبًا كل عام– وهو ما لا يجعله يشعر بنشوة الإنجاز متناسيًا ما طرأ خلال المرحلة من إخفاقات أو سلبيات، سواء من الأداء الحكومي أو البرلماني، وهو ما يبني عليه نظرته الاستشرافية؛ من تجنب مثل هذه السلبيات أو الإخفاقات. وكان الرئيس في هذا واضحًا في خطابه، بل انتقد بعض الأمور خلال تقييمه للفترة الماضية. ومن الأمور الهامة التي تناولها الرئيس في كلمته أيضًا، التأكيد على الخصوصية الأوزبكية، والتي تمثلت في اختيار بلاده للنموذج الأوزبكي الخاص بها للتطور، وعدم استيراد نموذج آخر ربما يصطدم بالبيئة الأوزبكية، أو يلجأ لعلاج المشكلات والقضايا بنظرية "الصدمة"، وهذا ما رفضته البلاد منذ استقلالها حتى عند تعاملها مع أصعب الأزمات، ومنها الأزمة المالية العالمية، واعتماده النموذج "الارتقائي التدريجي"، وهذا ما جعل المؤسسات الدولية تثني على ما يحدث في أوزبكستان من خطوات جادة لتحديث البلاد. وتطرق الرئيس في كلمته أيضًا إلى حزمة الإصلاحات التي قام بها خلال فترة الاستقلال حتى يومنا هذا، مؤكدًا أهمية ما تم خلال تلك الفترة من تعديلات دستورية هامة شملت مختلف القطاعات من مؤسسة الرئاسة حتى مؤسسات المجتمع المدني، مرورًا بالاقتصاد والإعلام والقضاء... إلخ، ما يصب في مجمله في مصلحة المواطن الأوزبكي، وشعوره بأهميته وحقوقه وثقته في مستقبل بلاده. وأخيرًا ما قدمه الرئيس في كلمته من تقييم وتقويم يتطلب النظر إليه بجدية كبيرة من قبل المؤسسات التنفيذية في أوزبكستان، والمسارعة في تنفيذ الإصلاحات الهامة التي أقرها الرئيس؛ لتعد خطوة هامة تضاف إلى مئات الخطوات التي اتخذها الرئيس وشعبه منذ الاستقلال، حتى أصبحت أوزبكستان رائدة في المنطقة، ولها كلمتها في المحافل الدولية. منهجية الدمقرطة في أوزبكستان نجحت أوزبكستان في التجديد الديمقراطي للمجتمع والإصلاح الأساسي للاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، كما ذكرنا آنفًا. وتحديدًا لاستراتيجية إصلاحها، أخذت حكومتها في الحسبان أن الإصلاحات ستكون ناجحة فقط في حالة حل جميع المسائل المتعلقة بالملكيات من خلال الخصخصة المتوافقة، ومن خلال تكوين اقتصاد متعدد البُنَى، والذي فيه يتم إعطاء الأولوية للملكية الخاصة. وتقوم الإصلاحات في أوزبكستان على بعض المفاهيم الهامة مثل الحداثة والإصلاح والتحرر، وهذه الثلاثة لها طابع مميز، وهذا يشمل توجهها الاجتماعي، وتحسين مستويات المعيشة، وإعداد جيل صحي أخلاقيًا وذهنيًا. الديمقراطية والمجتمع المدني وقد كان الاتجاه الهام في غرس الإصلاحات الديمقراطية هو تطوير عمل مؤسسات المجتمع المدني القائم على مبدأ "من دولة قوية إلى مجتمع مدني قوي". وهدفت سلسلة المشروعات والبرامج التي قد نفذت إلى خلق الأجواء من أجل الأداء الحر للأحزاب السياسية، ووسائل الإعلام الجماهيرية المستقلة، وأجهزة المواطن ذاتية الحكم، والمؤسسات الأخرى للمجتمع المدني. وقد تم خلق الأجواء اللازمة لتكوين وتطوير البُنَى غير الحكومية العامة في الساحات الإعلامية والسياسية والاجتماعية، كما تم تضعيف عدد منافذ وسائل الإعلام المطبوعة خلال العشر سنوات الماضية. أما تنمية مجالس الإدارات لمؤسسات المجتمع المدني، فلم تكن عملاً منفصلاً، أو إجراء ذا مرحلة واحدة، لكنه نشاط مستمر منظم، ويجب أن يكون مرتبطًا بشدة بالتاريخ والتقاليد والقيم القومية، وعقلية وطريقة الحياة. تطوير المجتمع المدني وعملية تكوين وتطوير المجتمع المدني مرتبطة بصورة مباشرة بتنمية الوعي القانوني والسياسي في المجتمع ككل، وكذلك برغبة الناس في الإصلاح الديمقراطي المستمر، وتأكيد القيم الديمقراطية العالمية. ولابد للدولة التي تريد تفعيل مثل هذه المؤسسات، والاستفادة منها في تنمية الوعي السياسي والاجتماعي أن تهتم جيدًا بالمبادئ الإنسانية، واحترام الحقوق والحريات للمواطنين، بغض النظر عن انتمائهم القومي، وانتسابهم الديني، ووضعهم الاجتماعي وعقائدهم السياسية. وأظن أن أوزبكستان بدأت تنتهج هذا، وتلتفت بقوة إلى هذه المؤسسات؛ لمعرفتها الجيدة بالدور الذي تقوم به مثل هذه المؤسسات في التنمية والتطوير. والمتابع للوضع في أوزبكستان مؤخرًا، وحسب ما وصلنا من معلومات، يرى أن هذه الجمهورية تُجْري دائمًا إصلاحاتٌ من حين لآخر؛ بهدف تعميق الديمقراطية في المجتمع، خاصة في الحياة التشريعية والتنفيذية. وهذا يؤكد أن أوزبكستان تطبق مبدأ "الإصلاحات" ليس من أجل الإصلاح فقط، ولكن قبل كل شيء من أجل الإنسان، ومن أجل تأمين مصالحه". خطوات على طريق النهوض والتنمية وتعليقًا على مثل هذه الإصلاحات التي قدمها الرئيس، وفي انتظار استكمال تنفيذها عن طريق الأجهزة التنفيذية، أكد مجموعة من الخبراء والباحثين المختصين بشؤون آسيا الوسطى، أن جمهورية أوزبكستان تقدمت كثيرًا خلال الـ"20" سنة الماضية، أي منذ استقلالها في مجال تطوير نظامها الاقتصادي، وفي تطوير مؤسسات المجتمع المدني، وأن البلاد شهدت طفرة كبيرة منذ الاستقلال؛ تمثلت في التقدم الكبير في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، مما عزز مكانتها الدولية. ومن أبرز التدابير التي اتخذتها البلاد خلال الفترة الأخيرة: إضفاء الطابع الديمقراطي على سلطة الدولة والحكم، وإصلاح النظام القضائي والقانوني، وإصلاح مجال المعلومات، وضمان حرية الرأي، وضمان حرية الاختيار، وتطوير التشريعات الانتخابية، وتطوير مؤسسات المجتمع المدني، وإصلاح السوق وتحرير الاقتصاد. وأنا أقول: إن أهم ما تم على أرض بلاد البخاري وابن سينا خلال العشر سنوات الأخيرة هو: الإشارة إلى أهمية مؤسسات المجتمع المدني، وهذا شيء جيد، حيث إن هذه المنظمات تقوم بدور كبير وخطير، كبير لانتشارها وكثرتها وتعاطف الناس مع برامجها، وخطير لما قد تمثله إذا حادت عن الطريق من مخاطر، سواء في التأثير على الأفكار، أو اللعب بورقة تصدير الأزمات، ما يجعلها عائقًا كبيرًا أمام التقدم، لذا من المهم جدًا المصالحة والدعم لهذه المنظمات، واستثمار جهودها في تنفيذ برامج الديمقراطية. كذلك اهتمت الدولة مؤخرًا بدور المواطن في التنمية، وأنه قد يكون أداة في العملية التطويرية بإيجابيته وإنتاجه، وقد يكون أكبر العوائق أمام هذا التقدم؛ لشعوره الدائم بالتشاؤم جراء بعض السياسات التي قد تُتخذ وينتقدها الناس. والاهتمام بالعنصر البشري هذا شيء مهم جدًا؛ حيث إن الاستثمار في الجهود البشرية أفضل من الاستثمار في الأموال. والكلمة تضمنت أيضًا إجراء عملية تقييمية من آن لآخر لتقييم دور الدولة ودور المواطن، وأين تقف البلاد؟ هذا شيء جيد، وهذا متعارف عليه في البلاد المتقدمة. والحقيقة يحرص الرئيس الأوزبكي على مثل هذا التقييم الذي يحمله على الاعتراف بالتقصير سواء في التشريع القانوني، أو الأداء الحكومي، والعمل علي تصحيحه. وهذا شيء محمود. مقترحات وتوصيات: ومن المقرر أن يتم تعديل الدستور فى إطار سياسة وضع حلول للمشاكل المتتالية في التحديث والديمقراطية، وإنشاء مجتمع مدني قائم على التعددية الحزبية. وطالما تؤكد أوزبكستان أنها لن تقبل باستيراد نموذج جاهز للديمقراطية من الخارج؛ لأنه لا وجود لمثل هذا النموذج الشامل، ولا يمكن لأحد تصدير الديمقراطية بالقوة بما يتنافى مع خصائص وأوليات كل شخص. وهذه خطوة هامة على طريق الاستقلالية الذي بدأته هذه الدولة الفتية بعد إعلان استقلالها في عام 1991، لكن هذه الخطوة تحتاج إلى خطوات تنفيذية أخرى تؤكد مصداقية ما قُدِّم من إصلاحات. وفي نهاية كلمتي، أتقدم بمجموعة من المقترحات أتمنى أن تساهم- ولو بشكل بسيط- في التسريع بتطبيق مثل هذه الإصلاحات، والمسارعة في تفعيل تعديلات الدستور التي طالب بها رئيس البلاد، وأتمنى كذلك أن تُضمَّن هذه المقترحات في التوصيات النهائية للمؤتمر، ومن هذه المقترحات: - التوسع في تمويل بعض مؤسسات المجتمع المدني، والإفساح لها أكثر بممارسة الأعمال التي تساعد في بناء المجتمع الأوزبكي، وهذا مطلب من مطالب الرئيس في كلمته الأخيرة. - سن قوانين جديدة من شأنها ترسيخ مبدأ المشاركة السياسية للمواطنين، وتعميق روح الديمقراطية في اختيار المرشحين للبرلمان أو الرئاسة. - التوسع في عمل أنشطة متنوعة تجمع الشباب وتحاورهم، وتسمع لهم، وتستغل طاقاتهم في بناء المجتمع بشتى توجهاته الاقتصادية والرياضية والاجتماعية؛ لاستغلال كل طاقاتهم في الأعمال التنموية والتطويرية، ولإبعادهم بقدر كبير عن الأفكار الراديكالية أو التطرفية. - تخصيص بعض هذه المؤسسات المدنية للنشاط الديني الوعظي؛ للتعريف بوسطية الإسلام وسماحته، وبُعْده عن التشدد والتطرف، ومن شأن مثل هذه المنظمات أيضًا أن تُقرّب أكثر بين الأقليات العرقية الموجودة على أرض البلاد. - تأسيس جمعيات حكومية يكون من شأنها منافسة المؤسسات الخاصة في تقديم كل ما هو جديد للمجتمع؛ بهدف تنشيط المؤسسات الخاصة، وليس التغطية عليها. - قيام أوزبكستان بدور قوي وفعال في التقريب بين مؤسسات المجتمع المدني بداخلها والمؤسسات الدولية الأخرى، تحت إشراف رسمي من الحكومة، وبهدف تبادل الخبرات بين المؤسسات. - واختتم كلمتي قائلاً: "إضافة لما سبق من ذكْر قراءة لما حدث في البلاد خلال السنوات الأخيرة، وأنها تسير على طريق الإصلاح وتحديث البلاد، أود أن أقول: على أوزبكستان أن تهتم بصورة كبيرة وهامة بتطوير وتنمية العلاقات البينية بين بلدان آسيا الوسطى، وذلك لمكانتها الدولية ووجودها في العديد من المنابر الدولية؛ حتى يَنْتُج عن هذا تكتل "وسط آسيوي" تكون له كلمته المسموعة. - وعليها أيضًا القيام بدور تصفية كل الخلافات بين بلدان وسط آسيا؛ للبَدء في صفحة جديدة يسودُها التعاون والتآخي، لما نعرِفه من أهمية العلاقات الدولية، ودورها في تقدُّم الدول أو تأخرها، فمهما فعلت أوزبكستان من إصلاحات وهي منغلقة على نفسها، فسيكون الحفاظ على هذا التقدم صعبًا إن لم تنفتح أكثر، وأن تسعى- لما لها من مكانة كبيرة في المنطقة- لقيادة هذه المبادرة، وأوزبكستان قادرة على تنفيذ هذه المبادرة في تجميع قُوَى البلاد المجاورة كي تصبح المنطقة تكتلاً سياسيًا واقتصاديًا كبيرًا". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "*" - "ملخص كلمة ألقيتها في المؤتمر الدولي الذي عقد في طشقند في الفترة من 23:22 إبريل 2011"، نقلا عن موقع آسيا الوسطى.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل