المحتوى الرئيسى

أيام جميلة.. الله لا يعيدها

05/16 16:56

بقلم: د. أشرف نجم    د. أشرف نجم  أحاط الأمن المركزي بكليتي إحاطة السوار بالمعصم، وبدأت جحافله تهمهم وتدق الأرض بأقدامها علامةً للاستعداد والتحفز، وأمامها الأشاوس من الرتب الكبيرة يحملون على أكتافهم النجوم والنسور الذهبية، ويخطلون في كبرياء وهم يرقبون جموع الطلاب عبر الباب الرئيسي للكلية تهتف مزلزلة المكان بأصواتها.   كان الطلاب غاضبين جدًّا، فتحت ضغط أمن الدولة ألغى العميد ندوةً كان قد وقَّع بالموافقة عليها من قبل، بل وألغاها قبل أقل من ساعة من بدايتها، دون أن يعبأ بأن المحاضر على مشارف القاهرة قادمًا من مدينته الإسكندرية، وفشلت كل المحاولات لإقناع العميد بالوفاء بوعده، فتأزم الموقف وتحوَّل إلى مظاهرة غاضبة بالآلاف جابت الكلية، وتمركزت أمام الباب الرئيسي.   حاول أمن الدولة منع المحاضر عند مدخل القاهرة؛ لكنه أفلت منهم، فتربصوا به قرب الباب الرئيسي للكلية منتظرين قدومه.. وفهم الطلاب ذلك فعلت هتافاتهم: "أمن الدولة يا جبان.. يا عميل الأمريكان"، "يا مباحث أمن الدولة.. إنتي مباحث دولة مين؟.. إنتي مباحث دولة مصر ولا مباحث إسرائيل؟!" وبدا أن الموقف على وشك الانفجار.   وفجأةً.. تحولت الأنظار إلى مظاهرة صغيرة مقبلة من ناحية باب الكلية الخلفي، يحمل عشرات الطلاب فيها على أكتافهم الشيخ وجدي غنيم "المحاضر"، وهم يهتفون هتافات النصر، فقد ترصد الطلاب سيارة المحاضر على بعد أمتار من الكلية، وأخذوه إلى واحد من أبواب مستشفى قصر العيني الملحقة بالكلية، والتي غفل عنها الأمن، فانتصرت إرادة الطلاب.   أغلقت إدارة الكلية قاعة المحاضرات، فنصب الطلاب منصةً في الهواء الطلق، وافترشوا الأرض أمام المحاضر "اللبق"، وكان ذلك سببًا في تجميع أعداد كبيرة من الطلاب لحضور المحاضرة، ووسط هذا الجو المشحون كانت المحاضرة رائعة، طوَّف بنا المحاضر بأسلوبه المرح في ذكرياته مع أمن الدولة، وقصصه في السجون المصرية، وكيف أنه استمتع بتلك الأيام رغم قسوتها، وانتزع منا الضحكات ثم الضحكات، وفي آخر المحاضرة تنهد في أسى وقال: "إيه.. كانت أيام جميلة.. الله لا يعيدها".   تذكرت هذه القصة- التي كنت في موقع القلب منها- وأنا أراقب الملحمة الرائعة التي سطـَّـرها الشعب المصري في "الاستفتاء"، وعلى الرغم من انبهاري بعظمة الشعب وقدرته الفائقة على استعادة روحه الإيجابية في أيام بعد عقود من القهر والطغيان، وعلى الرغم من الصورة المشرفة التي ظهر بها يوم الاستفتاء أمام العالم، فإنني كان لي رأي آخر.   سألني بعضهم عن رأيي فقلت: "جميل.. لكن مفيش أكشن".. تعجَّب فقلت: "أيوه.. فين السـِنـَج والمطاوي؟، فين البلطجية وأمن الدولة؟، فين الكر والفر؟، فين التعب والعرق وطعم الانتصار الصعب الحلو؟"، قال منبهرًا: "أنت تريد لهذه الأيام أن تعود مرةً أخرى؟!"، قلت: "كانت أيام جميلة.. الله لا يعيدها"، قال: "جميلة إزاي؟ احكِ لي"، قلت: "اسمع":في آخر الليل دُقَّ باب شقتنا لأجد أحد الشباب يقول لي بعبارة مقتضبة: "بكره بعد الفجر عندنا (لزق)".. وكانت هذه الكلمة كفيلة بأن تثير القلق وربما الخوف في نفسي ونفوس إخواني- على ما أعتقد- فهي تعني ببساطة إمكانية أن تتعرض للاعتقال، وسأترك لكم أن تتصوروا ما بعد الاعتقال في نظام بوليسي فاجر لا يجد مَن يردعه.   كان (اللزق) يعني أن نتجمع تحت جنح الظلام، ونقسم أنفسنا إلى مجموعات، تأخذ كل مجموعة كميةً من اللوحات المراد نشرها في الحي، وتتكفل بلصقها على الجدران ببعض الشوارع، هي محاولة- إذًا- لممارسة حق طبيعي في التعبير عن الرأي، لكن ذلك كان مُجَـرَّمَـًا!!.   لا أخفيكم سرًّا أن الخوف تملكني هذا اليوم، لكني تذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطأك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا"، وتذكرت قول الإمام علي رضي الله عنه حين سألوه عن شجاعته المفرطة: أيَّ يـَومَيَّ مِنَ المَـوتِ أفـِـرّْ؟           يـومَ لا يُـقـدَّرُ.. أمْ يَومَ قُدِرْ؟ يـومَ لا يُـقـدَّرُ لا أَرهـَـبـُـهُ           ومِـنَ المَـقـدُورِ لا يـَنجُو الحَذِرْ   تمنيتُ أن يكون نصيبي في مجموعة في أحد الشوارع الجانبية، فهي أقل خطرًا ولكن تحطمت أمنياتي على صخرة الواقع، فقد كنت في المجموعة الرئيسية التي ستعمل في شارع المنيل الرئيسي عند محطة الأتوبيس الرئيسية في وسط الشارع، يا للهول.. وتمنيت أن يكون ما سنلزقه ليس خطيرًا، فخاب ظني أيضًا، لكنها كانت خيبة مفرحة هذه المرة.   حين فتحت اللوحة التي سنلصقها تهلل وجهي ودمعت عيناي من الفرح، لوحة جميلة زرقاء عليها شعار واسم (الإخوان المسلمون)، وبالخط الكبير كُتِبَ عليها (الإسلام هو الحل)، كانت هذه هي المرة الأولى التي يعلن فيها الإخوان عن اسمهم، والمرة الأولى أيضًا التي يرفعون فيها شعارهم المعبر الصادق (الإسلام هو الحل)، الحق أني كنت أتشوق لهذا اليوم منذ زمن، فلبت الأقدار شوقي.   عملنا في جد واجتهاد في التعبير عن أنفسنا، ومن غمرة الفرح ونشوة السعادة نسينا المخاطر من حولنا، وزاد من سعادتنا التفاعل الجميل للجمهور من حولنا، من تمنيات بالتوفيق، ودعاء بأن يحفظنا ربنا، وتعبير عن المناصرة والتأييد، الحق أنني شعرت كأني في "كرنفال" ولست في مهمة خطيرة تعرضني للأذى.   ثم تعاظمت سعادتنا بعد ذلك حين علمنا أنه في ساعة واحدة تم نشر هذا الإعلان في مصر كلها، من الإسكندرية إلى أسوان، ومن رفح إلى مرسى مطروح، في إعلانٍ واضحٍ عن بروز واحدة من قوى الشعب رغم التضييق، وميلاد تحدٍّ جديد لدولة الظلم والطغيان، ألم أقل لكم إنها كانت أيامًا جميلة؟!.   إن أردتم أكملت لكم بعض قصص هذه الأيام الجميلة.. ولكن في مقال لاحق بإذن الله. ----------------- * anigm@yahoo.com http://www.facebook.com/?ref=home

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل