المحتوى الرئيسى

من الذي يضمن الديمقراطية؟!

05/16 10:31

بقلم: د. صفوت حسين لعل من أبرز التهم المعلبة الموجهة للإخوان أنهم سيتخذون الديمقراطية سلمًا للوصول إلى الحكم لمرة واحدة ثم ينقلبون عليها، وهو اتهام لا دليل ولا بينة عليه اللهم إلا التفتيش في الضمائر والنوايا، فلا يوجد للإخوان سابقة يمكن القياس عليها اللهم إلا تجربة النقابات المهنية (إن جاز القياس عليها)، وهي تجربة تصب في مصلحة الإخوان وتضيف إلى رصيدهم.   والواقع أن المرء يُحَار في توجيه الاتهام للإخوان في قضية احتمالية قد تكون أو لا تكون، في الوقت الذي كان الحزب الوطني جاثمًا بالفعل على صدورنا محتكرًا للسلطة، بينما تنطلق أبواق العديد من القوى (عديها حكاية القوى دي) اليسارية والليبرالية من سدنة الدولة البوليسية التي كانت تحكم مصر في الهجوم على الإخوان واتهامهم بمعاداة الديمقراطية!!.   والواقع إذا أخذنا بمنطق هؤلاء القوم فإن التهمة ستطال الجميع بلا استثناء، فمن السهل اتهام جميع القوى بنفس التهمة والتفتيش في تاريخها ومواقفها أو مرجعيتها الفكرية للبحث على أي شيء يؤيد هذا الاتهام، وقد وجه ذات الاتهام من جانب الصحف الحكومية إلى بعض الأحزاب، وعلى رأسها الوفد والتجمع والعمل في الفترات التي شهدت بعض الوجود القوي لهذه الأحزاب، والمفارقة أن الذين يتحدثون عن خطر الإخوان على الديمقراطية هم الذين احتلوا- وما يزالو- المواقع الثقافية ودخلوا حظيرة فاروق حسني وهللوا للديكتاتور السابق، ومارسوا عملية إقصاء للاتجاهات الأخرى وللمثقفين الحقيقيين، فلم تعرف جوائز الدولة التي كانوا يوزعونها فيما بينهم طريقها لأي من القامات الفكرية الإسلامية كمحمد عمارة وطارق البشري وسليم العوا وفهمي هويدي (مع حفظ الألقاب).   وحتى بعد نجاح الثورة ما يزال القوم تواتيهم الجرأة أو بمعنى أدق البجاحة؛  للاستمرار على نفس المنوال ولعب نفس الدور، بل وممارسة سياسة الابتزاز ضد المجلس العسكري بالحديث عن صفقة بينهم وبين الإخوان، وانتماء بعض أعضاء المجلس إلى الإخوان، وهو الأمر الذي دعا المجلس إلى نفي هذه الاتهامات، والغريب أننا لو طبقنا المنهج الذي يستخدمونه فلن يكون في صالحهم على وجه الإطلاق، فما تزال عملية الإقصاء للإسلاميين مستمرة من جانبهم ومن جانب المنتمين لتوجهم الفكري من أصحاب الأسماء البراقة إعلاميًّا الذين انخدع فيهم الكثيرون، مثل د. يحيى الجمل الذي على ما يبدو لم يجد شخصًا واحدًا من أنصار التيار الإسلامي يصلح لأن يكون عضوًا في المجلس القومي لحقوق الإنسان، ويحاول الآن الالتفاف على الإرادة الشعبية التي عبرت عنها نتيجة الاستفتاء على الدستور بالدعوة إلى الحوار وتشكيل لجنة لوضع دستور جديد، تحت ذريعة أنه سيكون دستورًا استرشاديًّا يوضع أمام اللجنة التأسيسية، ونفس الحال في الوزارة التي اتسعت لبعض الأحزاب، ومنها الحزب المنحل وضاقت على الإسلاميين، وحتى الاستثناء الوحيد وهو تعيين الإخواني صبحي صالح في لجنة التعديلات الدستورية، فلم يطق القوم عليه صبرًا وانطلقوا في حملة للهجوم عليه وعلى اختياره لهذه المهمة، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل طال أيضًا المستشار طارق البشري المعروف بنزاهته وأمانته الذي كانت كل جريمته في نظرهم أن له توجهًا إسلاميًّا!!.   إن سجل هؤلاء الناس طويل ومخزٍ؛ ولكن بعيدًا عن التقاذف والتنابز بالاتهامات، ولو تحدثنا بصورة موضوعية وعقلانية فيبقى السؤال عن الضمان الحقيقي لعدم انقلاب أي حزب أو قوة سياسية على الديمقراطية.   لقد اقترح البعض ومنهم نجيب محفوظ قبل قيام الثورة بسنوات أن تكون القوات المسلحة هي حامية الديمقراطية، مستشهدًا بالنموذج التركي، وقد عاد البعض لطرح هذا الرأي، ومنهم محمد البرادعي الذي طالب بوضع مادة في الدستور تنص على حماية الجيش لمدنية الدولة، وهو أمر يثير الدهشة خاصة أنه يصدر عمن ينسبون أنفسم للفكر الليبرالي والعلماني، وتزداد الدهشة والعجب ممن يستشهدون منهم بالنموذج التركي، وهو نموذج في غاية السوء ولا يخدم هذه القضية بأي حال من الأحوال، لقد أدَّى تدخل الجيش التركي في الحياة السياسية تحت دعوى حماية المبادئ الأساسية للجمهورية التركية، وعلى رأسها العلمانية إلى مصائب كثيرة بتركيا من النواحي الاقتصادية والسياسية وحقوق الإنسان؛ حيث كانت تقبع تركيا في ذيل الدول الأوربية قبل تولي حزب العدالة والتنمية السلطة عام 2002م.   لقد أدَّى تدخل الجيش التركي إلى وقوع أربعة انقلابات عسكرية، سواء انقلابات مباشرة باستيلاء العسكر على السلطة كما حدث أعوام 1960 ،1971 ،1980م، أو انقلاب غير مباشر، كما حدث عام 1997م عندما حرك الجيش بعض الدبابات في شوارع أنقرة وأجبر رئيس الوزراء التركي الراحل نجم الدين أربكان على الاستقالة.   والواقع وبعيدًا حتى عن هذه الانقلابات العسكرية فإن الجيش التركي هو الذي كان يحكم البلاد فعليًّا، ومن خلال بعض المؤسسات الدستورية والقانونية، وعلى رأسها مجلس الأمن القومي الذي كان يسيطر عليه العسكر وكانت قراراته ملزمة للحكومة، وقد استغل الجيش التركي النصوص الدستورية التي تفسر على أنها تعطيه حق التدخل (هناك خلاف في تفسير هذه النصوص) أسوأ استغلال، خاصة فيما يتعلق بمفهوم العلمانية التي اتخذت في المفهوم التركي صورة متطرفة معادية للدين لا نجد لها مثيلاً في البلاد العريقة في العلمانية، والتي نشأت على أرضها فأصبح ارتداء إيشارب على رأس امرأة في تركيا تهديدًا للعلمانية واضطر رئيس الوزراء التركي أوردغان أن يرسل بناته للتعلم في الخارج بسبب منع ارتداء الحجاب في الجامعات التركية.   لقد كان أحد الأسباب الرئيسية للانقلاب الأول الذي وقع في تركيا عام 1960م هو إقدام رئيس الوزراء التركي آنذاك عدنان مندريس على السماح ببعض المظاهر والحريات الإسلامية التي كانت من قبيل المحرمات في تركيا مثل عودة الأذان باللغة العربية والسماح بتلاوة القرآن في الإذاعة وافتتاح مدارس الأئمة والخطباء وبعض المعاهد الإسلامية، وهو الأمر الذي دفع الجيش للانقلاب على مندريس وإعدامه بعد ذلك.   المهم وبعيدًا عن الاسترسال في هذا الموضوع الذي يحتاج إلى مقال مستقل، فقد عملت حكومة حزب العدالة والتنمية على تقليم أظافر الجيش التركي والحد من تدخله في السياسة التركية يؤازرها في ذلك التأييد الشعبي الذي يحظى به والإنجازات التي حققها، سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي، بالإضافة إلى رغبة الشعب التركي في الانضمام للاتحاد الأوروبي والمعايير الديمقراطية التي يتطلبها ذلك، والتي تمنع الجيش من التدخل في الشأن السياسي، وقد استطاع أوردغان وحكومته تقليص سلطات ونفوذ الجيش، خاصة مجلس الأمن القومي الذي أصبحت الأغلبية فيه للمدنيين، وأصبحت قراراته توصيات غير ملزمة، ويسعى حزب العدالة إلى وضع دستور جديد يمنع تمامًا وفعليًّا (ينص الدستور التركي حاليًّا على عدم تدخل الجيش في السياسة) أي دور للجيش التركي في الحياة السياسية.   وهكذا نرى أنه في الوقت الذي تسعى تركيا للتخلص بصورة نهائية من أي دور للجيش في الحياة السياسية يطالب البعض في مصر ممن يرفعون شعارات الحرية والديمقراطية ومدنية الدولة؛ بوضع نص في الدستور يعطي الجيش التدخل للحفاظ على الديمقراطية ومدنية الدولة، والمشكلة الكبرى بصفة خاصة تتعلق بمدنية الدولة، لأنه لا يوجد أصلاً مصطلح في العلوم السياسية اسمه الدولة المدنية التي لا حديث اليوم في مصر إلا عنها، وهو مصطلح أو تعبير لا يوجد تعريف محدد له محل إجماع أو اتفاق، فبعض مَن يرفعون شعار الدولة المدنية يطالبون بإلغاء المادة الثانية من الدستور الخاصة بأن الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع، ويعتبرون المطالبة بتحكيم الشريعة مخالف في نظرهم للدولة المدنية، ويعتبرون أن الدين علاقة بين العبد وربه، وهم في هذا الجانب يقتربون من مفهوم العلمانية، بينما يرى الإخوان أن الدولة الإسلامية هي دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية، أي تستند إلى مبادئ الشريعة الإسلامية، فأي دولة مدنية سيتدخل الجيش للدفاع عنها؟!   إن هذا الأمر- إن حدث- قد يفتح الباب على مصراعيه لتدخل الجيش في  الحياة السياسية؛ بحجة الدفاع عن مدنية الدولة مثلما يفعل الجيش في تركيا بحجة الدفاع عن العلمانية مع الفارق الكبير بين الحالتين.   إن من أشد النكبات التي شهدها العالم الثالث، وخاصة العالم العربي هي تدخل الجيش، سواء بصورة مباشرة أو من وراء ستار في الحياة السياسية ولا يعقل مع نجاح الثورة أن ترتفع الأصوات المطالبة بتدخل الجيش؛ بحجة حماية الديمقراطية ومدنية الدولة، كما ترتفع أصوات البعض الآخر مطالبة باستمرار الجيش مدة أكبر في إدارة شئون البلاد في الوقت الذي يريد الجيش نفسه إنهاء مهمته بأسرع وقت ممكن والعودة إلى مهامه الأصلية، وهو أمر يدعو إلى الدهشة، لأن مهمة الجيش ليست حكم البلاد، والأمر الآخر وبمنتهى الصراحة (ومع تثمين الدور الوطني للجيش في دعم وتأييد الثورة) فإن الخبرات التاريخية في مصر قد تثير بعض المخاوف المشروعة من إطالة بقاء الجيش في السلطة وعلينا أن نتذكر أن ثورة 25 يناير أنهت 57 عامًا من الحكم الاستبدادي نتيجة أزمة مارس 1954عندما انقلب عبد الناصر ورفاقه من الضباط الأحرار على قرارات مارس الديمقراطية وسيرت المظاهرات التي تهتف بسقوط الحرية والديمقراطية.   إن الضمان الوحيد للديمقراطية هو الشعب المصري نفسه الذي أنجز هذه الثورة التي أذهلت العالم كله، لقد كان البعض يراهن على الجيش قبل اندلاع ثورة يناير لإحداث التغيير ومواجهة مخطط التوريث، بينما كان البعض- وأنا منهم- يراهن على الشعب المصري، وإن كانوا يعتقدون أن هذا الطريق طويل ويحتاج لسنوات، حتى فاجأتنا جميعًا بل فاجأت العالم كله ثورة الشعب المصري (وهو الاسم الصحيح للثورة)، التي لم يكن يتوقعها أحد بهذا الشكل الذي تمَّت به، لقد كان أقصى التوقعات أن ينتج انفجار ربما يشبه ما حدث في 18 و19 يناير أو يكون أكثر اتساعًا نتيجة حالة الاحتقان التي سادت المجتمع المصري قبل الثورة؛ ولكن ما حدث فاق كل حدود التوقعات.   إن وعي الشعب المصري وترسيخ الممارسات الديمقراطية من خلال الأحزاب القوية ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام الحرة والتربية السياسية وتعميق الممارسات الديمقراطية داخل جميع المؤسسات في الدولة، ابتداءً من اتحادات الطلبة وحتى رئاسة الجمهورية ويقظة المجتمع المصري كفيلة بالتصدي لمحاولة القفز على السلطة والانقلاب على الديمقراطية أو صناعة فرعون جديد. ----------  * مدرس التاريخ الحديث والمعاصر-  كلية التربية جامعة دمنهور.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل