المحتوى الرئيسى

عمود الخيمة

05/16 08:10

الملائكة لا يسكنون الأرض. القضاة لم يتنزلوا من السماء. القضاة ليسوا ملائكة، يخطئون ويصيبون. العصمة لا تكون إلا لنبى، ولم يدّع قاض النبوة، ولم يدّع العصمة، وخير الخطائين التوابون. ريح صرصر عاتية تكاد تقتلع أوتاد الوطن. القضاء عمود الخيمة. لم يتبق قائما يصلى فى محراب الوطن سوى القضاة، يحكمون بين الناس بالعدل. صرح شامخ. هز هيبة القضاء هدف خبيث لو تعلمون، هدف معلوم. القضاء صار هدفا، صار لوحة نيشان. إنهم يصوبون كثيرا على المنصة العالية. ليست مصادفة أن يتم استهداف القضاء فى توقيت هو حياة أو موت، أن يتم اغتيال القضاء على مفرق الوطن، أن تهز هيبة القضاء قبل إلقاء أول ورقة فى أول صندوق انتخابى. استباق الخريف البرلمانى بإسقاط القضاء لا يخفى على أحد. كيف يشرف على سلامة انتخابات برلمانية من كان عليلا، التشكيك فى نزاهة القضاء كبيرة إلا على الظالمين لوطنهم. القضاء حياة- ولكم فى القصاص حياة- وعصب الوطن قضاء، وفى أعتى عهود الظلم والاستبداد كان القضاء حكما ونصيرا، ورغم صنوف العنت والتضاغط السياسى والحزبى والدينى، كانت المنصة عالية، محل اعتبار وتقدير، كان هناك حرص بيننا على تنزيه القضاء، على جبل القضاء على استكمال رسالته وتأدية أمانته، إنا عرضنا الأمانة. القضاء حصن، مرماه رام وراح سليما، عناية الله جندى، كم بغت دولة على القضاء وجارت ثم زالت وتلك عقبى التعدى، كم بغى على القضاء حكام، كم نكل بالقضاء مستبدون، كم دقت على رأس القضاء طبول! كان القضاة دوما صابرين محتسبين محتملين، ولسان حالهم أننى حرة كسرت قيودى رغم أنف العدا. القضاء ثورة، قبل اكتمال قمر التحرير بدرا، كان القضاة على الدرب سائرين، ثائرين، كان مشهدا مهيبا، قضاة مصر ينزلون الشارع تزينهم أرواب العدالة السوداء، يتصدرون المشهد السياسى، لامهم وقتئذ من لام، وخشى عليهم وقتئذ من خشى، ولكنهم كانوا صداحين بالحق، كانوا سباقين بالثورة، قصب السبق، لم تكن مطالبهم فئوية، كانت استقلالية، استقلال القضاء من استقلال الشعوب. القضاة غاضبون، غضب نبيل، يخشون على العدالة، إنها معصوبة العينين لا ترى ما يكيدون، المحاكم تضرب فى أطنابها الفوضى، المنصة صارت مستباحة، والمتهمون صاروا أسرى غضب، سيرة القضاة صارت علكة «لبانة» فى الأفواه الفضائية، معلوم القاضى لا يمدح أو يذم. القاضى الآن يذم بملء الفم، ويتهم فى عدالته، وتشكك فى أحكامه، بحسن نية وبعمدية. وظلم ذوى القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند، من بين الصفوف محسوبون على القضاة يقطعونه بحد السيف. لا يكفى تأمين المحاكم بخمسين ألف جندى مما تعدون. تأمين المنصة العالية من المتقافزين، تحصين القضاة من الاستباحة التى يمعن فيها البعض، إبعاد القضاة عن الجدل الدائر حول مستقبل الوطن فرض عين، القضاء كالنهر يغسل نفسه، يغسل أحزانه، ينظف أدرانه، فى سلك القضاة شوامخ لا تقبل الدنية فى قضائنا، التفتيش القضائى لا يحتاج إلى مطهرات تزيل البقع أو تذيب العوالق، العدالة لابد وأن تأخذ مجراها الطبيعى بلا عوائق ولا جنادل ولا شلالات. ما ينتظر القضاء كثير، ملفات فساد صارت جبالا، ومحكومون ينتظرون عدلا، وشعب ينتظر القصاص، وعالم من حولنا يرقب أحكامنا، وينتظر عدالتنا، وكما كانت الثورة ملهمة ينتظر منا عدالة ناجزة ، العدل ضد الظلم، العدل مناعة نفسية، تردع صاحبها عن الظلم، وتحفّزه على العدل، وأداء الحقوق والواجبات، وهو سيد الفضائل، ورمز المفاخر، وقوام المجتمع المتحضر، وسبيل السعادة والسلام. الثورة على الظلم تعنى العدل، والله عدل، والعدل بين يدى هؤلاء، لا ترعشوا أيديهم ولا تفتشوا فى ضمائرهم، سدنة العدالة يحتاجون إلى سند من الشارع قبل الشارع، الأولى الشارع المصرى، والثانية المشرّع المصرى. ما ينتظر القضاء كثير، انتخابات برلمانية ورئاسية، انتخابات تحت الإشراف القضائى الكامل على الصندوق، ليس من مصلحة البلاد والعباد إضعاف القضاء، ليس من المصلحة الوطنية هز هيبة القضاء. الامتحانات الانتخابية عسيرة وصعبة، وتحتاج إلى قضاء شامخ، إلى همم عالية، إلى إحساس عارم بالثقة، لابد أن ينال القضاء الثقة الكاملة، ثقة الثوار، ثقة الشارع، ثقة المتنافسين، وفى ذلك فليتنافس المتنافسون.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل