المحتوى الرئيسى

تركيا والانتفاضات الشعبية العربية

05/16 06:20

غسان العزي منذ نيف ونصف العقد تقريباً تحولت تركيا الأردوغانية إلى ظاهرة استنفرت الباحثين والمحللين . منذ أن شرعت باستقبال قياديي حماس في أنقرة مروراً بموقفها من العدوان “الإسرائيلي” على غزة والذي أعقبه انسحاب أردوغان من قمة دافوس في مطلع العام ،2009 ثم قضية سفينة الحرية التي سال فيها الدم التركي على يد الجنود “الإسرائيليين” في العام المنصرم من دون أن ننسى أدوارها الدبلوماسية الناجحة في الخلافات بين العراق وسوريا وفي الشأن اللبناني حيث أسهم أردوغان شخصيا في إنجاح قمة الدوحة في مايو/أيار 2008 وحضر شخصياً جلسة انتخاب رئيس الجمهورية اللبنانية في بيروت . . .الخ، ويضيق المجال هنا أمام محاولة وضع كرونولوجيا ولو مختصرة للحراك التركي في الشؤون الشرق أوسطية منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في أنقرة . لقد كان من الطبيعي أن يكون لأنقرة موقف فاعل في ما يحصل من انتفاضات شعبية في العالم العربي منذ نحو الخمسة أشهر، وهو موقف أفرد له الاعلاميون والمراقبون حيزاً واسعاً في كل المطبوعات ووسائل الإعلام العالمية ناهيك عن الندوات والمؤتمرات الفكرية والأكاديمية (آخرها على سبيل المثال لا الحصر في فندق موفمبيك في بيروت في الثالث من الشهر الجاري) . من المؤكد أن أنقرة فوجئت، كما باقي العالم، بصدمة الانتفاضات الشعبية التي راحت تنتشر كالنار في الهشيم من بلد عربي إلى آخر انطلاقاً من تونس . ويلاحظ المرء أن القادة الاتراك الذين يكثرون عادة من الكلام التزموا الصمت إزاء الثورة التونسية ثم في بدايات نظيرتها المصرية . في بداية فبراير/ شباط الماضي وبعد مكالمة هاتفية بين الرئيسين أوباما وأردوغان طلب هذا الأخير من الرئيس المصري أن يصغي إلى تطلعات شعبه المحقة قبل أن يرفع من لهجته تماشياً مع ارتفاع حدة الانتفاضة الشعبية ليصل إلى الإعلان أن على مبارك التنحي . وينبغي التذكير في هذا المجال بأنه خلال السنوات القليلة المنصرمة انهمك محللون ومراقبون غربيون كثر في تحليل النوايا التركية حيال الغرب بشأن خروجها من المنظومة الأطلسية . فجريدة “لوموند” الفرنسية، على سبيل المثال، عنونت إحدى افتتاحياتها: “هل نحن بصدد خسارة تركيا؟” في حين راج مصطلح “العثمانية الجديدة” في صفحات الصحف وبعض المجلات المرموقة . بالطبع أثبتت الأحداث اللاحقة أن حجة هؤلاء لاتستند على أساس صلب . فالموقف التركي من الغزو الأمريكي للعراق ومن العدوان “الإسرائيلي” على غزة ومن بعض القضايا الشرق-أوسطية الأخرى (النووي الإيراني واتفاق استانبول، سوريا والعراق ولبنان . . .إلخ) لايعني أن أنقرة فكت تحالفها الاستراتيجي مع واشنطن أو أنها بصدد الانسحاب التدريجي من حلف الأطلسي أو من مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، على العكس تماماً فهي تسعى للبرهنة على أنها ستكون ذخرًا استراتيجياً لهذا الاتحاد إذا انضمت اليه . من ناحية أخرى، فعلى الرغم مما تتمتع به من احترام وهالة لدى الرأي العام العربي يبقى موقف تركيا محرجاً بسبب الظرف السياسي الدقيق الذي تمر به منطقة الشرق الأوسط التي تقف على منعطف خطر في تاريخها الحديث . ومن أسباب هذا الحرج أن أنقرة تفضل “الستاتيكو” على الانقلابات الفجائية غير المحسوبة التي قد تهدد كل التوازن الجيوبوليتيكي الهش في المنطقة . وأبرز مثال على ما يمكن أن يطرأ من تطورات خطرة غير محسوبة العواقب هو ما يجري في سوريا والتي تتعامل معه أنقرة بشيء من الحيرة والالتباس . فقد قامت السياسة الخارجية التركية في عهد “العدالة والتنمية”، وحتى قبل وصول مهندسها ودماغها المفكر داود أوغلو إلى وزارة الخارجية، على مبدأ تصفير المشكلات مع الجيران . وفي هذا الإطار شهدت علاقاتها مع الجيران تحسناً أكثر من ملحوظ ووصلت علاقتها بدمشق إلى مستوى التحالف تقريبا . واليوم عليها أن تعثر على نقطة التوازن الدقيق بين عدم خسارة الإنجاز المتمثل بالعلاقة الجديدة مع سوريا وعدم البقاء متفرجة أمام العنف الذي يجري هناك والذي قد يمتد إلى الداخل التركي نفسه أو يتطور إلى حرب أهلية وتدخل أجنبي على الطريقة الليبية .وهي في الوقت نفسه لاتستطيع الا أن تدعم المطالب الشعبية عشية انتخابات ستجري في الشهر المقبل لن يتردد خصوم الحزب الحاكم في انتقاد موقفه المتشدد من السياسة “الإسرائيلية” والمتهادن مع النظام السوري . ثم إن تركيا تمثل اليوم “نموذجاً” في نظر كثيرين في العالم العربي وخارجه عشية انتقال من نظام سياسي قديم إلى آخر جديد أو ناشئ . وهذا يرتب عليها مسؤوليات جسام، لذلك ربما يتعاطى القادة الأتراك مع هذا المصطلح بالكثير من الحذر، فالرئيس غول خلال زيارته إلى القاهرة في 3 مارس/آذار الماضي (أول رئيس يزورها بعد تنحي مبارك) أعلن أن كلمة “نموذج” مبالغ فيها ومن الأفضل ربما استخدام تعبير “مثال” يحتذى . وهذا صحيح فمن الصعوبة بمكان نقل التجربة التركية، بتطورها منذ الكمالية إلى اليوم، إلى دول أخرى لها خصوصياتها المختلفة . ولكن هذه التجربة تشكل مادة تفكير ونقاش لانتلجنسيا المنطقة العربية والإسلامية الباحثة عن نموذج خارج الغرب العلماني المفرط في ليبراليته وماديته .وقد كشف أحد استطلاعات الرأي في سبتمبر/أيلول 2010 في سبع دول شرق-أوسطية أن 66 في المئة من المستطلعين يعتبرون أن تركيا “مثال يمكن أن يحتذى في المنطقة لانه يمثل توليفة موفقة بين الاسلام والديمقراطية” . لقد كشفت الأزمة الليبية قدرات وتناقضات تركيا التي عارضت بداية التدخل العسكري الأطلسي وانتقدت فرنسا لاسيما الرئيس ساركوزي الذي نصب نفسه قائداً للعمليات . وفي 22 مارس/آذار أعلن أردوغان أنه لن يشهر السلاح في وجه الشعب الليبي قبل أن يعلن موافقته على قيادة حلف الأطلسي للعمليات، أي بتعبير آخر عدم ترك هذه القيادة لفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة . هذا الموقف الجديد اتخذ من التعددية ذريعة لكنه أتى بعد تدخل حثيث من واشنطن وزيارة الجنرال جيمس ستارفيديس، قائد الأطلسي في أوروبا، إلى أنقرة في 23 مارس/ آذار، حيث التقى وزيري الخارجية والدفاع ورئيس الأركان الأتراك . عندها وافقت أنقرة على المشاركة في الحصار البحري لليبيا ولكن من دون المشاركة في القصف الجوي رغم دعوتها القذافي إلى التنحي . وهكذا بتركيزها على العمل الإنساني وإجلاء الجرحى بواسطة السفن المستشفيات والتبرع بالوساطة السياسية وبوضع “خريطة طريق” لانتقال سلمي للسلطة في ليبيا فإنها بينت عن تمايز عن شركاها في الأطلسي . هذا التمايز يفيد ولا يضر الولايات المتحدة وأوروبا لاسيما في غياب سياسة خارجية ودفاعية مشتركة لهذه الأخيرة . وصعود تركيا الإقليمي، في وقت تنشب فيه ثورات شعبية عربية، يرتب عليها مسؤوليات ليست متأكدة من قدرتها على تحمل أعبائها . لاحظوا التوتر الذي بدأ يخيم على علاقتها بسوريا وعودة تعابير مثل “العثمانية الجديدة” والطورانية وغيرها في الصحف السورية الرسمية على سبيل المثال لا الحصر . *نقلا عن "الخليج" الإماراتية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل