المحتوى الرئيسى

> مصر بين دستورين (6) ..جريدة الشعب التي لا يقرأها الشعب!

05/16 21:12

 لعل من أغرب الأشياء المدهشة واللافتة للانتباه لكل الذين قد قرأوا مذكرات «إسماعيل صدقي باشا» وكان قد بدأ في نشرها علي شكل حلقات في مجلة المصور ابتداء من مارس سنة 1948 ثم صدرت بعدها في كتاب مستقل! أنها خلت تمامًا من أي إشارة إلي جريدة الشعب»! ولا كلمة ولا سطر عن «صحيفة الشعب» التي ظلت تصدر طوال وجود «صدقي باشا» رئيسًا للحكومة ورئيسًا للحزب حتي استقالته في 21 سبتمبر سنة 1933. الأكثر من هذا غرابة ويثير التعجب أن صدقي باشا لم يكتب عن حزبه إلا سطورًا قليلة لا تزيد علي عشرة أسطر لا أكثر ولا أقل! ببساطة وصراحة لا نظير لها يعترف صدقي باشا: «لم أكن أريد أن أؤلف حزبًا أو أصبح رئيسًا لحزب يومًا من الأيام، لأنني لا أميل إلي الحزبية وليس من طبيعتي التشيع لشخص من الأشخاص ولو كان شخصي، أو لفكرة من الأفكار إلا إذا كنت مؤمنًا بها إيمانًا مطلقًا عن كل غرض أو قيد من القيود، ولكن ظروف الحكم والحياة الدستورية اضطرتني إلي تأليف «حزب الشعب» لأستند إلي تأييده بعد ما تخلي عني جانب ذو شأن من حزب الأحرار، وانضم إلي الوفد لمعارضتي ومحاربة دستور 1930». لقد كانت السيدة «روزاليوسف» محقة كل الحق عندما كتبت فيما بعد تقول: «وحين سقط صدقي تخلي عنه كل شيء: تخلي عنه حزبه، وتخلت عنه جريدته، وتخلت عنه الأغلبية التي أوجدها من العدم». والملاحظ أيضًا أن مذكرات روزاليوسف خلت تمامًا من أي إشارة إلي جريدة «الشعب». وكان لابد أن تصدر الجريدة بأي شكل، لكن كيف تصدر وما زال صدقي باشا يبحث عن رئيس تحرير لجريدة الشعب! واتجه تفكير «صدقي» باشا بعد أن فشلت محاولات استقطاب د. محمد حسين هيكل باشا لرئاسة تحرير جريدة الشعب - إلي أن يفاتح الدكتور «طه حسين» في أمر رئاسته لتحرير «الشعب»!! وهنا بالضبط تبدأ قصة من أغرب الفصول بين الرجلين! > > لقد أصابت الدهشة د. طه حسين عندما علم أن «صدقي باشا» احتفظ لنفسه إلي جانب رئاسة الوزراء بمنصب وزير الداخلية وبمنصب وزير المالية ويتساءل في سخرية مريرة: - هل يفكر صدقي باشا إذن أن يحكم البلاد بسيف المعز وذهبه!! هذه الواقعة رواها د. محمد حسن الزيات زوج ابنة د. طه حسين، ووزير الخارجية فيما بعد زمن الرئيس السادات، وعن تفاصيل عرض صدقي باشا لطه حسين، يروي «الزيات» إنه في ذلك الوقت جرت انتخابات عمادة كلية الآداب والتي فاز بها د. طه حسين علي منافسه الإنجليزي الأستاذ «سترلنج»، وترفع النتيجة إلي وزير المعارف «مراد سيد أحمد» باشا. تفاصيل ما جري بعد ذلك يرويها د. محمد حسن الزيات في كتابه «ما بعد الأيام». «يعتمد مراد سيد أحمد باشا» وزير المعارف تعيين طه حسين أول عميد مصري لكلية الآداب ويبلغ هذا الخبر لمدير الجامعة أثناء اجتماع لمجلس الجامعة كان «طه حسين» يحضره ممثلاً لكليته، فيقدم المدير تهنئته للعميد الجديد، ويقترح عليه أن يقابل الوزير في صباح اليوم التالي للشكر. ويعرف مدير الجامعة أثناء الجلسة أن رسولا أرسله وزير المواصلات «توفيق دوس باشا» يريد مقابلة الدكتور طه حسين مقابلة عاجلة فيأذن للعميد الجديد في مغادرة المجلس لمقابلة رسول الوزير، ويعود طه حسين بعد مدة قصيرة إلي قاعة الاجتماع صامتًا، ثم ينصرف عند انتهاء الاجتماع دون أن يتحدث إلي الرئيس أو الأعضاء في أمر الرسالة التي حملها إليه رسول وزير المواصلات!! وفي صباح اليوم التالي يستقبل وزير المعارف عميد كلية الآداب الجديد، وقد جاء للشكر علي التعيين، ولكن الوزير الذي يكرر تهانيه، ينتقل إلي موضوع كلفه رئيس الوزراء - صدقي باشا - بالحديث فيه! أن جريدة جديدة باسم جريدة الشعب ستصدر قريبًا بإمكانات غير محدودة لتكون لسان حال الحزب الذي أسسه «صدقي باشا» وهو حزب الشعب ودولة الرئيس يعرض علي «طه حسين» رياسة تحرير هذه الجريدة. وطه حسين يجيب بأن دولة الرئيس كان في اليوم السابق قد كلف شخصين آخرين بأن يتحدثا معه في هذا الموضوع، وهما وزير المواصلات «توفيق دوس باشا» و«عبدالحميد بدوي باشا»، وأن جوابه في الحالين كان هو الرفض بغير تردد، إنه لم يمض علي انتخابه عميدًا لكلية الآداب غير يوم واحد وهو أول عميد مصري للكلية، وهو لا يريد أن يترك دراساته ولا زملاءه الذين انتخبوه، ولا تلاميذه ولا كليته!! ويقول «مراد سيد أحمد» - لطه حسين - إن «إسماعيل صدقي» لا يريده أن يترك دراساته، بل يريده أن يتابع في «صحيفة الشعب» نشر مقالاته الأدبية وبحوثه إلي جانب المقالات السياسية، وإنه سيكون حرًا في التحرير حرية كاملة، ورئيس الوزراء يؤكد أيضًا أن مطالب طه حسين كلها مادية وغير مادية مجابة!! ويكرر «طه حسين» الرفض!!وقال وزير المعارف لطه حسين: - يظهر أن دولة الرئيس يعرفك جيدًا فقد كلفني أن أعرض عليك، إذا لم ترغب في التفرغ لرئاسة التحرير - أن تبقي عميدًا لكلية الآداب علي أن تكتب المقال الافتتاحي للجريدة فقط. ويرد طه حسين: ليس إلي هذا سبيل! فيقول الوزير وهو يرجع إلي ورقة أمامه: - أن صدقي باشا يقترح عليك موضوع المقال الافتتاحي في العدد الأول للجريدة وهو: أن وجود حزب الشعب ضروري لتحقيق المصالح المصرية الصحيحة! ويرد «طه حسين» وهو يبتسم ابتسامة فيها شيء من الأسي: - دولة الرئيس يُحسن اختيار العناوين!! ويقول الوزير: وهو أخيراً يرضي بأن تكتب المقال علي أن ينشر بغير إمضاء؟! فيقول طه حسين» ليست المسألة يا معالي الوزير أن أكتب مقالاً يملي علي موضوعه أو لا يملي وأن أمضيه أو لا أمضيه، وأن اتحكم في مقابله المادي أو لا أتحكم، أنني لا استخفي إذا أردت أن أقوم بعمل من الأعمال. المسألة يا باشا أنني لا أعرف إن كان وجود حزب الشعب ضرورياً لتحقيق المصالح المصرية الصحيحة أم لا؟! ولكني أعرف أن المصالح الصحيحة هي في انصرافي إلي عملي في كلية الآداب، الذي لم يمض علي تعييني عميداً لها غير يوم واحد. وحسب شهادة د. محمد حسن الزيات فقد مضي د. طه حسين قائلاً لوزير المعارف مراد سيد أحمد باشا بكل حسم ووضوح ما يلي: «أن كتابتي في جريدة الشعب تضرنا جميعاً ولا تنفع أحداً، وليس من مصلحة الحكومة أن يعرف الناس أن الموظفين يكتبون في صحيفتها، ولا ينبغي لعميد كلية الآداب أن يسخر نفسه للكتابة في صحف الحكومة، فيتعرض بذلك لازدراء الزملاء والطلاب جميعاً!! ويقول الوزير له: لا داعي لأن أخبرك طبعاً إنك لو قبلت فإنك ستكون محل التقدير والامتنان من أعلي مقامات البلد علي أني قد أبلغتك رسالة دولة الرئيس وسمعت كلامك وفهمت عذرك، وسأنقل ذلك كله للرئيس، فلا داعي إذن للاستمرار في هذا الحديث». ويعود الوزير فيهنئ طه حسين بالعمادة ويرجو له التوفيق قبل انصرافه! ويختتم د. الزيات شهادته بقوله: وفي مساء اليوم نفسه يزور «طه حسين» لطفي السيد ويقص عليه كل ما حدث، ولطفي يبادر فليكلم الأستاذ «عبد الحميد بدوي بالتليفون ويقول له: الموضوع الذي تحدثت فيه مع الدكتور «طه» بالأمس، ليس هذا وقت العتاب ولكنني أرجو أن تعمل كل ما تستطيع لتصرف عنا وعن الجامعة هذه الكارثة!». هكذا كان موقف د. طه حسين من سيف «صدقي» وذهبه! فإذا فشل سلاح «الذهب» فقد بقي السيف، وهو ما حدث بعد ذلك، ففي يوم الأربعاء 20 مارس سنة 1932 عقد مجلس وزراء الحكومة جلسة خاصة لحسم موضوع ناقشه البرلمان وناقشته الصحف من قبل، في هذه الجلسة لم يتحدث أحد من الوزراء سوي وزير المعارف، وبعد انتهاء الاجتماع خرج «صدقي باشا» لمقابلة مندوبي الصحف وقرأ عليهم هذا البيان القصير: «قرر مجلس الوزراء فصل الأستاذ طه حسين أفندي، الموظف بوزارة المعارف العمومية من خدمة الحكومة». وإذا كان «صدقي باشا» قد سلب من طه حسين منصب عميد كلية الآداب، فإن الأمة كلها قد أعطت طه حسين أعظم لقب عندما ظلت تناديه وتخاطبه بلقب «عميد الأدب العربي» وتلك قصة أخري!! وهكذا صدرت «جريدة الشعب» بغير وجود د. طه حسين، وفوجئ الناس باسم لم يكن قد سمعوا به من قبل يرأس تحرير الجريدة التي تعبر عن حزب رئيس الحكومة، وكان اسم الرجل «عبد المجيد نافع»!! وفي وصف بالغ الدقة يصفه الأستاذ محمد زكي عبد القادر الذي عمل معه وزامله في جريدة الشعب بقوله: كان محامياً نابهاً جاء من الأرياف، من ميت غمر والمنصورة مباشرة لكي يكون رئيساً لتحرير جريدة الحكومة، لمحت فيه طيبة أهل الريف وطابعهم، قال إنه محام منذ 13 سنة، كان من الألسنة الخصبة القوية لثورة سنة 1919 وقال لي إن «سعد زغلول وصفه بأنه أخطب خطباء الثورة.. قال إنه كتب مقالات في الأهرام أعجب بها «سعد زغلول» وشجعه علي الاستمرار فيها. وفهمت منه أشياء كثيرة عن حياته، ولا بأس بما لمحته عليه من رغبة في التفاخر والزهو لا بأس بهذا كله.. لم يضايقني منه هذا ولكنه عطفني عليه شعرت أن الرجل يحس إنه طارئ علي الصحافة وليس له بها سابق عهد. إنه يشعر أنه مغبون في حياته العامة وينظر إلي أقرانه الذين سبقوه في عالم السياسة والأحزاب فيري أنه تخلف عنهم، مع أنه أكثر منهم ثقافة والمع وأقدر لساناً وأقوي قلماً»... و.. وإن تجربة «حزب الشعب» وصحيفته «الشعب» تعد إحدي عجائب الحياة السياسية والصحفية في مصر! لقد عاش الكاتب الصحفي الكبير الأستاذ «محمد زكي عبد القادر» هذه القصة من الألف إلي الياء، وشاهد عن قرب تفاصيل وكواليس تدعو للدهشة والحيرة، والارتباك أيضًا، فقد كان ثالث رئيس تحرير لها!! لقد كان الأستاذ محمد زكي عبد القادر يعمل في جريدة السياسة التي يرأس تحريرها د. محمد حسين هيكل باشا، وهي لسان حال حزب الأحرار الدستوريين الذي يترأسه «محمد محمود باشا». والآن إلي شهادة زكي عبد القادر وحسبما وردت في مذكراته المهمة والخطيرة أقدام علي الطريق حيث يقول: «لم يراع» صدقي باشا في تأليف وزارته حزباً معيناً، ولكنه راعي الأشخاص الذين يمكن الاستعانة بهم في المهمة الثقيلة التي هو مقدم عليها، وكانت مهمة ثقيلة فعلاً.. ومع ذلك فإن الدكتور «هيكل» قال لي غداة تأليف الوزارة وكنت أسأله عن طابعها: اعتبرها وزارتنا.. تماماً كوزارة محمد محمود باشا!! وكانت السياسة الأسبوعية في هذا الوقت تحتضر، تضعف تحت ضغط السياسة الحزبية، وتضعف من الناحية الأدبية أيضاً». ولكنني لمحت في الأيام الأولي لوزارة «إسماعيل صدقي باشا» جواً لم ألفة، كان جو السياسة في الشهور الأخيرة من سنة 1930 جوًا منذراً بالعواصف، جو تفكك وانهيار في الحزب والجريدة، لم تصبح الجريدة التي عرفتها منذ ثلاث سنوات، لم تصبح جريدة فائقة التحرير بارعة الرأي، لم تصبح جريدة الرأي حتي ولو كان ضد الأغلبية، تدافع عنه وتقف دونه.. ويصف «زكي عبد القادر» كواليس وأسرار تلك الأيام العصيبة فيقول: أجل صدقي باشا البرلمان شهراً وسكتت جريدة السياسة بل أيدته». كانت الشائعات تؤكد أن صدقي باشا بالاتفاق مع القصر، يعد العدة لا لتعديل دستور سنة 1923 ولكن لالغائه ووضع دستور جديد بدلا منه وانتشرت في البلاد حوادث المظاهرات والمصادمات واكفهر الجو بصورة لم يسبق لها مثيل، وشعر «صدقي باشا» أنه لا يستطيع اليوم أن يعتمد علي حزب الأحرار الدستوريين، وأعلن الحرب سافرة عليه، وأخذ يتعقب جريدته بالتحقيق والتفتيش والتقديم للنيابة و.. و.. وإذا نحن في يناير سنة 1931، وأذهب إلي جريدة السياسة علي عادتي فإذا جند وشرطة وأفندية يذهبون ويجيئون وإذا الدكتور «هيكل» متجهم حزين وعرفت أن قرار الحكومة صدر بتعطيل جريدة «السياسة» إلي أجل غير مسمي.. وأصبحت بلا عمل»! ثم يروي زكي عبدالقادر «تجربته بعد ذلك في عالم المحاماة ثم مقابلته للأستاذ «محمد يوسف السركي» الذي اقترح عليه: هل لديك مانع أن تشتغل في جريدة الشعب! بصراحة نادرة يقول زكي عبدالقادر: لم يكن في خاطري شيء من هذا، ولم أكن أتوقعه ولا أريده ولا أبني أملا أو مستقبلا عليه، كنت أعرف أن صدقي باشا أسس حزبا وأن هذا الحزب اسمه حزب الشعب، وقد جرت العادة أن تؤلف الأحزاب أولا ثم تسعي لتولي الحكم، ولكن الآية انعكست فيما يتعلق بحزب الشعب، تولي الحكم أولا ثم تألف فيما بعد، كان واضحا أن الحزب هو صدقي باشا رئيس الحكومة، ثم لا أحد غيره! وصدرت جريدته باسمه أيضا «الشعب» جريدة مكروهة لا يقرأها أحد، ولا يهضمها أحد ولا يهتم بها أحد، إلا إذا كان العداء والكراهية يعدان اهتماما.. هل تدهورت بي الحال حتي أشتغل في جريدة الشعب؟! إنها ليست صحافة إذا أردت الصحافة وليست سياسة إذا أردت السياسة، وليست قيادة في الفن أو الفكر أو العقل، إذا أردت القيادة في الفن أو الفكر أو العقل، وليست مجتمعا لطيفا ظريفاً خفيف الدم، إذا أردت المجتمع الخفيف الظل الخفيف الدم. باختصار شديد وبغير الدخول في تفاصيل لا مجال لها في هذه الدراسة، فقد وافق «زكي عبدالقادر» علي الاشتغال في جريدة الشعب وحسب شهادته: «ومرة أخري شعرت بالمهانة والضعف وشعرت أنني أقبل العمل في جريدة الشعب كارها وضائقا وكثيرا المخاوف والوساوس. كنت أشعر أنني غريب حينما بدأت عملي وإلي جانب الغربة كان هناك هذا الاحساس السيئ الذي استولي علي لأنني تركت جريدة السياسة ببهرها وعظمتها وروعتها إلي جريدة الشعب بظلامها وضعفها وضآلة حزبها وسياسته! وكان هناك أيضا هذا الشعور السيئ إنني اشتغل في جريدة الشعب التماسا للرزق، لا لشيء آخر، فلم تدخل الجريدة في وجداني ولم يدخل الحزب، وليس أقسي علي الإنسان من أن تجبره الحياة علي أن يشتغل من غير روح ومن غير هدف أو غاية، وانعزلت عن موكب الحزب والجريدة جميعا. فإذا كان هذا هو حال أحد الصحفيين العاملين في الجريدة، فما بالك بأحوال الصحيفة نفسها! بأسلوب الصريح والواضح يصف الأستاذ «زكي عبدالقادر» تلك الفترة من اشتغاله في جريدة الشعب فيقول: كانت الجريدة لا تقرأ، كما هو معروف بالبداهة والواقع لأن الناس لم يكونوا مؤمنين بسياسة «صدقي باشا» ولا بدستوره الذي أصدره، ولا بانتخاباته التي يوشك أن يجريها والتي حشد لها العمد والمشايخ والمديرين والمأمورين والجند والسلاح، ولكن رجال الحزب ورجال الجريدة لم يكونوا يؤمنون بهذا الواقع الذي يؤمن به كل الناس! كانوا يظنون أن الوفديين هم الذين يقاومون انتشار الجريدة وكانوا ينظرون إلي الجريدة كل صباح، وهي تظهر جميلة مرصوصة مرصوفة بالمقالات النارية التي كلها شتم في الوفديين وتمجيد في «صدقي» باشا وعبقريته وسياسته، ويعجبون لماذا لا يقرأ الناس هذا العدد المنشور، ووضعوا همهم في «المعلم علي الفهلوي» متعهد الصحف حينئذ!. قالت المباحث وقال القلم السياسي إنه يتسلم كميات جريدة الشعب من المطبعة ويلقي بها في مخازنه ثم يعيدها إلي أصحابها مرتجعا.. وكان «أحمد كامل بك» (ابن أخت صدقي باشا) مدير الأمن العام، واستدعي علي الفهلوي وسأله وساءله، وراوغه ومناه وهدده، وهز «علي الفهلوي» رأسه وابتسامة عريضة علي وجهه وقال: - يا سعادة البيه الجريدة في أيدي البياعين! وانطلق المفتشون من الجريدة والحكومة، يجوبون الشوارع والميادين والحواري والأزقة يسألون عن جريدة الشعب في أيدي الباعة فيجدونها، ولكن الأمر لم يتغير، بضع نسخ هي التي تباع، والباقي كله الآلاف المطبوعة تعود آخر الشهر أو آخر الأسبوع كالجثة! ووقع «علي الفهلوي» في شر ما يقع فيه إنسان، لم يصدق أحد من الحزب أو الجريدة أنها لا تقرأ، وأصبح «علي الفهلوي» المسئول الأول والمجرم الأول.. وقالوا له: - سنخرب بيتك إذا لم تبع جريدة الحكومة، جريدة صدقي باشا! قال الرجل الزئبقي الذكي، ابن البلد الذي لم تكن تستطيع أن تعرف باطنه من ظاهره: - اشتريها أنا.. حاضرب الناس وأخليهم يشتروها! >> وفي سطر بالغ الدلالة يعلق «زكي عبدالقادر» علي ذلك كله بقوله: «كان يلوح لي أحيانا إنه لا أحد يقرأ جريدة الشعب حتي ولا صدقي باشا»! وكان صدقي باشا إذا أراد أن يدلي بتصريح أدلي به إلي الأهرام أو المقطم». ومن الطريف أن مجلة الصرخة التي أصدرتها السيدة روزاليوسف بعد إغلاق حكومة صدقي باشا لمجلتها وعشرات الصحف والمجلات الأخري، راحت الصرخة تسخر وتهزأ من جريدة الحكومة «الشعب» منذ عددها الأول. وفي مجلة الصرخة العدد رقم 18 وتاريخه 16 ديسمبر 1931 و«تحت عنوان ساخر ومثير هو» رئيس تحرير جريدة الشعب وكيف طرد من الهيئة الوفدية؟ كتبت تقول: «.. وأخيرا صدرت جريدة الشعب معلنة علي صدرها بالبنط الغليظ أن رئيس تحريرها هو «عبدالمجيد ناقع»! ناقع بالقاف لا بالفاء! ونحن نحسن الظن بعامل المطبعة المسئول عن هذه الغلطة ونقول إنها غلطة مقصودة، وأن صاحبنا عامل المطبعة هو ممن يتقنون السخرية والتهكم الوصفي في إيجاز!». وتضيف السطور الساخرة: استهل صديقنا القديم الأستاذ «عبدالمجيد نافع» سلسلة افتتاحيات جريدة الشعب - التي كتب لها منذ الآن في لوح القدر أن يتنهي بها المطاف إلي «دورات المياه»! لقد كان المقال درسا موجعا لجريدة «صدقي باشا» رئيس الحكومة، وتلك قصة أخري!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل