المحتوى الرئيسى

هذه النكبة: (... وما لها مع طول الدهر نسيان)ّّ!! بقلم:ياسين السعدي

05/15 22:45

هدير الضمير هذه النكبة: (... وما لها مَعَ طولِ الدهرِ نِسْيانُ)!! ياسين السعدي عندما بدأت المدن والممالك الأندلسية تتساقط ويستولي عليها الفرنجة، كان الوجود العربي هناك قد وصل مرحلة كبيرة من الضعف والهوان والخذلان والتناحر بين من أطلق عليهم (ملوك الطوائف). لقد تحول الوطن الأندلسي الواحد إلى دويلات وإمارات وممالك (وهمية) ليس لها إلاً الاسم الذي لا يعبر عن حقيقتها، ولا تستحق أن توصف به. وقد وصف الشاعر ابن شرف القيرواني الأندلسي تلك المرحلة المحزنة بقوله ساخراً: مما يُحَيِّرني في أرض أندلسٍ ***** أسماءُ معتمدٍ فيها ومعتضدِ ألقابُ مملكةٍ في غير موضعها ***** كالهر يحكي انتفاخاً صورة الأسدِ بل لقد بلغ الوضع ببعض هؤلاء (الملوك) أنهم كانوا (ذيولا) في جيوش الفرنجة التي كانت تنقض على المدن الأندلسية وتشارك بجيوشها إلى جانب الجيوش الإفرنجية المهاجمة، كما فعل المعتمد بن عباد، ملك أشبيلية، في حصار مدينة طليطلة، ومساهمته في احتلالها من قبل ألفونسو السادس، الذي نقل عاصمة ملكه إليها، وبدأ منها الاستيلاء على بقية المدن الأندلسية، وطرد سكانها المسلمين وفرارهم للنجاة بأرواحهم، فقال الشاعر عن تلك المرحلة محذراً: حُثّوا رواحلكم يا أهل أندلسٍ ***** فما البقاء بها إلا من الغَلََـطِ الثوب ينسل من أطرافه وأرى ***** ثوبَ الجزيرةِ مُنْسَلاًّ من الوسطِ من جاور الشر لا يأمنْ عواقبه ***** كيف الحياةُ مع الحيات في سَفَطِ وكان جبن وتخاذل ملوك الطوائف عن نجدة طليلة من أسباب تلك النكبة، كما يقول ابن بسام في كتابه: (الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة) عن تلك المرحلة اللئيمة في تاريخ المخازي العربية هناك: (لقد كان أسوأ ما في مأساة طليطلة، أن ملوك الطوائف المسلمين لم يهبوا لنجدتها أو مساعدتها، بل على العكس لقد وقفوا موقفا مخزيا، فاغرين أفواههم جبنا وغفلة وتفاهة. بل إن عددا منهم كان يرتمي على أعتاب ألفونسو السادس، طالبا عونه، أو عارضا له الخضوع، حتى قيل فيهم: أرى الملوك أصابتهم بأندلسٍ ***** دوائر السوء لا تبقي ولا تَذَرُ وأطمع ذلك الملك ألفونسو السادس بباقي ممالك الطوائف، وانتشت أحلامه بالقضاء عليها الواحدة بعد الأخرى، وتجبر عليهم، وعلا وطغى، فقام بنقض عهوده التي كان قد قطعها لأهل طليطلة، وحَوَّلَ مسجد طليطلة الجامع إلى كنيسة بقوة السلاح، وحطم المحراب ليقام الهيكل مكانه). ويصف ابن بسام بعض تلك الملامح المحزنة والمخزية في الوقت ذاته فيقول: (وبدأ ألفونسو في تنفيذ خططه بالإيغال في إذلال الطوائف، وخاصة المعتمد بن عباد، أكبر ملوك الطوائف وأشدهم بأسا، حيث أراد أن يمعن في إذلاله كأقوى أمراء الطوائف، فأرسل إليه رسالة يطلب فيها السماح لزوجته بالوضع في جامع قرطبة وفق تعليمات القسيسين ...). وهل تلك النكبة تختلف عن نكبتنا منذ بدايتها وحتى اليوم؟ أليست الدعوات إلى طرد العرب من كل فلسطين ورحيلهم إلى البلاد العربية ذات المساحة الواسعة كما يقولون، تشبه ما قام به ألفونسو في الأندلس؟ لقد تحول مسجد قرية حطين التاريخية مثلاً، إلى زريبة للأبقار، وتحول مسجد قيسارية، كما شاهدته بنفسي، إلى مكان يجتمع فيه (أهل الفن) والموسيقى وطلاب المتعة. وتحول كثير من المساجد إلى أماكن ليس لها علاقة بالعبادات، بالإضافة إلى إهمال كثير من المساجد وعدم السماح بترميمها والعناية بها. كانت الأندلس قد بدأت مرحلة السقوط منذ بدأ العنصر العربي هناك بالانصراف إلى حياة اللهو وطلب المتعة المبتذلة والتحلل من المناهج والقيم الإسلامية، التي أوصلت العرب في الماضي إلى مواطن العزة والكرامة وقيادة التطور الحضاري. بدأت مرحلة تساقط المدن والممالك الأندلسية بالتتابع، وليس دفعة واحدة؛ بالانقضاض عليها بين عشية وضحاها، وإنما كان يتم (قضم المنطقة) التي يصلها الدور حسب المخطط ثم (تُهضم) ويتم احتواؤها وتثبيت الاحتلال، أو (التحرير)، كما سموه هناك، وكما تسمي إسرائيل حرب عام 1948م، بحرب التحرير، لأنها حررت ما استولت عليه وأقامت فيه الدولة غير معلنة الحدود حتى اليوم؛ لأنها لا تزال في طور التمدد والقضم والهضم والاستعداد للانقضاض والقضم من جديد، حسب مخططاتها. سقطت الأندلس وبقيت آثارنا هناك تدل على وجودنا يوم كنا سادة الدنيا، ولكنا صرنا نذهب إلى الأندلس سياحاً كما يأتينا السائحون من بلاد الله الواسعة، لكي يشاهدوا حضارتنا التي بنيناها، وحضارة الذين سبقونا من الأمم في إعمار هذه الديار قبل أن يتم (تحريرها) من أيدي الروم في بلاد الشام والشمال الإفريقي، ومن أيدي الفرس في العراق وما وراء دجلة من الأرض العربية التي كان يحتلها الفرس. ولكن هل سقطت الأندلس بعد مواجهة تم الإعداد لها باستعداد صادق من قبل العرب؟ أو هل تم الاستعداد لمواجهة ما كان يعده أعداؤهم؟ لقد وصل الوضع العربي هناك درجة من التخاذل والقبول بالمذلة والرضوخ لمشيئة الفرنجة الذين كانوا يستولون على البلاد قطعة قطعة، ويتقدمون في زحفهم (خطوة خطوة)، كما نفذ منهاجه علينا هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، و (مهندس الرحلات المكوكية)، كما وصفه المحللون السياسيون. عندما استصرخ المعتمد بن عباد يوسف بن تاشفين في المغرب لنجدته وحماية الأندلس من السقوط بيد الفرنجة، لم يتوان ابن تاشفين عن تلبية الدعوة، فعبر البحر ودحر بقواته الفرنجة، وانتصر المسلمون في معركة (الزلاّقة) التي تعتبر من المعارك الحربية الفاصلة في التاريخ. لكن ملوك الطوائف العرب المسلمين في الأندلس، ظلوا على صراعاتهم السياسية وخلافاتهم الضيقة وفرقتهم القاتلة، بالرغم مما كان يحيق بهم من الخطر الإفرنجي، وما يتربص بهم من الغدر والمكيدة والمحاولات المتكررة للقضاء عليهم من قبل الفرنجة. وهكذا حلت النكبة فيهم، وطردوا من الأندلس في وضع مأساوي مذل ومهين، وتفرقوا في الشمال الإفريقي، ومن ظل منهم تنصر ورضي بحياة الذل والعيش في كنف المحتلين المتجبرين. أكثر الشعراء في وصف تلك المرحلة اللئيمة من التاريخ العربي المهين، فقال أبو البقاء الرندي، قصيدته المشهورة، والتي استعرنا العنوان من أحد أبياتها، ونقتبس بعض أبياتها للمناسبة والمقارنة بين الأمس واليوم، وما حدث لهم قبل أكثر من ستة قرون، وما حدث لنا في نكبتنا التي تمر ذكراها الثالثة والستون هذه الأيام. قال أبو البقاء، صالح الرندي في رثاء الأندلس قصيدته التي مطلعها: لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ***** فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ ومنها قوله: حيث المساجد قد صارت كنائسَ ما ***** فيهنَّ إلا نواقيسٌ وصلبانُ حتى المحاريبُ تبكي وهي جامدةٌ ***** حتى المنابرُ ترثي وهي عيدانُ كم يستغيث بنا المستضعفون وهم ***** قتلى وأسرى فما يهتز إنسان؟ ماذا التقاُطع في الإسلام بينكمُ ***** وأنتمْ يا عبادَ الله إخوانُ تلك المصيبةُ أنستْ ما تقدمها ***** وما لها مع طولَ الدهرِ نسيانُ لمثل هذا يذوب القلبُ من كمدٍ ***** إن كان في القلبِ إسلامٌ وإيمانُ!! فلسطين غير الأندلس ومع أن كثيراً من الشعراء قد نبهوا الضمير العربي إلى ما ينتظر فلسطين قبل النكبة، وحذروا مما حدث قبل أن يحدث، كما خاطب الشاعر الفارس، عبد الرحيم محمود، الأمير فيصل بن عبد العزيز، الملك فيما بعد، عند زيارته للمسجد الأقصى سنة 1933م قائلاً: المسجد الأقصى أجئت تزوره؟ ***** أم جئت من قبل الضياع تودعهْ؟ وكما قال إبراهيم طوقان؛ مخاطباً العرب عموما والفلسطينيين خصوصاً: أمامك أيها العربي يوم ***** تشيب لهوله سود النواصي مناهج للإبادة واضحات ***** وبالحسنى تنفذ والرصاصِ وكتب الشاعر الفارس، ابن جنين، برهان الدين العبوشي مسرحية شعرية بعنوان (شبح الأندلس)، يصور فيها الوضع المأساوي الذي تلا حرب 1948م، حتى رحيل الجيش العراقي سنة 1949م، وطبع المسرحية في ذلك العام، إلا أن الوضع العربي كان قد وصل أدنى درجات الضعف والهوان والخذلان، مما ساعد اليهود على احتلال مساحات أوسع بكثير مما أعطاهم قرار التقسيم، وحدثت النكبة التي تحل ذكراها في هذا اليوم المؤلم. لكننا ما فقدنا الأمل يوماً، ولا نعيش أحلام اليقظة أبداً، فالفرق كبير بين وضع فلسطين ووضع الأندلس؛ لأن الأندلس ليست وحدة جغرافية متواصلة مع الوطن العربي، وإنما يفصلها البحر، وهي جزء من أوروبا. أما فلسطين فهي في (قلب) الوطن العربي. لقد تخاذل (ملوك الطوائف) العرب المعاصرون عن نصرة الشعب الفلسطيني. بل يُتهم بعضهم بالتآمر، بالرغم من مظاهر المشاركة في حرب سنة 1948م. في مثل هذه الأجواء الأندلسية التي سادت في تلك المرحلة اللئيمة والمؤلمة، سادت أجواء التخاذل العربي الرسمي هنا، وإن كان الجنود والمتطوعون العرب والمواطنون الفلسطينيون الذين شاركوا في مواجهة الهجمات اليهودية، قد أبلوا بلاء حسنا، وخصوصاً الجيش العراقي الباسل الذي استطاع تحرير مدينتي الغالية، جنين، واسترجاعها بعد أن احتلها اليهود، ولكنه لم يتمكن من تحرير واسترجاع قريتي العزيزة (المزار)، بعد أن كان قد دخلها بمشاركة المقاتلين العرب، قبل أن يتلقوا الأمر بالانسحاب منها بالمقولة الظالمة: (ماكو أوامر)؛ مما يؤكد حجم المؤامرة على فلسطين. ولا بد أن نشير إلى بطولات الجيش العربي الأردني الباسل في الدفاع عن القدس وحماية المسجد الأقصى والأماكن المقدسة، بالرغم من أنه كان بقيادة الفريق جون جلوب باشا الإنجليزي، الذي كان ينفذ السياسة البريطانية لخدمة إسرائيل. ولا ننسى بطولات الجيش المصري في الجنوب، بالرغم من تزويده بالأسلحة الفاسدة من قبل نظام الملك الفاسد فاروق، وتضحيات الجيش السوري، بالرغم من أسلحته المحدودة. لم يتوقف الوضع الفلسطيني عند (خط الهدنة) الذي أنشئ بعد انتهاء الحرب سنة 1948م، فقد تم (قضم) 13 قرية ومدينة عربية من المثلث، وضمها لإسرائيل بعد اتفاقيات رودس؛ بحجة تعديل الحدود، التي هي في الحقيقة (خطوط الهدنة). ثم جاءت الكارثة بهزيمة 1967م، وما ترتب عليها من احتلال بقية فلسطين، بالإضافة إلى سيناء والجولان، وما نتج عن ذلك من الهجمة الاستيطانية المجنونة التي (قضمت) أكثر من نصف مساحة الضفة الغربية، أو هكذا يخطط لها. لو استطاعت إسرائيل اقتلاع سكان غزة وقذفهم في البحر، لما ترددت في هجومها المدمر على غزة في أواخر 2008م وأوائل 2009م. لقد صمت كل (ملوك الطوائف) العرب؛ كأن الهجوم على غزة، كان يحدث في بلاد الواق واق، كما تصف الأسطورة العربية الأمكنة النائية، بالرغم من أن (المعتمد ابن عباد) المعاصر، أقوى ملوك الطوائف، كان يقف على عتبة الباب الغزي. ولولا اعتبارات خارجة عن إرادته، لقاد الجيش بنفسه وشارك (ألفونسو) الإسرائيلي في هجومه على غزة، كما حدث في الحرب (الثلاثينية) على العراق سنة 1991م، التي شارك فيها بعض (ملوك الطوائف) العرب تحت قيادة (الفونسو) الأمريكي. كان دافيد بن غوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل بعد قيامها سنة 1948م. وله مقولة محفورة في الذاكرة الفلسطينية، وراسخة في الوجدان العربي الحي، وعميقة التجذر في الضمير الإسلامي المستنير بنور القرآن الكريم، وهي ما أعلنه بعد قيام إسرائيل وطرد سكانها الذين صاروا لاجئين: (الكبار يموتون، والصغار ينسون). مات الكبار لأنها طبيعة الحياة. ولكن هل نسي الصغار كما تمنى ابن غوريون؟ وهل ينسى حتى الذين صار لهم مواطن جديدة في بلاد الله الواسعة، وصاروا أصحاب أموال وأملاك وثروات؟ أما على مستوى الوطن العربي، فقد شاهدت وشاهد العالم كله، تلك الفتاة التونسية الشابة، وهي تهتف بتحرير فلسطين خلال الثورة التونسية، وتعلن أنه حان الوقت لدور فلسطين، وذلك بعد الإطاحة بالملك (زين العرب) أول (ملوك الطوائف) الذين تمت الإطاحة بهم، وهتف المتظاهرون المصريون في ميدان التحرير بهتافات مماثلة أيام ثورتهم المباركة. نشرت لي القدس الغراء بتاريخ 5/6/1994م قصيدة بعنوان: (المزار قريتي) ختمتها بهذه الأبيات: أضاعوا في تخاذلهمْ بلادي ***** جنانُ الخلدِ منْ وطني تغارُ لسوفَ أظلُّ أذكرُها حياتي ***** ويبقى في الضميرِ لها اعتبارُ وأُرضعُ حبَّها الأولادَ بعدي ***** وأَحفادي يشدُّهم الذِّمارُ أُعلمهمْ بأنَّ الفجرَ آتٍ ***** وأنَّ الليلَ يعقبُهُ النهارُ (بفرحانٍ) وصحبتهِ اقتداءٌ *****على دربِ الشهادةِ حينَ ساروا إذا القرآنُ كان لنا إماماً ***** وهادِيَنا، فقد وَضَحَ المسارُ وعودةُ شعبِنا لا بدَّ يوماً ***** وإِن طالتْ، ستحضُنُنا (المزارُ)!! نشرت في جريدة القدس يوم الأحد بتاريخ 15/5/2011م؛ صفحة 44 yaseenalsadi@yahoo.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل