المحتوى الرئيسى

أشرف الصباغ يكتب: الثورة المصرية بين التراخي والتآمر

05/15 22:15

لقد صبر المصريون 10 سنوات على حكم أنور السادات. وصبروا 30 عاما على حكم مبارك. وقاموا بواحدة من أندر الثورات في تاريخ البشرية، حيث انتهى أصلا عصر الثورات الكلاسيكية، ولم نر إلا الثورات الملونة في الفضاء السوفيتي السابق وبعض دول الكتلة الاشتراكية السابقة أيضا. لكن المدهش أن قطاع غير بسيط من المصريين، وهم من أكبر المستفيدين من الثورة، يتهمونها بأنها تعطل مصالحهم، وأن "العيال" في ميدان التحرير "ذودوها قوي". والأكثر إثارة للدهشة أن وسائل الإعلام المصرية، وعلى رأسها التلفزيون الحكومي وبعض القنوات الخاصة والصحف الرسمية، تقوم بتعميق هذه الفكرة والترويج لها وتسطيح كل ما حدث ويحدث عن طريق تناول الموضوعات وطرح الأسئلة ونوعية الضيوف والمحللين. إذا كنا قد أدركنا تماما أن الملف الطائفي "الوهمي" في مصر كان ملفا أمنيا بيد "تنظيم أمن الدولة السابق" استخدمه كورقة رابحة للحفاظ على النظام السياسي وطواغيت المال والمستفيدين من تحالف السلطة مع المافيا والتنظيمات الأمنية، فلماذا تصيبنا الدهشة الآن، ونحن على أول طريق مواجهة الثورة المضادة، عندما نرى كل تلك الاشتباكات بين المواطنين المصريين التي يروج لها البعض، وبالذات وسائل الإعلام، باعتبارها فتنة طائفية، بينما الأرضية الأساسية لها علاقات حب وزواج وطلاق ومشاكل أسرية وبيع وشراء وتأجير؟ إن انهيار التجربة السوفيتية عام 1991 أدى إلى قيام حربين داخليتين، وانهيار اقتصادي شبه كامل. وبصرف النظر عن الاتفاق والاختلاف حول انهيار التجربة السوفيتية، فقد تمكن الروس بعد 10 سنوات كاملة من استرداد عافيتهم. ما يحدث في مصر الآن لا يساوي عشر ما حدث في روسيا. فالأجهزة الأمنية عاثت فسادا في تلك الدولة المترامية الأطراف والغنية. وكان قطاع كبير من العاملين في أجهزة الشرطة يرتدون زيهم الرسمي نهارا، ويستبدلونه بثياب اللصوص ليلا. وكان القتل يتم في عز الظهر وفي أي مكان في موسكو والمدن الأخرى. اخترعوا لروسيا أيضا مشكلة المسيحيين والمسلمين، فكانت حربا الشيشان، وما سمعنا عنه وشاهدناه من أحداث مأساوية للأطفال والنساء في المدارس والمسارح. لا شك أن الموضوعين الطائفي والعرقي لهما امتدادات داخلية وخارجية. الأولى تتمثل في التيارات والقوى الفاشية والعنصرية، والأحزاب والجماعات السياسية التي تعتاش على ذلك وتطمح لاستخدام هذين الملفين للوصول إلى السلطة أو العودة إليها. والثانية جيوسياسية لإضعاف الدولة اقتصاديا وعسكريا وأمنيا وضرب منظومة عاداتها وتقاليدها ومنظومتها القيمية، ومن ثم تحويلها إلى إما سوق مفتوحة للمركز الأورو – أمريكي أو مصدر للمواد الخام والقوى البشرية الرخيصة.. على هذه الخلفية المقتضبة للغاية، والتي تكاد تكون مُخِلَّة، نجد أن مصر على أول الطريق، لأن القضية لم تكن إطلاقا في رأس النظام والطغمة المالية – الأمنية – المافياوية المحيطة به والتي كانت الدولة قائمة عليها أساسا. بل في مؤسسة الدولة ومنظومتها التشريعية والإدارية والفكرية والقيمية. كل ذلك لم يحدث، ولم يبدأ أصلا، لأن الثورة المضادة ليست مجرد كلمة تتضمن الرئيس وزوجته وأولاده وأقاربهم وعناصر التنظيمات الأمنية السابقة وطواغيت المال والحزب الحاكم فقط، بل وأيضا المنظومة الإدارية في مؤسسة الدولة والتي كانت أحد أكبر المستفيدين من وجود النظام السابق. هذه المنظومة لا تزال موجودة كما هي بلا أي تغيير على الإطلاق في مصر بداية من وزارة الثقافة التي جرت بها تغييرات شكلية تشبه لعبة الكراسي الموسيقية والتباديل والتوافيق، وانتهاء بوزارة التعليم والاقتصاد وكافة المرافق والوزارات الأخرى. كل ما في الأمر أنه تم تغيير "القبعات" أو "الطرابيش" كخطوة لإبداء حسن الطوية والنية على التغيير! وكان الرسوب في اختبار وضع دستور جديد للبلاد والتركيز على المكتسبات الوطنية الديمقراطية والخوض مباشرة في الملف الاجتماعي بمعناه الواسع إشارة واضحة على أن الثورة المضادة قوية وعاتية ولن ترحم أحد. بينما الشعب المصري الذي صبر 40 عاما على مقدمة الطغيان والاستبداد، ثم عليهما عمليا، يتعجل الآن لا نتائج الثورة بقدر ما ينظر إلى الثورة بعين الشك، ويقلل من شأنها، ويتهم "العيال بتوع التحرير" بأنهم "ذودوها قوي". في هذه المرحلة أيضا يمكن أن نلمح "الوقاحة السياسية" في تحركات الأحزاب والجماعات العتيقة التي رفضت أصلا أن تشارك الشعب ثورته، ثم حاولت القفز إبان وجود النظام السابق. وبعد ذلك بدأت بطرح التبريرات المخزية أو بتغيير جواربها تمهيدا لقفزة نوعية أخرى على الثورة. فالبعض لا يخجل أن يعلن بصفاقة على شاشات القنوات الفضائية أن الثورة انطلقت من أحد مقاهي وسط البلد، بينما البعض الآخر يقوم بإنتاج أفلام تسجيلية ووثائقية ليؤكد أن الإخوان المسلمين (الذين رفضوا أصلا الخروج ثم ذهبوا إلى عمر سليمان للتفاوض معه إلى جانب حزبي الوفد والتجمع وبعض الأحزاب الأخرى غير الموجودة لا على الساحة السياسية ولا في الشارع) كانوا وراء الثورة. بينما يمارس هواة النظرية "عاداتهم السرية" بأن التراكمات النضالية التي قاموا بها هي التي أدت إلى قيام الثورة. كل ذلك يحدث وكل أجهزة الإعلام في مصر تعمل بنفس العقلية التي تبحث دوما عن سيد جديد لتخدمه لا أن تمارس دورها المهني. كل ذلك يحدث والمصريون يتعرضون لضربات "كائنات فضائية!" لا يستطيع أحد أن يعثر عليها لا قبل الاعتداء ولا بعده! في هذه المرحلة سنمل ونضجر من التراخي الذي يمكن تفسيره على أوجه كثيرة ومختلفة ومتنوعة ليس من بينها إطلاقا دعم الثورة أو الحفاظ على مكتسباتها. فالجهاز الإداري كان مستفيدا من وجود النظام السابق، فكيف بالله علينا جميعا أن يقوم بحماية الثورة أو بالعمل على أكمل وجه وهو كما هو لم يتغير إلا رئيسه أو مديره الذي جاء من مكان آخر في نفس الوزارة أو المؤسسة؟؟؟!!! إنهم هم أنفسهم الذين كانوا يفتحون الأبواب لأركان النظام السابق ويحملون حقائبهم وحقائب أولادهم ويتهافتون على المناصب بالانبطاح أمامهم. الجهاز الإداري في مصر أذكى من تنظيم أمن الدولة وأذكى من مبارك والعادلي وصفوت وزكريا وسرور. هذا الجهاز تحديدا هو الذي يعوق أي خطوة إلى الأمام عموما، وبالذات فيما يتعلق بترتيب الأوراق الاجتماعية في مصر. البلاد ليس فيها اعتصامات أو احتجاجات فئوية إطلاقا، إنها مطالب اجتماعية لقطاع يضم عشرات الملايين من المصريين وتمثل في الوقت ذاته أحد أهم أركان الثورة المصرية وأسباب نجاحها ووقوفها في وجه الثورة المضادة. وهذا ليس تهديدا لأركان وخفافيش الثورة المضادة، بقدر ما هو دعوة مصرية خالصة لكل جموع الشعب المصري بألا تنزلق إلى الاستهتار بالثورة أو التقليل من دور وجهود "ائتلاف شباب الثورة" و"العمال" وكافة أبناء الوطن في كل جامعة ومصنع ومؤسسة. هل كانت الأمور في عهد النظام السابق أفضل فعلا؟ إذن، لماذا كنا نشكو ونتشكى ونبكي يوميا من البطالة وضيق ذات اليد؟ لماذا كان رب الأسرة يقتل أولاده، والأمهات يلقين بأطفالهن من البلكونات ومن على أسطح المنازل المؤسسات الحكومية، مثل حادثة مجمع التحرير؟ لماذا كان المصريون يبيعون أطفالهم للأجانب؟ ولماذا عاشوا عشرات السنين وأنجبوا وربوا وعلموا خلالها وهم في أحياء عشوائية لا مياه ولا كهرباء ولا حياة كريمة؟ ولماذا كان الاعتداء على دور العبادة والإبادة العرقية للمصريين في الأعياد والمناسبات؟إنه المعدن المصري الذي يحاولون كسره وتشويهه. لقد خدعونا طوال السنوات السابقة، وهم يخدعوننا الآن أيضا، بأن السبب كان مبارك وأسرته وطواغيت المال وتنظيم أمن الدولة. نعم، ولكن السبب الحقيقي الأخطر هو النظام بكامله والمنظومة الإدارية بكاملها. هناك سبب آخر يتعلق بنا نحن كمصريين، ألا وهو أننا صدقنا ونصدق كلامهم إلى الآن وارتحنا لرحيل بعض الأفراد أو وضعهم في السجون ونريد أن ننهي كل شيء ليخرجوا إلينا مرة أخرى ويديروا البلاد ونعود إلى ما كنا عليه. إن شركاتهم ومؤسساتهم لا تزال تعمل وتدر عليهم الأرباح التي يذهب جزء منها لتمويل الثورة المضادة. وهذه النقطة تحديدا مرتبطة بحماقة جهاز الإعلام المصري وبعض الذين يروجون لما يصفوه بالاحتجاجات الفئوية. لا احتجاجات فئوية وعلى من بيده الأمر الآن في البلاد أن يضع خطة لإدارة شركات ومؤسسات وأعمال طواغيت المال السابقين، وكافة شركات ومصانع ومؤسسات الدولة، وإنعاشها ومنح العمال والموظفين حقوقهم لكي يؤمنوا بأن الثورة لم تسلبهم شيئا بل فتحت أمامهم الطريق لحياة كريمة. هذا سيكون مجرد تمهيد للبدء في بناء الوجه الاجتماعي والإداري للثورة المصرية. لا ينبغي أن تكون هذه الخطة مجرد "رشوة" لإنهاء الاعتصامات والاحتجاجات، بل مقدمة لعملية تغيير جذري في الإدارة والمنهج. فالمصريون جربوا رشاوي النظام السابق في أعياد العمال والأضحى والفطر، جربوا كل شيء وحفظوا كل "حركات الأنظمة الاستبداية" و"ألاعيب" الفساد والمافيا وطواغيت المال. وكما لم تحسن أوضاعهم في السابق، فلن تحسنها اليوم. فهل يمكن أن ندرك قيمة ما يفعله المصريون في ميدان التحرير وكافة ميادين ومصانع ومؤسسات البلاد؟ هل يمكن أن يفهم المصريون الأسباب الحقيقية من الاعتداء اليومي عليهم وعلى دور عبادتهم؟

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل