المحتوى الرئيسى

الفتنة الطائفية.. معالجة الحدث أو معالجة الثقافة

05/15 18:03

بقلم: د. صلاح عبد الحميد زيدان    د. صلاح عبد الحميد زيدان  حادثة إمبابة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة إذا لم يتم تدارك الأسباب الحقيقية وعلاجها.   العلاقة بين المسلمين والأقباط في مصر طوال التاريخ علاقة متينة وقوية وسوية، حتى وصل الأمر إلى حد القول بأن المسيحيين في مصر- وخاصةً الأرثوذكس منهم- ليسوا أقلية، بل هم جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني المصري والعربي والإسلامي.   وكان أحد أسباب هذا القول هو التسامح الإسلامي المعروف، وسماح الإسلام لغير المسلمين بالمشاركة في البناء الثقافي والحضاري، وقد ساهم المسيحيون المصريون في ذلك البناء بقوة.   هناك حقائق موثقة يجب أن توضع أمام الأجيال في الوطن العربي وفي مصر خاصة، من ضمن هذه الحقائق المهمة هي مساهمة المسيحيين العرب جنبًا إلى جنب مع إخوانهم المسلمين العرب في بناء الحضارة العربية، وفي قيادة حركة الثقافة، فقد أسهمت حركة الترجمة منذ قرون عديدة، والتي قادها المسيحيون في نقل التراث القديم للحضارة الجديدة، فقد كان للمسيحيين دور في الثقافة، بدايةً من ترجمة التراث اليوناني من اللغة اليونانية والسريانية إلى اللغة العربية، وساعدوا علماء وفلاسفة العرب للتعرف على الثقافة اليونانية.   وساهم العلماء المسيحيون في تعريب التراث اليوناني وفي حركة النهضة إبَّان الخلافة العباسية، ونجد ذلك موثقًا في (الفهرست) على سبيل المثال لـ"ابن النديم الوراق البغدادي"، والذي وضع كتابه سنة 987م، أي في القرن العاشر الميلادي.   ولم يقتصر دور المسيحيين في ذلك الجانب فقط؛ ولكن كان يوجد منهم الأطباء والشعراء؛ وخاصةً شعراء الدولة العباسية الذين اشتهروا بنقل روائع الحضارة اليونانية والسريانية إلى العربية، وتخصصوا في ميدان الفلسفة والطب.   وبالإضافة إلى ما سبق نجد المسيحيين في "مصر" لهم نصيب وافر في الثقافة المصرية، بل والعربية أيضًا، كـ"ساويرس بن المقفع"، وهو من أوائل الأقباط الذين استعملوا اللغة العربية في كتب لها أصالة مرموقة؛ كـ"تاريخ بطاركة الإسكندرية"، فقد أصبح المصدر الأساسي لتاريخ الكنيسة القبطية، ونجد أيضًا على سبيل المثال لا الحصر "كيرلس الثاني"، و"مرقس الضرير"، و"الرشيد أبو الخير بن الطيب" وكتابه الشهير "طلاء العقول في علم الأصول"، بالإضافة إلى "أولاد العسال" ومؤلفاتهم في المنطق والفلسفة واللاهوت، والتي ساهمت في تكوين الثقافة العربية كـ"رسالة في النفس"، و"حساب الأبقطي"، وغير ذلك من الأسماء التي ساهمت في بناء الثقافة العربية على مستوى العصور الوسطى.   فلولا مجهودات هؤلاء في ترجمة أمهات الكتب من اليونانية والسريانية إلى العربية، لما أمكن علماء العرب التعرف على هذه الثقافة.   أما عن دور المسيحيين في العصر الحديث والمعاصر؛ فنجد مشاركة المسيحيين جنبًا إلى جنب مع إخوانهم المسلمين في المجال السياسي والاجتماعي والثقافي، في مجال الحرب والسلام، والحوار بين الأديان، ودور كلٍّ من الكاثوليك والإنجيليين والأرثوذوكس في غرس الروح الوطنية، وفي بناء تاريخ الثقافة المصرية، بل والعربية، فقد أدرك المسيحيون أنهم جزءٌ من نسيج هذه الثقافة العربية، وشاركوا فيها بكل جهدهم، فلا يستطيع أحد أن ينكر جهودهم.   "إن التعرف على معالم ثقافتنا الحديثة والمعاصرة وتحليل جذورها وسبر أغوارها؛ لا يمكن تصوره إلا من خلال إخواننا في الوطن والإنسانية، ومَن يتغافل عن ذلك فوقته ضائع عبثًا، وسيظل خارج إطار ثقافتنا الحقيقية".   لا مجال للحديث عن مسلم ومسيحي؛ فهما نسيج واحد في بناء الثقافة العربية، ومَن ينكر ذلك ينكر هويته وثقافته.   إن الحضارة الإسلامية تعبِّر عن المسلمين والمسيحيين في مصر، كما أن المسيحيين اشتركوا تاريخيًّا في بناء الحضارة العربية والإسلامية، وأسهموا إسهامات حضاريةً فاعلةً؛الأمر الآخر أن البعض لا يفهم أن مقاصد الشريعة الإسلامية هي نفسها القيم الثقافية الموجودة في الوعي الجمعي للمصريين جميعًا، مسلمين ومسيحيين، وأن القيم الاجتماعية للشريعة الإسلامية لا تختلف عن القيم الاجتماعية للمسيحية.   إن العلاقة بين الأقباط والمسلمين في مصر ذات ركائز قوية، ومن حق مصر أن تفخر بذلك، ولكنها تحتاج إلى متابعة وتأمين وتخطيط مستمر من جانب من يحملون هذا الملف الساخن بأكمله، نحتاج في علاجنا لمشكلة الطائفية أن نعرف أسبابها ونشخِّصها، ونضع العلاج المناسب لها، في كل حادثة نهرع تبعًا للحدث، محاولين وضع الحل السريع دون التفات لجوهر المشكلة، وهو الثقافة السائدة لدى المسلمين تجاه الأقباط والثقافة السائدة عند الأقباط نحو المسلمين.   لماذا نكتفي في كل حادثة بالمسكنات المعهودة منذ عقود؟ ونحتمي بالحائط الهش من الابتسامات واللقاءات والكلمات اللينة؟ والذي في القلب في القلب.. لماذا لا نستجلي الأسباب الكامنة في النفوس والتي تدفع الطرفين لفعل ما نشاهده؟!   أغلبنا يعلم هذه الأسباب ويبتعد عنها أو يتغابى منها، ولو وقفنا أمامها قليلاً لتجاوزنا هذه المشكلة سريعًا.   يجب الالتفات إلى أن الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي عاشها الشعب المصري جعلت الناس تلوذ بالمسجد أو الكنيسة لأسباب كثيرة، وكذا غياب أو ضعف الأحزاب السياسية وانسداد أفق التغيير الديمقراطي، أو حتى العمل السياسي الآمن المشروع، ومن ثم يصبح الملاذ هو المسجد أو الكنيسة.   كما أن ظهور العولمة وما تمخَّض عنها من محاولة تفتيت الكيانات القومية والوطنية وعدم تصدي الحكومات والأحزاب؛ جعل من السهولة بمكان اختراق البناء الثقافي للمجتمع وزراعة الأفكار والممارسات الطائفية فيه، وكلها عوامل، سواء منها الظاهر أو العميق، تحتاج إلى وقت وجهد ودأب وعلاج طويل.   أهم خطوات حل أي مشكلة هو الاعتراف بوجود المشكلة؛ أن الشعب الذي ينكر وجود الطائفية هو شعب عاجز عن التصدي للمشكلة الطائفية، ويجب الاعتراف بالطائفية كمرحلة تغير اجتماعي تاريخي لكي نستطيع حل مشكلاتها، وأن مجالس المصالحة التي يقوم بها القساوسة والشيوخ هي مجالس لإنكار وجود التغير الاجتماعي، ومحاولة للتشبث بصورة ثقافية عن الذات لم تعد موجودةً.   أهم طريقة لعلاج الصراع الطائفي هي عدم الخضوع للابتزاز؛ لأن الخضوع معناه إثبات جدوى الابتزاز كوسيلة للكسب السهل السريع؛ ما سيدفع طوائف أخرى لتسلك نفس السلوك، وكأننا نلقي بالزيت على النار وستدخل مصر لا قدر الله في ظلمات فوضى لا يعلم مداها سوى الله.   إن المتضرر الأكبر من هذه الممارسات هم شركاء الوطن من المسيحيين والمسلمين، ولذا نطالب الدولة المدنية التي أسست بعد الثورة بتفعيل دورها وممارسة مهامها.   يجب النظر للطائفية لا على أنها شبح مخيف مثل كوارث الطبيعة، ولا على أنها مؤامرة خارجية خفية، بل على أنها ظاهرة موضوعية يمكن التعرف على أسبابها وفهمها، وبالتالي يمكن السيطرة عليها.   إن الاحتقان والتعصب الطائفي ظاهرة اجتماعية، تنشط في مراحل وتختفي في مراحل تاريخية أخرى، فيجب معرفة العوامل المحفزة أو المثبطة للنشاط الطائفي والتركيز على حقيقة أن الطائفية ليست قدرًا ولا مؤامرةً، بل ثقافةً ونظامًا نصنعهما في الداخل وبأيدينا، ونحن قادرون أيضًا على التحكم فيما نصنعه. -------- * موجه اللغة العربية بإدارة إدفو التعليمية- أسوان.  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل