المحتوى الرئيسى

حسام مصطفى إبراهيم يكتب:عن المسيحي العميل والمسلم الإرهابي!

05/15 12:16

أفضل الحِيَل هي التي لا تبدو كذلك لمن يفكر فيها أول مرة، بل ويستسخفها، ولا يرى فيها أي فائدة! وعندما كنتُ أودّ التزويغ من المدرسة وأنا صغير، كانت أول حيلة تخطر ببالي أن أمسك بطني وأدّعي المرض، لكنني في اللحظة التالية أتذكر أنني فعلت ذلك مئات المرات، إنها فكرة سخيفة ومملة ولن تنطلي على والدتي هذه المرة بكل تأكيد!ولكن بمجرد أن تدخل إلى غرفتي في الصباح، حاملةً كوب اللبن -الذي أكرهه أكثر من حسني مبارك!- وتحاول إيقاظي لبدء الكفاح اليومي، حتى أمسك ببطني، وأتلوى من الألم، فتحتضنني دون تفكير، وتطلب مني ألا أذهب اليوم للمدرسة حتى لا يزيد تعبي!وهكذا كل مرة تقريبا!وهو نفس ما ينطبق على "لِبانة" الفتنة الطائفية، فهل هناك حيلة أسخف، وأكثر قِدما وتكرارا منها؟ ومع ذلك هل فشلتْ في أي يوم من الأيام في اصطياد الضحايا وإشعال النار في دور العبادة والنفوس؟!هل تعلّم أحد الدرس واستفاد منه بعد ذلك؟للأسف لا!والمشكلة أن الجميع مخطئ، الجميع مُتشدّد ومتعصّب، ولكنه يخفي ذلك بمليون وسيلة، ويقول أمام الناس وعلى صفحات الإنترنت عكس ما يؤمن به، مقتنعا أنه لا يكذب ولكنه يتجمّل، في حين أن أحاديثه إلى خاصّته وأصدقائه وخلف الجدران المغلقة، تختلف تماما!وبداخل كل منا مشاكل تحتاج للحل، تحتاج للمصارحة وليس الطبطبة والبوس والأحضان والجمل الإنشائية والصور السخيفة المكررة في مؤتمرات الوحدة الوطنية!فأغلب المسلمين مقتنعون أن المسيحيين عملاء لأمريكا، وأن الكنيسة تحتوي على مخازن للأسلحة، وأنها تحتجز المسيحيات اللائي يُعلنّ إسلامهن، وتعذبّهن في محاولة لإرجاعهن إلى المسيحية، وهناك عشرات الكتب الصفراء وأشرطة الكاسيت وملفات الصوت التي تحدثت عن هذا، وأوردت شهادات لمسيحيين دخلوا الإسلام وتعرضوا لهذا العذاب!وأغلب المسيحيين مؤمنون أن المسلمين برابرة وهمج، يريدون إجبارهم على مفارقة المسيحية بالقهر والإكراه، أو يكون مصيرهم القتل والصلب والإحراق، أو إقصائهم عن البلاد، وهدم كنائسهم، والاعتداء على نسائهم، وإجبارهم على دفع الجِزية، وهناك عشرات الفيديوهات وملفات الصوت التي تقول ذلك بطريقة أو بأخرى!لكن قشرة الحضارة، وقواعد الإيتيكيت فقط هي التي تمنع الجميع من المجاهرة بكل هذه الأفكار، وحمل السنج والمطاوي في وجوه بعضهم بعضًا، وإن كان الواقع العملي يكشف عن الوجه الآخر فورًا، لدى أول انفلات أعصاب، إثر وقوع حادث مروّع، يسقط ضحيته المزيد من إخواننا في الوطن مسيحيين ومسلمين!!إننا نعيش ازدواجية حقيقية، تبشّر بمزيد من الخراب، نعيش تناقضا مروّعا يبشّر بقرب المواجهة الكاملة مكشوفة الوجه وبارزة الأنياب بين الجميع!وليس هذا غريبا بالمناسبة، وليس وليد المصادفة، ولا هو غلطة طرف دون الآخر، ولكنه نتاج سنوات من القهر والإذلال، والوقوع في فخ التعليم الحكومي العقيم، وطوابير العيش، وطوابير العلاج المجاني، وطوابير أنابيب الغاز، والطعام المهرمن والمسرطن، و..و..و...كالذي تربّيه زوجة أبيه، فتدسّ له السم في العسل، وتحلل له الحرام، وتهيئة لحياة غير التي تهيئ لها أبناءها، فتشجّعه على ارتكاب الموبقات بدعوى الجرأة، والتهام طعام الشارع بدعوى تقوية بدنه، والسرقة بدعوى الرجولة، والرشوة بدعوى العصرية، وربما القتل بدعوى إثبات الذات!فقد ربّانا النظام السابق بنفس الطريقة، ونفّذ فينا حكمًا وحشيا بالإعدام البطيء، استمر سنوات وسنوات، وأَبى -بعد أن غار في ستين داهية.. أو كاد!- إلا أن يظل يذكّرنا بخيبتنا، وبإرثه الضخم الذي تركه تحت جلودنا، وهو واثق تمام الثقة أننا سنسير حتى النهاية وفق بنود الخطة الجهنمية التي وضعها لنا، مُراهنا على حماقتنا وفرحتنا بالمصائب وقدرتنا غير الطبيعية على رؤية الحق حقا ثم اجتنابه!وأكاد أجزم أن أمن الدولة، ذراع النظام الطويل، لم يكن يعاني ولا يتعب في تجنيد الناس وتعذيبهم، فالناس كانت مجندة ومعذبة من تلقاء نفسها!  وعصابة مبارك لم تكن تتعب وتكد وتضع خططا عبقرية للسرقة والنهب، فالناس مسروقة ومنهوبة ومضروبة بالجزمة من تلقاء نفسها!إنهم لم يكونوا أقوياء، ولكننا الذين كنا في غاية الضعف!!وحتى بعد حدوث الثورة، فإن الناس ما تزال غير مصدقة لما حدث، وربما ما تزال تحنّ لأيام القهر والضرب على القفا، لأن هذا أسهل، وأقل مخاطرة من تحمّل مسئولية التفكير واتخاذ القرارات التي ربما تأتي بنتائج لا نكون قادرين على تحملها!!مثل الذي يفقد ذراعا أو يدًا في حادثة، ويظل لفترة طويلة يشعر بوجود الطرف المقطوع، بل ويحاول استخدامه مرات عديدة، حتى تتم إعادة برمجة عقله على قبول الواقع الجديد!!فهل هي النهاية؟!يمكن ببساطة أن تكون النهاية بالفعل، لو أننا ظللنا نسير على نفس السياسة في معالجة ما يقع من أحداث، الشجب والاعتذار وعقد مؤتمرات شعبية في حضور شيوخ وقسس، وتقديم كم كباش فداء، يتم الحكم عليهم بعد ألف سنة ضوئية بحكم هزيل، بعد أن يكون الناس قد نسوا المصيبة بسبب مصيبة أشد!!!  أما لو كنا نبحث عن حلول حقيقية وتتناسب مع روح الثورة، فلابد من الإجابة عن أسئلة الطرفين بوضوح وصراحة، تقطع الشك باليقين، والإيمان بأن الشعب نضج ويستحق المصارحة ومعرفة الحقيقة.لابد من تبديد مخاوف كلا الطرفين بصراحة، وبطريقة لا تدع مزيدا من الشك، ولا تترك ثغرات تنفذ منها خفافيش الظلام، وسماسرة البيزنس، ومحترفو استغلال الظروف، بنيّة صادقة في الوصول لأرض مشتركة، فما يجمعنا بالفعل أكثر مما يفرقنا، وفي عزّ الأزمة، لم أرَ سوء معاملة قط من أصدقائي المسيحيين، ولم يروا مني نظرة مختلفة لما تعودوا عليه مني، في عز الأزمة لم أستطع تخيل أن يصاب زميلي المسيحي بضرر فأصمت عن حقه، ولم يتصور أحدهم أن يحدث لي شيء دون أن يبذلوا الغالي والرخيص في سبيلي، في عز الأزمة لم أجرؤ أن أقول إنني أكره المسيحيين ولا أريدهم في بلدي، ولم يدر بذهن أحدهم قط أن يقول لي في وجهي لا أريدك في بلدي!!!إننا -والله العظيم- نسيج واحد، أكلنا وشربنا ونمنا ولعبنا وتعلمنا وذاكرنا وعملنا واحتفلنا مع بعضنا بعضا.والأكيد أننا جميعا نحتاج لفترة نقاهة، كالذي بَرِئ من مرض شديد، ونصحه الأطباء باعتزال الحياة العامة حتى يستعيد قوته، فجميعنا كان مريضا بالنظام، وحان وقت اعتزال التخوين والاتهام بالعمالة والتربص بالآخر واستغلال الهفوات، حان وقت اعتزال أساليب مبارك وعصابته في السيطرة، حان وقت اعتزال الخطف في الظلام والتفكير في المكسب الشخصي بعيدا عن المكسب العام، حان وقت اعتزال ركوب الموجة والتطبيل في الزحمة، حتى يتعافى الجسد المثخن بالجراح، وتعود له قدرته على الحركة والإنتاج من جديد.إنها مصر يا رفاق.. مصر التي وقفنا سويا تحت رايتها في ميدان التحرير نصرخ مطالبين بتحريرها وإعادتها للحياة.. ثم لم نلبث أن نسينا ما كنا نصرخ من أجله، وتفرّغنا للصراخ في وجوه بعضنا بعضا!!مصر ..

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل