المحتوى الرئيسى

قلق الهوية.. قراءة في ديوان ياسر أنور

05/15 10:07

بقلم: د. خالد فهمي آخر أخبار ليلى العامرية (1) "أنا واحد غيري" إن واحدًا مما يميز تاريخ الشعرية العربية كامنٌ في العراقة، بكل ما يسكن هذه المفردة من الامتداد في أعماق الزمن؛ ولذلك فليس غريبًا أن يُولد على جغرافية اللحظة التي نعيشها ديوان موصول بالأدباء الشعراء العظام.   هذا الشعور بعراقة الإرث الشعري العربي الذي ينسرب في شرايين القصيدة عند ياسر أنور ظاهرٌ لديه ظهورًا جليًا، وهو بعض أسلحته في مواجهة هواجس عاصفة يثيرها قلق الهوية.وهو الشعور الذي طفر على لسانه حين قال: لا وردة ستجيء في شفتي ولا طفلٌ سيغرس في دمي وجع النخيل أنا واحدٌ غيري تجمَّد داخلي مطر اشتهائي للجنون وللصهيل وليس يصح الاستسلام لهذا الاعتراف، أو الخضوع لما يظهر على صفحة سطحه؛ لأنه اعتراف مراوغ من جهتين؛ جهة الرفض لصورة التعامل المعاصر معه؛ وهي صورة تخدش نبله القديم، وكبرياءه الذي لا يمكن نسيانه، ولا التفريط فيه، وجهة الغرور الإيجابي الذي يسكن قلب كثير من التعابير الشعرية في عددٍ من قصائد الديوان لدرجة ينفلت فيها صوت الشعر عن عمد ليقرر ذلك التعالي الذي يحيط بشخصية الشاعر، حين يقول: وطني قد أجاز غير المجاز وتحدى الجميع بالألغاز قال لي منذ أن أتيت قديمًا أنت أيها الفتى إنجازي إن الشاعر هنا واحد غيره بمنطق التاريخ المجيد الذي يستشعر أنه موصولٌ به، ولكنه فقده وسط ركام التراجعات، والهزائم المعاصرة.   وهو واحد غيره بحكم ما وصل إليه من ميراث أجداد عظام كتبوا لأمته مجدًا تليدًا، فرَّط فيه أهله المعاصرون.   وهو واحد غيره بحكم البراءة التي كانت، ثم طمرتها غبرة الانكسارات، والتفريطات المتوالية، لقد كان ثم آل إلى ما يجلب حزنًا مقيمًا؛ لأن لسان حاله يقرر: معي ابتسامة طفل أي معي وطن وهذه البراءة الملقاة تحت عجلات الزمن الراهن هي بعض ما يُفسِّر مداعبة الطفل لعددٍ من سطور قصائده، من مثل: هي لا تنام الآن.. أيقظها الفتى واستل طفل الوقت من بين المقاعد   وفي مثل هذا التردد الذي يعكس سكون الوعي الباطن بأحلام البراءة المسئولة، على ما يظهر في قوله: وتلعثم الكلمات مدفأتي ومروحتي أب... طفل ويعذرني الخجل فمن الذي يحتاج مَن يا طفلتي؟!   وتمتد هذه البراءة المفقودة في رحلة البحث عنها لتطال مستويات مختلفة ومتنوعة، حتى إن الشاعر يتحسسها، ويتشممها في ملابسه وبقايا ذكرياته. ليس لي مثلكم ملابس أخرى بدوي وارتدي جلبابي وعقالي القديم لفَّته أمي هكذا.. في طفولتي وشبابي ويبحث عنها في الأشياء من حوله في مثل دمية ربما هي المنتهى في يدي طفلة   وقد آزر صورة الطفل التي تخايل وجده بعض القصائد صورة العذراء، وهي تتضام مع عددٍ من المفردات لتدعم ملامح البراءة التي كانت تسكن روح الشاعر، ثم فارقته مؤقتًا، وهو مهموم بالبحث عنها، في وجوه كثيرة من مثل: المجرة العذراء تصحو مع أذان الفجر تبتكر الصباح وفي مثل: الحجرة العذراء داعبها اختمار القلب حتى يصل إلى البوح بأمنية صريحة عندما يقول: طفلتي كلما بكت أخذت ما في يدي .... ..... ...... ليت أنني كنتُ طفلاً لأجل ذلك فإن كآبة ناتج المفارقة بين براءة المجد الذي كان، وشحوب مرآة زمانه الآن دعته إلى أن يقرر في مفتتح قراءة هذا الديوان: أنا واحد غيري (2) ملامح القلق من المعجم إلى الفكرة الكشف عن أبعاد الهيمنة: في ديوان ياسر أنور (آخر أخبار ليلى العامرية) هيمنة ظاهرة لصوت المرأة، ولصورة الأنثى بدرجة أكثر من مُعبِّرة.   وأرجو أن نتفق منذ البداية أن المرأة في شعر ياسر هنا ليست إلا مجازًا بامتياز.   والمرأة كذلك في أشعار الشعراء تتبدى جميلة ومشرقة حين تتبدى، وهي تشير إلى شيء آخر، والمرأة في أشعار الشعراء حين تقض مضاجع التوَّاقين للراحة، وتبعث بأرصدة الهموم إلى قلوبهم، وتؤجج نيران الفكر في عقولهم، وتُفجِّر أحلام الحالمين لا يمكن أن تكون إلا مجازًا بامتياز.   فإذا اتفقنا- ونحن متفقون إن شاء الله- كان ذلك بدء الولوج إلى عالم ياسر أنور في رحلة عنوانها الزاهي: قلق الهوية.   في ديوان الشاعر صورة رجل يرى نبل هويته الراسخة منذ زمان طويل بعيد- وقد نال منه ريب الزمان القائم، ففجَّر براكين القلق في جوانحه، فأصابت منه ما يوشك أن يهزه هزًا عنيفًا.   ولعل ما يُصدِّق ذلك، ويرجحه هذا التواتر البادي كثيفًا لمعجم القلق، حتى غدا هذا المعجم واحدًا من مفاتيح الديوان؛ حتى لا تكاد تخلو قصيدة من مفردة من مفرداته واشتقاقاته. لا تبحثي عن فارس الأمس النبيل .... ..... ....   ما عاد يقلقه تورط وردة في أن تكون رسالة الحلم النحيل ما عاد يقلقه انتظارك للندى قَلِقٌ أنا من رنةٍ في الصبح أو من رنةٍ في ساعةٍ متأخرة ..... .... ..... قَلِقٌ أنا من رنة تأتي بلا قلب قالت تقارير المباحث لم تمت ليلى اطمئن (قرينة وجدد القلق فعلاً) وعندها زاد القلق يمر بين القرى في عينه قلق ما عاد يسمع أصوات الخلاخيل قلق جدار البيت يرهق ناظره قلق يحدق في الوراء لكي يرى هي لا تنام الآن (من ناتج القلق والتوتر) فرَّ من السرير النوم، والقلق ارتمى فوق الوسائد وليس يصح لأحد أن يقرر أن ذلك التواتر لكلمة القلق ليس بكافٍ للإعلان عما يسكن قلب الديوان من رهق التوتر والقلق على تلك الهوية التي توشك أن تذوب أو تضيع إلى الأبد؛ ذلك أن حقلاً كاملاً يدعم من قريبٍ ومن بعيدٍ هذه الكلمة المحور؛ حيث يدور في مداراتها ألفاظ الرومانسية المحزنة، والمعذبة، والمؤلمة، والباكية، والمترددة والمتلفتة يأكلها القلق، والسهر، والهواجس! من أجل عينيك القوافي تسهر ووسادتي قلق الحنين المقمر الصبح في حلقي يعد هواجسه والليل مصلوب النجوم! السماء ملبدة الكلام تتكاثف أحرفه في الزحام أنا لا أريد زماني العصبي استجدي زمان فراشة طارت شريدة   وليس يصح من جديد أن يتغافل أحدٌ عن هذه الهوية الأمة، وهي تتزيا- وتتخلق في صورة امرأة حازت شروط الجمال، واستجمعت في قسماتِ وجهها كل ملامح الحسن الأصيل، وجمع لها محبوها على امتداد الزمان كل علامات الزينة، ولِمَ لا؟ أليست هي التي دومًا: عاشت مدللة الملابس كالبنات وخدها ما بين والدة ووالد   وليس هذا التأويل من قهر الدلالات أو اعتسافها في الديوان، وها هو ذا ينطق كالصوفي، طفحت الحقيقة من قلبه على لسانه: يا وجه معجزةٍ تطل على المدى كمسلةٍ فيها الزمان يسطر يا بنت مصر لك الحضارة طرَّزت فستانها والمتأمل في جوانب الديوان لا يسعه إلا أن يخضع خضوع الاستسلام لصورة المرأة، وهي تتبدى مجازًا كلها، وتشرق مجازًا كلها، وتتخايل كبدر التمام، تحيط الإنسان في الديوان، وتشكل وجدانه وعقله، وبناءه كله، حتى تغدو هي وعيه، وهويته، وصميم كينونته.   إن الذين يشغبون على هذا الذي يتبدى من وراء التعابير التي تحيط بالأنثى في الديوان مطالبون بأن يجيبوا على السؤال الذي يقولك أي امرأةٍ تلك التي يقول فيها الشاعر: ووالدتي من تخبز الوقت عادةً حكايات حب فوق حلم من الخشب   ويقول أيضًا: ما الذي أعجله عن دمية         والخطا كانت كغيم مبطئهْ خلف أنثى أشعلت فيه المدى     وأطاحت بالذي قد هيأه كان وجهًا موغلاً في عشبه     وسحاب من ضياءٍ وضأه حسنها كان يواري ضاحكًا       ما أعدته فخاخ السيئهْ   فإن ظلَّ باب الارتياب يصطفق أحيانًا جيئةً وذهابًا، انفتاحًا وانغلاقًا، فإن القارئ المرتاب في أمر المرأة في الديوان عليه أن يقف طويلاً أمام هذه اللوحة التي تكشف الستر عن رمزية الأنثى، حين يقول الشاعر: أقسمتُ يا ربي ويا رب الفلق           أقسمت بالليلى بمَن حقًّا خلق أنت الحقيقة والشريعة والنسق          أنت الكلام إذا تخبَّط واتسق   وإذا كان هذا الذي غلب على لسان الشاعر، وهتك ما استكن في ضميره الشعري هكذا كان أمرًا سائغًا أن يقرر: لكن ليلى لن تخون قلادتي ليلى التي عهدي بها يومًا وثق ما زلتُ أنتظر القوافل في المدى فلعل هودجها يجيء مع الشفق   هذه الروح المهيمنة على الديوان مدعومة بمعجم منسرب في أبنية القصائد جميعًا، ومدعومة بفكرة تتبدى شفيفةً من خلف قناع المرأة الجميلة الماجدة الكريمة المقاومة!   ومما يزيد من جلال الرؤية الطامحة نحو استعادة الهوية كاملةً من براثن قلق قاتل فإنك يتهدد مستقبلها بسبب من وهن اللحظة الراهنة- لجوء الشاعر إلى التكافل (أو ما يسمى بالتناص) مع شاعر البحث عن الهوية العربية الأكبر، أبي الطيب المتنبي.   كان الراحل العظيم مصطفى ناصف يملي علينا أن في شعر أبي الطيب صورة رجل نبيل في ماضيه مهين في حاضره، يتمسك بأهداب تاريخ مجيد يصارع الزمان، لكن الزمان يوشك أن يغلبه ويصرعه، لكن يتمسك ببعض نبله القديم، ويقاوم عن طريقه السقوط.   وأنت واجد في ديوان ياسر إعادة استحياء لصورة هذا النبيل الذي ما غاب، والذي ما فتئ يبكي غربة الإمام وسيول الأحزان، وهو يسكن روح أبي الطيب بعض قصائده عندما يقول: يا ساقي أنبل في كئوسكما   أم كئوسكما شتى مواويلي   والاتكاء على بيت المتنبي المتكنز بآلام الغربة في أرفع ميادين الفرحة مشعر بحجم التمزق الذي يصيب نفس الشاعر بسبب من قلق الهوية، وهواجس مخاتلة الزمان لمجد كان ثم تبددت معالجة الآن.   الشاعران كلاهما يرثيان امرأة يخاتلها الواقع الخائن، يريد أن يسرق منها ما لا يعوض، وهي تقاوم بما تملك من بقايا المجد القديم، والأصل العريق، والمروءة التي تقاوم بقيتها غدر الزمان، وتزاحم اللئام.   في ديوان ياسر أنور صورة امرأة تعرف هي ويعرف كل من رآها وخبر أمرها طهارتها، وزكى جسدها.   يغالبها انخداع مريدًا إسقاطها من عليائها، وهي تأبى عليه إلا أن تسترد براءتها وطهارتها وعفتها وجمالها البدوي غير المصطنع!. (3) بقية من عناصر داعمة ومن وجهة أخرى فإن ثمة ملامح فنية في جسم الديوان تؤكد هذا الذي رمناه من خلف قراءتنا. إن عددًا من الصور، مع الاعتراف بتراجعها إحصائيًّا تؤكد ما تذهب إليه القراءة، ولا سيما عندما يقرر (أرضعتني صمودًا) وعندما يلح في استدعاء أماكن تملأ حنايا الديوان بالجلال من مثل (الحجاز- ومصر- والنيل... إلخ).   وعندما يغلف الديوان فيزياء من ألوان تدعم أجواء التوتر والقلق، وتعكس الرؤية الذي ينتجه انتشارًا لغمام، والغيم وتواتر الأحلام، وارتفاع الجدران بسبب من التشكيل الطباعي الذي صنع من كلمة (جدار) جدارًا حاجزًا مائلاً يوشك مع الإصرار أن ينهار، وربما بسبب من السخابة الحبلى التي توشك أن تسفر عن صحو بعد أن تضع حملها!   وعندما تنتشر حروف المد واللين صانعة نوعًا من بطء الحركة التي تغل حركة الحزين القلق المسكون بالهواجس.   عندما يبدد الشاعر ماهرًا في استعمال تقنية التضاد والطباق خالطًا بها إيقاعًا داعمًا للقلق الذي يغمره ويسكن نفسه، وعندما تزداد كثيرًا من القصائد ببلاغة الوصل عن طريق العطف الذي يصنع المفارقة والمخالفة بطبيعة كينونته؛ لتتأكد سطوة القلق على الهوية في الديوان.   لقد بدا الشاعر، وقد استولت عليه فكرة الريادة التي فجرت قلق الهوية، وهي الروح التي لا تركن إلى التأصيل التعميق، وإنما تطير مستعملة تقنية التحليق، مهمومة بمس القضايا جميعًا، شغوفة بالتقاط كل ما من شأنه أن يعجِّل استعادة الغائب المنتظر الذي ينبغي أن يئوب!. ------- * كلية الآداب- جامعة المنوفية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل