المحتوى الرئيسى

الحقيقة التى تتوه منا

05/15 08:16

لا أحد يعرف منذ متى، بالضبط، أصبح المصريون فى جانب كبير منهم على هذه الدرجة من الرغبة فى التشفى والانتقام من الآخرين، فلا حديث لكثيرين على مدى الساعات الماضية، إلا عن السجن الذى سوف تنتقل إليه سوزان مبارك، بعد حبسها 15 يوماً، ولا يكاد يجتمع اثنان، إلا ويكون ثالثهما سؤالاً ضاغطاً عما إذا كانت سوف تذهب إلى سجن القناطر، أم إلى سجن آخر سواه! لم أكن يوماً من رجال مبارك، ولا من مؤيديه، أو ممتدحيه، أو طبّاليه، ولذلك أستطيع بسهولة أن أتحرر من أى قيد، اليوم، لأقول إن هذه الرغبة فى التمثيل بالرجل وأسرته مسألة تجاوز حدود تقاليد المصريين على مدى تاريخهم، ولا تكاد تتفق مع شهامتهم التى اشتهروا بها، أو حتى جدعنتهم التى كانت الشعوب تضرب بها الأمثال، ولاتزال! إننا جميعاً نعرف جيداً أن سوزان مبارك تجاور زوجها المريض، ونعرف أين جمال وعلاء مبارك، الآن، ونعرف أن الأسرة بكاملها فقدت تأثيرها السياسى إلى الأبد، ونعرف أن مبارك صار «الرئيس السابق».. ونعرف أنه قد توقف تماماً عن العبث بمقدرات بلد، ونعرف.. ونعرف.. وبالتالى، فالرغبة التى تلحظها لدى كثيرين، فى التمثيل بهذه الأسرة، تظل أمراً مستعصياً على الفهم والاستيعاب، وتظل تدعو إلى الحزن، بل إلى الخجل!.. إننا كشعب لن نستفيد شيئاً ـ فيما أظن ـ من ذهاب سوزان إلى القناطر، أو عدم ذهابها، ولن نستفيد شيئاً من ذهاب زوجها إلى مستشفى السجن، أو عدم ذهابه، وبالتالى، فليس هذا هو الموضوع الذى يجب أن يشغلنا، أو أن يستهلك دقيقة من وقتنا، وإنما الذى يجب أن ننشغل به، أن نعيد أى مليم يثبت أن أحداً من أفراد الأسرة قد حصل عليه، بطريق غير مشروع.. هذا هو الوجه المفيد، وهذا هو الموضوع، وهذا هو الأمل، الذى لا يليق أن نحيد عنه تحت أى ظرف! نحن فى غالبيتنا مشغولون بذهابها إلى القناطر، أو عدم ذهابها، وتبدو هذه الحكاية وكأنها مشكلة تؤرقنا، ونبحث لها عن حل، فى حين أن قليلاً من التأمل، سوف يكشف لنا أنها ليست مشكلة، ولا يجوز أن تكون مشكلة، لا لشىء، إلا لأن عندنا غيرها 4 ملايين مشكلة حقيقية، لا وهمية، وهى كلها فى حاجة إلى حل اليوم، والآن، وفى هذه اللحظة، وليس غداً.. عندنا 3 ملايين عاطل جاءوا إلى عام 2011، من الأعوام السابقة عليه، وعندنا مليون آخرون هم نتاج خريجى تعليم هذا العام، ونتاج العائدين من ليبيا، ومن غيرها.. وجميعهم، المليون مع الثلاثة ملايين، يريدون عملاً، وقبل العمل يريدون أملاً فى المستقبل، ويستحيل أن نوفر لهم العمل مع الأمل، إذا كانت المشكلة الأهم عندنا، هى ما إذا كانت سوزان سوف تذهب إلى القناطر، أم أنها لن تذهب! الذين يعملون فى الأصل، يشعرون بدرجة من عدم الاستقرار فى عملهم، فما بالنا بالذين لا يعملون أصلاً، وما بالنا إذا كنا حتى الآن لم نتكلم فى حل بالنسبة لهم، ولا فى معالم حل؟! ثورة 25 يناير لم تقم من أجل الانتقام، أو التشفى، أو الملاحقة، أو المطاردة، أو التمثيل بأحد، أياً كان هذا الأحد، ولكنها باعتبارها ثورة أنيقة، كما وصفتها ذات يوم، قامت من أجل الإنقاذ الذى يجب ألا يتوه منها، ولا أن يتوه منا، وسط أى زحام!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل