المحتوى الرئيسى

نقاش هادئ حول فك الارتباط بين الريال والدولار

05/15 06:47

أمين ساعاتي في الأسبوع الماضي تناولنا في الجزء الأول من هذه المقالة الأسباب الموضوعية لوضع خطة تهدف إلى فك الارتباط بين الريال والدولار، وذلك انطلاقا من أن المصالح العليا للاقتصاد السعودي تقتضي التحرك باتجاه فك الارتباط. ومع أن هذا الموضوع ذو حساسية كبيرة ويحتاج إلى حسابات دقيقة إلاّ أن الكثير من الدول بدأت بالفعل في هذا الاتجاه حتى توقف سلسلة الأضرار التي يلحقها الدولار المتهالك بعملاتها الوطنية. وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فإن ارتباط عملات دول الخليج بالدولار يجعلها عند مرمى حرب العملات ويصيبها ببعض الشظايا التي تصيب الدولار، فمثلا في حال انخفاض الدولار يتبعه انخفاض في الريال والدينار والدرهم، ويسفر هذا عن ارتفاع في تكلفة الواردات من المناطق الأخرى التي تُقوّم صادراتها بغير عملة الدولار مثل منطقة اليورو حينما يتم استيراد السلع الأوروبية، أو منطقة الين حينما يتم استيراد السلع اليابانية، بمعنى في حال تراجع قيمة الدولار بالنسبة للعملات الرئيسة الأخرى كاليورو أو الين، فإن تكلفة السلع المستوردة تزداد، وعندئذ ندخل فيما يسمى بـ ''استيراد التضخم''. وواضح أن انخفاض سعر صرف الدولار سيدعم - في الأمد القصير - السلع المصدرة من السعودية، ولكن السعودية - كما ذكرنا - ليست دولة صناعية، وما سوف نجنيه هو ارتفاع معدلات التضخم. وإذا رجعنا إلى النصف الأول من العام المالي 2010 نلاحظ أن معدلات التضخم ارتفعت بسبب سلسلة من انخفاضات الدولار، وتشهد الأسواق السعودية حاليا ارتفاعا في السيولة، وهذا الارتفاع إذا لم يقابله زيادة مماثلة في الإنتاج فإن مستويات الأسعار ومعدل التضخم سترتفع أكثر وأكثر. وإزاء استمرار انخفاض قيمة الدولار، فإن الاقتصادي الأمريكي جوزيف ستيجلتز الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد يؤكد على ضرورة إيجاد عملة احتياط عالمية بديلة عن الدولار للمساعدة في ردم فجوة عدم التوازن في الميزان التجاري الأمريكي الذي انعكس سلبا على الدين القومي الأمريكي، وأكد ستيجلتز ضرورة تأسيس نظام نقدي دولي يحل مكان الدولار كعملة احتياط، ويساعد الولايات المتحدة على تفادي ضعف مركزها الائتماني ويقي السوق العالمية من أزمات مالية جديدة. وإذا كانت الكثير من الدول الناشئة لم تخف ضجرها من استخدام الدولار في التسويات المالية والتجارية، فإن بعض الدول الكبرى على المستوى الاقتصادي بدأت تتخذ خطوات عملية نحو التخلص من الدولار في تسوية معاملاتها المالية والتجارية، ونذكر - على سبيل المثال - أن مجموعة دول الصين وروسيا والبرازيل والهند وجنوب إفريقيا وهي من الدول عالية النمو اتفقت على قيام تكتل BRICS هدفه دعم التجارة البينية بينها على أساس استخدام عملاتها الوطنية بدلا من الدولار، كما أن هذه الدول وغيرها من الدول الأخرى مثل إيران وفنزويلا بدأت تستخدم سلة من العملات بدلا من استخدام الدولار، بل إن البحث عن عملة احتياط عالمية بديلة للدولار أصبح مطلبا عاما في سوق المال العالمية. وإذا سلمنا بأن الطريق ما زال طويلا أمام استبدال الدولار بسلة من العملات؛ لأن الدولار ما زال يلعب دورا رائدا في التسويات المالية والتجارية على مستوى الاقتصاد العالمي، إلا أننا لا يجب أن نصرف النظر عن الخسائر التي يلحقها الدولار بالعملات المرتبطة به، كما أننا يجب ألا نصرف النظر عن المحاولات التي تبذلها الكثير من الدول الناشئة للتخلص من الدولار كعملة دولية تسوى بها شؤونها المالية والتجارية، كذلك لا يجب أن نصرف النظر عن الأمراض التي يعانيها الميزان التجاري الأمريكي، كذلك يجب أن نراقب الوضع الاقتصادي المتراجع للاقتصاد الأمريكي قياسا بالتقدم المذهل الذي يحققه الاقتصاد الصيني والاقتصاد البرازيلي والاقتصاد الهندي والاقتصاد الروسي. وطبعا هذا التراجع للدولار الأمريكي في سوق المال العالمية هو الذي جعل علماء اقتصاد أمريكيين مثل جوزيف ستيجلتز يطرح فكرة استبدال الدولار بعملة احتياط عالمية أخرى غير الدولار. في ضوء ما ذكرنا فإنه يمكن القول إن الدولار سيبقى على المدى القصير وربما المتوسط عملة احتياط عالمية، ولكن على المدى الطويل هناك شكوك في أن يظل الدولار هو عملة الاحتياط العالمية، ولعل من أهم العوامل التي تهدد موقعه هي قضية العجز الأمريكي الذي بلغ أكثر من أربعة تريليونات دولار، والمديونية الأمريكية التي فاقت الـ 14 تريليون دولار، وباتت خدمة فوائدها تأكل جزءا كبيرا من الدخل القومي الأمريكي، إضافة إلى احتمال أن تحرر الصين عملتها الياوان وتصبح متداولة بحرية في سوق الصرف العالمية، كما أن الدب الروسي حقق في عام 2010 زيادة كبيرة في معدلات نمو الناتج القومي الإجمالي! ولذلك يمكننا القول إن فك الارتباط بين الريال والدولار بات حتمية اقتصادية، ولا توجد عملة وطنية واحدة بقيت عملة قوية مدى العمر، فالإسترليني - قبل الدولار - سقط، وحينما سقط الإسترليني حررت الدول - حتى الدول الٌمْستَعْمَرَة - عملاتها الوطنية من الارتباط بالإسترليني. وأذكر بهذه المناسبة أن مؤسسة النقد العربي السعودي في عهد المحافظ عبد العزيز القريشي اتخذت قرارا بربط الريال بحقوق السحب الخاصة، ولكن هذا القرار لم ُيفَعّل؛ لأن السياسة غلبت الاقتصاد وسارعت إلى تجميد هذا القرار أو قد تكون المصالح العليا في ذلك الوقت اقتضت ذلك. وها نحن مطالبون بأن نُفَعّلَ قرارنا ونفك الارتباط بين الريال والدولار بصورة تدريجية؛ حتى تكون النتائج محسوبة ومتوقعة، والأهم من هذا أن يكون ارتباط العملة السعودية في المستقبل بمجموعة العملات الرئيسة ولتكن حقوق السحب الخاصة وألا يكون الارتباط أبدا بعملة واحدة فقط. *نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل