المحتوى الرئيسى

اعيدوا عظامي لام الزينات بقلم : خالد منصور

05/14 22:58

اعيدوا عظامي لام الزينات بقلم : خالد منصور اقتحمت عليه خلوته في يوم شتوي عاصف، كان جالسا على فرشة في منزله المكون من غرفتين في مخيم الفارعة، وامامه كانون تتاجج نيرانه، ودلة قهوة لم يبق بداخلها الا القليل، وعدد من جريدة الطليعة مفتوح على صفحة بها مقال بعنوان وفاة المعمر الفلسطيني طالب ابو طالب ( وهو لاجئ من بلدة ام الزينات )، وكان ينفث دخان سجائره وعلائم التوتر بادية على وجهه.. سالته لم انت هكذا متوتر ومضربا عن الكلام.. فرفع راسه ونظر في عيني وقال : اسمع يا ابني لم يبق من العمر قدر ما مضى.. وقد توافيني المنية في اية لحظة.. ووصيتي لك ان لا تترك عظامي مدفونة هنا عندما تعودون الى ام الزينات.. بل قم بحفر قبري وجمع عظامي وخذها معك، وادفنها هناك حيث ولدت ودفن ابائي واجدادي، فانا لن ارتاح الا اذا ضمني قبر في ارض احببتها وأحبتني وأعطيتها واعطتني.. ادهشني ان اسمع من والدي ابو عاطف هذا الكلام، وهو الذي اعرف عنه كم كان قويا وكم كان مؤمنا بحتمية العودة، وبامكانية حصولها بوقت اقرب مما يتوقع اي لاجئ، عندها شعرت ان الموت يقترب من ابي، وادركت ان حزن ابي نابع من انه لم يتمكن من رؤية بلدته التي ولد وترعرع فيها وهي مطهرة من اثار واثام الغزاة الذين اغتصبوها وشرّدوا اهلها منها. ومثل ابو عاطف من المؤكد أن يعزّ عليه الموت قبل تحقيق امانيه، فهو الذي انضم باكرا في اوائل اربعينيات القرن الماضي لتنظيمات فلسطينية سرية في مدينة حيفا-- كانت تستهدف العملاء وسماسرة الاراضي، وهو كذلك الذي امتشق بارودته في العام 1948 وانضم لمجموعات المقاتلين وواصل القتال معهم الى ان سقطت اخر قلاع المقاومة.. وبعدها ومنذ لحظات اللجوء الاولى انخرط في العمل السياسي والاجتماعي في اوساط اللاجئين، مما أهّله ليدخل في العام 1964 اول مجلس وطني فلسطيني كممثلا عن اللاجئين.. فتاريخ ابو عاطف ونضالاته المتواصلة بدون انقطاع، ومعاناته جراء ذلك من السجن والابعاد .. هذا التاريخ يجعل شخصا مثله يجدها صعبة جدا عليه ان يفارق الحياة وهو لم تكتحل عيناه برؤية ثمار نضاله ونضال جماهير شعبه.. قال لي يوما وقد اصطحبني معه في رحلة الى ام الزينات : انا هنا اعرف كل شجرة وكل بئر ماء وكل حجر ( وكل سنسلة )، واعرف مكان البيوت حتى بعد ان هدمها وجرّفها الصهاينة، واذكر اسماء اصحابها وحتى اسماء زوجاتهم وابناءهم.. ثم تركني وطلب مني ان انتظره .. لكنني تبعته وراقبته من بعيد، فكان يقف عند كل شجرة رمان او صبر او تين، ليتحسس سيقانها ويشم اغصانها، ويقف عند كل بئر ماء لينظف فتحته ويلقي النظر في قاعه.. ثم وصل الى ركام اسمنتي-- عرفت فيما بعد انه آثار المدرسة-- وجلس على قطعة اسمنت-- عرفت فيما بعد انها عتبة مدخل المدرسة التي كان يجلس عليها ابناء ام الزينات.. وواصل سيره الى ان وصل الى مقبرة-- عرفت فيما بعد انها المقبرة القديمة للبلدة.. وقف على مدخل المقبرة وقرأ الفاتحة، وتوجه مباشرة الى قبر يوجد على جانبه جذع شجرة كبيرة مقطوع-- عرفت فيما بعد انه قبر جده محمد الحمد المنصور.. وبقيت اتابعه وهو يتجول-- يقف احيانا واحيانا يجلس في ظل شجرة، ويطيل النظر في الاشياء ويحدق بها.. وبعد اكثر من ساعتين انهى جولته، فسبقته الى حيث طلب مني ان انتظره، وجلست حتى وصل، فسالته عما كان يفعل..؟؟ ولم لم يصطحبني معه..؟؟ فأجاب : كنت احاول استرجاع كل ما في ذاكرتي من احداث ووقائع قد حصلت فيما مضى في الامكنة التي مررت بها، واحاول ان اتخيل صورة البلدة والحياة فيها كما لو لم تحصل النكبة.. ولم اصطحبك كي لا تشتت افكاري، وكي لا تحرمني من التمتع بخيالاتي التي هي كل ما تبقى لي في حياتي.. وما هي إلا سنتين حتى رحل أبو عاطف عن الدنيا وكان ذلك في العام 1986.. فهل سيأتي اليوم الذي أوصي به أبنائي بنقل عظامي وعظام جدهم أبو عاطف إلى بلدتنا أم الزينات عندما تتحقق العودة..؟؟ مخيم الفارعة – 14/5/2011

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل