المحتوى الرئيسى

ماجدة إبراهيم تكتب.. لحظات حاسمة

05/14 22:37

جدل كبير فى قاعة المحكمة, وهمهمات تصل عنان السماء.. الكل ينتظر أن يخرج ذلك الثعبان بسمه فى ملابسه البيضاء.. لا أدرى لماذا يرتدى المحبوسون حبسا احتياطيا ملابس بيضاء؟ هل لأنهم يحاولون التطهر من ذنوبهم عندما أصبحوا وراء القضبان، أم أنها بداية جديدة لشخص جديد؟! لا أعتقد أننى سأغير فكرتى عن خالى، فهو سيظل مجرما قاتلا مهما ذرف من دموع.. مهما قال من أعذار. كنت حريصة على متابعة محاكمته، أراقبه بعين متلصصة لاهثة.. تعتقد أمى أننى لا أعى من أمرى شيئا، وأن حبى العميق لخالى لن تضربه الشائعات مهما كانت. فى كل يوم أذهب معها إليه كانت تطيل فى الحديث معى عنه، وتنسج الحكايات المملة التافهة، فلا تهدأ إلا إذا هززت رأسى وابتسمت ابتسامتى البلهاء، وتمتمت بكلمات غير مفهومة إلا لها! وكأننى أدعو له. تدير وجهها وتغمض عينيها الباكيتين وتتنهد بحرقة المظلوم.. ياه يا أمى ألهذه الدرجة تمثلين علىّ؟! تتقنين دورك ببراعة، ليتك تكونين أنتِ الدفاع الذى تسيل من بين شفتيه كلمات النفاق والقهر الملوث بدماء شهدائنا فى ثورة يناير، حتما ستقتنع المحكمة ببراءته، وربما تعطيه نيشان البطولة. فى طريق عودتنا يستمر طابور المكالمات السامة بينها وبين المحامين لمعرفة آخر تطورات الموقف وتفاصيله.. أقرأ تفاصيل ما يجرى فى كل مكالمة على سطور وجهها المنقبض حينا، والمنبسط حينا آخر. أحتضن سريرى وأدفن رأسى خجلا بين طيات وساداتى، وتنهار مشاعرى بكاء مقهورا، لا أعرف لماذا تنتفض هذه الأحاسيس الموجعة منى الآن. أمتنع عن الطعام، أياما كثيرة تنتابنى حالة من الزهد تصل إلى رغبتى فى الموت. لا أصدق أن هذا الإنسان العطوف يخرج من بين أفكاره كل هذا الشر الشيطانى. نقلتنى أمى إلى المستشفى.. طفت على وجهها وأنا بين اليقظة والنوم، رأيت شحوب وجهها وهوانه يحاصران عينىّ، يمزقان قلبى، فقبضت بيدى على يديها بكل ما أوتيت من قوة، علّ قبضتى تمنحها أملا فى الحياة. تمنيت لأول مرة منذ بدأت محاكمة خالى أن يكون هناك ثقب من الأمل فى ظلمات الحقيقة تنفذ منه أمى مرة أخرى إلى الوجود، لكن مرور الأيام وتكاثرها بأحداثها المتلاحقة جعلنى أدرك أن الشر لابد له من نهاية، حتى لو كان أقرب إلينا من حبل الوريد. وجاءت اللحظة الحاسمة.. تسربت إلى أناملى رعشة باردة وإلى قلبى نبضات متشنجة، وصارعتنى أحاسيس متضاربة ما بين محبتى لخالى الذى كان بمثابه الأب الحنون بعد وفاة والدى، وبين المذنب خلف القضبان الحديدية. ما إن دخل قفصه حتى دارت عيناه فى الفراغ، كأنما يبحث عن شىء مفقود، فاعتقدت أنه يبحث عن رجال دفاعه أو عن أمى، لكنه لم يكن يعبأ بأحد منهم. رأيته يسقط نظرته المنهارة بين كفيه وتهدأ حركاته، ويبقى مستسلما فى كرسيه.. لا أعرف لماذا حاولت الاختباء منه، حتى جاءتنى أمى متوسلة بكلمات قصيرة (خالك يريد رؤيتك) فأدركت أن عينيه ما زالتا تبحثان عنى وسط حطام البشر المتراصين. تجمدت لحظات فى مكانى حتى رأيت الحزن يغمر مقلتى أمى، وتسبق دموعها الكلمات، فخجلت من نفسى وطاوعتها بلهفة لرؤيته عن قرب. عندما رآنى انفرجت تفاصيل وجهه، وبادرت ابتسامة متبقية من الماضى لتحتل شفتيه.. ينادينى باسمى، أقترب منه فتنهال علىَّ أنفاسه الحنون، يمد يده فيمسك يدى، أرى فى عينيه نظرات حزينة مكسورة قالها بصوت خافت: (سامحينى)، قطع صوت الحاجب فى المحكمة صمتنا، وابتعدت عنه مرغمة وما زلت أتطلع اليه. نطق القاضى بحكمه.. تهللت الأسارير، وتدفقت الهتافات، وصرخت التصفيقات.. وكلمة واحدة زلزلتنى رددها الحاضرون: (يحيا العدل). للمزيد من مقالات الكاتبة اضغط هنا

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل