المحتوى الرئيسى

الذاكرة العربية وعودة الإبن الضال بقلم أحمد ابراهيم الحاج

05/14 22:29

الذاكرة العربية وعودة الإبن الضال بقلم أحمد ابراهيم الحاج // 14/5/2011م في القرن الماضي، تم تلقيح الذاكرة العربية ببذور من التاريخ والجغرافية والعقيدة واللغة والعادات والتقاليد، فحملت الذاكرة العربية بجنين، وبعد مخاض عسير تمت ولادة هذا الجنين، وأسمته "القضية الفلسطينية"، وشرب هذا الجنين من حليبها، وسرت في عروقه دماؤها، فاختلطت مياهه بمياهها، وحمل صفاتها الوراثية، وغمرته بحبها ووفائها وتضحياتها بأغلى ما تملك، وكبر وشب وراهق في رعايتها، ومرت عليه وعليها الأزمان بين مدها الحياة وجزرها، ومصاعبها وأزماتها، وظلت ناطقة باسمه مدافعة عنه في كل المحافل. وتحمل همومه على اكتافها بالرغم من المصاعب والخطوب، الى أن اكتمل رشده واشتد عوده ، فمنحته الحرية في إدارة شئونه بنفسه، ومنحته الحق في تمثيل نفسه بنفسه ليقرر مصيره، وفي لحظة من لجة الأحداث واختزانها وتزاحمها بالذاكرة العربية، وتزايد المؤامرات وتكالب الأعداء عليه وعليها، جرى فقدان الإبن(القضية الفلسطينية) من الأم (الذاكرة العربية) ، وأصيبت بمرض فقدان الذاكرة المؤقت نتيجة للضربات المتتالية على الرأس، فهام على وجهه بالعراء يبحث عن أمه ويتذكرها كلما تعرض للنوائب، فيناديها فترد عليه بصوت خافت ومخنوق لا يكاد يسمعه، فيعلم أنها في ضائقة وفي محنة وتحت وطأة المرض وآلامه وتشنجاته العصبية ،إضافة الى هبوب العواصف الشديدة عليها وما يتبعها من صواعق ومن ذر الرماد بالعيون من الخارج والداخل، فيتوقف عن النداء لكي لا يثير شجونها وأشواقها اليه، فيزيدها عبئاً على عبء، وهماً على تراكمات من الهموم. فيكابر ويتحمل على نفسه آلام الغربة والبعد وهوان حبل الوصال وضعفه. فيرثي لحالها داعياً لها بالتخلص من الكوابيس التي تخنق نفسها وتضغط على صدرها وهي جاثمة على جسدها تكبله وتخفت من صوتها لكي يصله متهدجاً وضعيفاً يبعث على اليأس ويولد الإحباط بالنفس. وظل على هذا الحال يعيش كالأيتام على موائد اللئام. تتقاذفه العواصف والرياح العاتية من الداخل والخارج، فيحني رأسه للعواصف منتصب القامة واقفاً على قدميه، حفاظاً على بقية من الروح التي تجوب جسده وتبعث فيه الحياة والأمل بشفاء الأم الرؤوم وتخلصها من الكوابيس النفسية التي تعاني منها. وفي لحظة مفاجئة وبصعقة كهربائية يُقصد بها الأذى، وتحت وطأة شدة القهر المحدق بها والجوع والفقر الذي ينهش جسدها تخلصت الأم من أوهامها ورعبها ورهابها، وشدت من عزيمتها، وحاولت أن تدفع عن صدرها الكوابيس التي خلقتها لنفسها من نفسها ومكنتها من ناصيتها في لحظة من الوهم والوسواس القهري باستحالة التحرر من القيود المحكمة والمدعمة من الأعداء، تململت الأم وانتفضت بجسدها مستعينة بقوتها الكامنة وإرادتها وعزيمتها على التحرر وكسر القيود، فإذا بالكوابيس المتمكنة منها، والمطوقة لرقابها بأيد هرمة مرتعشة يغازلها الموت تنقلب تحتها مترنحة متهاوية كجلمود صخر حطه الشعب من علِ، وذلك نظراً لقدم وهرم وتآكل تلك الكوابيس. فتماسكت واستعادت قوتها بعد تخلصها من فوبيا الزعيم أو القائد، وانطلق صوتها عالياً يشق السهول والجبال والصحارى والبحار منادية على ابنها الذي فقدته وضلت عنه وضاع منها هائماً على وجهه في الفيافي والبراري والبحار مكابراً على الرغم من معرفته للطريق الموصل اليها، متجنباً ذلك لكي لا يحملها أكبر من طاقتها. وليحافظ على ما تبقى لها من روح في جسدها الممدد طولاً والممتد عرضاً في انتظار استعادة الروح كاملة والوعي متكاملاً. ولدى شعورها بالحرية واستنشاقها لعبيرها استعادت الذاكرة العربية ابنها الضال، واستجابت لنداءاته من غول الزمان وجبروت الأعداء. وقالت له لبيك يا بني لبيك، ها قد عدت أنا اليك وعدت أنت اليّ من جديد، وثق يا بني أنني على الوعد والعهد، ولن أتوانى عن نصرتك والوقوف بجانبك في محنتك، مهما طال الزمان أو قصر، فأنت العزيز الغالي الذي حفر تاريخه بقداسته في ذاكرتي. ومهما كبرت وترعرعت وابتعدت عني دون إرادة مني أو منك، فستظل همومك هي اولويات همومي، ولن أنساك أبداً ما دام فيّ نفس يخفق وقلب ينبض بالحياة. فأنت في الصف الأول من أجندتي واهتماماتي بعد شفائي من المرض ونقاهتي واستعادة عافيتي كاملة. فأنت في موقع القلب مني، وها هو ذكرى مأساتك قد اقترب، وسأحتفل به احتفالاً يعيد لذاكرتك تعلقي بك وحبي لك وتضحيتي من أجلك، وسوف يحيي في نفسك الأمل ويعيد اليك الحيوية والنشاط والقوة. وخرجك من عزلتك وغربتك، وثق يا بني أن "عمر الدّم ما بصير ميّة". وأن اقوى عاطفة على هذا الوجود هي عاطفة الأم التي أمددتك بها وسأظل ما حييت.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل