المحتوى الرئيسى

ما سيقوله في واشنطن بقلم:محمد السهلي

05/14 21:07

محمد السهلي ليس من باب العلم بالغيب أن يتوقع المتابع مضمون الخطاب الذي سيلقيه نتنياهو أمام الكونغرس الأميركي في الرابع والعشرين من الشهر الجاري. فقد أثبتت التطورات المتلاحقة على مسار التسوية السياسية مع الجانب الفلسطيني أن رئيس الوزراء الإسرائيلي قد كان «مخلصا» لمضمون خطابه في جامعة بار ايلان (14/6/2009) الذي رد فيه على خطاب أوباما الشهير في القاهرة قبل ذلك بعشرة أيام، وقد أكد نتنياهو شروطه للتسوية السياسية مع الفلسطينيين متعهدا بإعادة الاعتبار للصهيونية. وجاءت محصلة التجاذبات التي نشبت بين تل أبيب وواشنطن على خلفية المشاريع الاستيطانية في الضفة وخاصة القدس لتؤكد أن حكومة نتنياهو قد فازت بالمعركة الإعلامية مع حليفتها التي انضمت إلى الاعتبارات الإسرائيلية في شروط بدء المفاوضات ومسارها.... وبالتالي نتائجها. لكن عددا من المحللين السياسيين رأى بأنه من شأن التغيرات التي تشهدها المنطقة العربية ومستجدات الوضع الفلسطيني ستضع نتنياهو أمام معادلة جديدة لا ينفع فيها تكرار المواقف السابقة، إذا كان يريد فعلاً إعادة الدوران لعجلة التسوية. في ملاحظة السلوك السياسي لنتنياهو في مسار التسوية، يتضح أنه كان يقوم بانعطافات لا تمس جوهر موقف ائتلافه الحكومي وانحصرت في تنويع أسلوب تعامله مع مستجدات شهدها مسار المفاوضات وقبل ذلك التمهيد لها. وغلب على هذا السلوك طابع المناورة، الذي تبدى بشكل واضح عندما أعلن في أواخر العام 2009 عن تجميد جزئي مؤقت للاستيطان. واعتمد لتسويق هذه المناورة على خطاب مزدوج يسوق من خلاله إعلان التجميد كبضاعة للتسويق الخارجي وخاصة في السوق الأميركية، وحافظ في الوقت نفسه على وعوده للمستوطنين وبيئتهم الفكرية والسياسية فأبقى باب الاستيطان مفتوحاً تحت عنوان تنفيذ العطاءات السابقة، إلى جانب استثنائه مدينة القدس الشرقية من قرار التجميد، وإن أدى ذلك إلى تجاذبات مع واشنطن، استطاع تجاوزها في وقت لاحق. إلى جانب ذلك، وفي سياق «العثرات» التي شهدتها المفاوضات، نسق مواقفه مع إدارة أوباما للدخول في مقايضات يتم خلالها استبدال المطالب الفلسطينية بتجميد الاستيطان وتحديد مرجعية المفاوضات بفتح باب الكرم الإسرائيلي من خلال عرض رزمة مما يسمى بوادر زرع الثقة مثل توسعة ولاية السلطة الفلسطينية على مناطق أوسع مما لها الآن (وهي غير قائمة) وإزالة حواجز وإطلاق أسرى...إلخ. ومن خلال التجميد الشكلي والمقايضات الفارغة توصل إلى إيجاد خطاب أميركي يحمِّل الجانب الفلسطيني مسؤولية إفشال المفاوضات، ونال مقابل ذلك عروضاً أمنية واقتصادية سخية من قبل واشنطن إن هو «تحمَّل» سلبية الجانب الفلسطيني وقبل بتجميد الاستيطان لمدة ستين يوما لا أكثر تسهيلا لعودة المفاوض الفلسطيني إلى طاولة المفاوضات. ومع فشل هذه المحاولة، استقرت المعادلة الأميركية ـ الإسرائيلية بشأن التسوية على استخلاص مفاده أن الفلسطينيين هم من يتحمل مسؤولية وقف المفاوضات، وتجلى ذلك من خلال الصمت الأميركي والغربي على الهجمة الإسرائيلية في توسعة الاستيطان وتهويد القدس. وشهدنا إلى جانب كل ذلك موجة عاتية من العنصرية الصهيونية تجاه فلسطيني الـ48 من خلال رزمة من القرارات التي اتخذتها الكنيست على طريق تأكيد يهودية الدولة وتهميش وجود الفلسطينيين ومنعهم من التعبير عن هويتهم الوطنية ومن بين هذه القرارات ما سمي بقانون النكبة وغيره. وبهذه الصورة انتهى العام الماضي الذي شهد بدء المفاوضات وفشلها الذريع. العام 2011 جاء بتطورات عاصفة غير متوقعة في المنطقة العربية. ومع تمكن الشارع المصري من إجبار الرئيس مبارك على التنحي، وضعت تل أبيب الاحتمالات السيئة في مقدمة توقعاتها للمرحلة المقدمة، وشرعت بإعادة فحص أدواتها مركزة على الجانب الأمني والعسكري كرد فعل على التطورات الحاصلة. إثر ذلك أعلن نتنياهو أن في جعبته خطة جديدة للتسوية مع الجانب الفلسطيني وأنه سيطرحها خلال زيارته إلى واشنطن،وذلك قبل أن يأتي اتفاق المصالحة بين فتح وحماس وبعد ذلك توقيع الفصائل والقوى الفلسطينية على اتفاق إنهاء الانقسام الذي إتحد ضده أطياف المشهد السياسي الصهيوني في إسرائيل. كلا التغييرين على الصعيد العربي والفلسطيني سيجدان ـ برأينا ـ مكانا رئيسيا في خطاب نتنياهو المزمع في واشنطن. ومن المنطقي استنتاج الجمع بين القلق الإسرائيلي تجاه التغيرات العربية وخاصة في مصر وبين الرفض لاتفاق الفلسطينيين فيما بينهم، وربما يتم جمعهما في الخطاب تحت يافطة الخطر الوجودي على إسرائيل على اعتبار أن مؤشرات كثيرة في مصر تدل بالنسبة الإسرائيلية على أن ذلك البلد العربي لا يتجه نحو «ديمقراطية محبة للسلام»، كما أن ما جرى على الصعيد الفلسطيني يهدد إسرائيل بـ«استشراء الإرهاب» في الحالة الفلسطينية ويعزف نتنياهو هنا على ضرورة فتح القاموس الدولي للإرهاب وقراءة اسم حركتي حماس والجهاد الإسلامي في صدارة صفحاته. ويستبعد نتنياهو بشكل صريح وواضح إمكانية التوصل إلى «اتفاق سلام» مع الجانب الفلسطيني بعد التئام الوحدة الفلسطينية بمشاركة جميع التيارات والأطياف السياسية الفلسطينية. وربما يكون هذا في مقدمة الخطاب المتوقع لبنيامين نتنياهو أمام الكونغرس. ولكن قبل ذلك سيطنب في الحديث عن إسرائيل «المحبة للسلام» وأن ما يمكن أن يعيق التوصل إلى اتفاق يحقق السلام يكمن في الحالة الفلسطينية حصرا. وعلى هذا، ليس غريبا أن يطالب نتنياهو الكونغرس الأميركي ومن خلاله إدارة أوباما باتخاذ جميع «الاحتياطات» الضرورية لضبط الحالة الفلسطينية في وضعها الجديد. ولم يخف نتنياهو العناوين الرئيسية لخطته «الجديدة» من خلال ما سبق أن طرحه تحت عنوان «ثلاث لبنات لإنجاز اتفاق مع الفلسطينيين». يبدأها بالتأكيد على ضرورة الاعتراف بيهودية دولة إسرائيلية وتبعا بذلك شطب حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طردوا منها، وإلى جانبه وضع الوجود الفلسطيني في أراضي الـ48 تحت سيف الملاحظة الأمنية على اعتبار أن الفلسطينيين في بلادهم يمثلون «طابورا خامسا» ينبغي معاقبته قانونيا وسياسيا. ولنا أن نتصور أن نتنياهو وقبل توقيع اتفاق إنهاء الانقسام، كان مصرا على بقاء الجيش الإسرائيلي والمؤسسة الأمنية في غور الأردن وبعض مناطق الضفة لمنع «تسلل الإرهاب»، فما الذي سيطالب به بعد توقيع الاتفاق؟ ولا يبتعد الأمر كثيرا بما يتصل بملف الاستيطان من خلال التركيز على نسب تبادل مرتفعة تضمن بقاء الكتل الاستيطانية تحت الولاية الأمنية والسياسية الإسرائيلية وكل ما يتصل بهذا الموضوع من ثروات طبيعية في الضفة الفلسطينية. وإذا كان ساركوزي في مبادرته مؤخرا قد أورد ذكر القدس الشرقية كعاصمة متوقعة للدولة الفلسطينية وتجاوز الاقتراح الإسرائيلي بالاتفاق على دولة بحدود مؤقتة، فإن الطبيعي أن نتوقع من بنيامين نتنياهو ردا على ذلك من على منبر الكونغرس الأميركي، من موقع التلميح إلى أن أوروبا أو بعض دولها تتحرك على جبهة التسوية السياسية مع الفلسطينيين بناء على قناعة بوجود فراغ يمثله الجمود الذي يشل حركة الإدارة الأميركية على هذا الصعيد مستفزا «الحمية» الأميركية من أجل التحرك وفق قواعد المواقف المشتركة بين تل أبيب وواشنطن في مواجهة الأخطار الجديدة ممثلة بالتطورات العربية..... ووحدة الفلسطينيين!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل