المحتوى الرئيسى

> نحو الخروج بالثورة من نفق «الصور الإعلامية»

05/14 21:05

بقلم : هانى درويش كان الأمر بالنسبة لي هو مجرد الخروج قليلا من المشهد المحلي، لقد أنجزنا فيه بما فيه الكفاية ولابد من استراحة لالتقاط الأنفاس، لذا كان تقبل دعوة مؤسسة "بيت المتوسط" الإسبانية للمشاركة في فاعليات الملتقي الأول لمدوني ومستخدمي الوسائط الاجتماعية في البحر المتوسط، مثل تقبل دعوة للعشاء مع أصدقاء زمن منقضٍ، علينا الآن علي المائدة أن نضع حجم منجزنا في الحسبان، فما عُدّ، طويلا، ميلاً لتقبل التعاطف الجدير بجيران فقراء، يتحول اليوم ومع ثورتنا الملهمة -وفقا لتعبيرات الأوباما- إلي تعويض تاريخي عن حجم الغبن الذي عانيناه كأحمال إضافية في ضفة المتوسط الجنوبية، بوصفنا مصدرا للتلوث البيئي والمهاجرين والنفط والتطرف، مجمل الكلاشيهات التي تحيا علي تلخيصاتها العقلية الأوروبية، وأتت الثورتان المصرية والتونسية بمراحل إنجازهما التي لا تقارن بباقي أجزاء الربيع العربي لتؤكدا سويا أن ثمة ما يمكن أن نصدم به جيران الشمال، خاصة أن وسائلنا في ذلك جاءت عبر الوسائط الاجتماعية الجديدة التي من علينا الغرب بها كمستخدمين، فحولناها إلي أدوات إبداع لا تسلية، مقومات نضال لا ملء لفراغات يوم العمل، ورغم تلك الهمة المرتكزة علي إحساس بالفخر استثنائي هالني التسرع في إنجاز الكلاشيهات حول ثورتنا لا من جيران الشمال بل أيضا من بعض أصدقائنا العرب. الأمر يتعلق بالأساس بالصدمة، أي استحالة توقع الجميع بما فيهم نحن أنفسنا لما حدث، ومثلما نميل داخليا إلي ابتسار الثورة في مصطلحات" ثورة الشباب" أو "الفيس بوك" أو "الثورة السلمية"، صدرنا نفس تلك الأوهام إلي من حولنا، خاصة أن لغة الثورة كانت الصورة، وكم من صور محرفة كتبت تاريخا من الأوهام، ثم إن الوقت لم يحن أصلا لا للتحليل أو التوثيق الدقيق، بل ونحترف جميعا التهرب من هكذا مهمة في مخاض تحول الثورة إلي صراعات وهمية حول مدنية أو دينية الدولة، أو الغرق المبالغ فيه في جدول أعمال مضطرون إلي تشرب تفاصيله بجدول مكثف كعملية كتابة الدستور والانتخابات، لا بوصفها نتاجا للثورة بل بوصفها اختبار ذكاء مجتمعي. بالعودة لبيت المتوسط وفاعلياته التي ضمت شبابا من تونس والمغرب والجزائر وسوريا ولبنان، بالإضافة إلي دول أوروبا المطلة علي المتوسط، فقد هالني أن تكون التحريفات الإعلامية والصدف اللاموضوعية هي ماترسم صورة الثورة في مصر، بدءا من الروح التجارية التي سادت إختيار الأسماء حين فكر الملتقي في استضافة وائل غنيم، أو حين تكرر ذكر نفس الشخص في مداخلات الجميع معي، أو حين كان الحديث عن ميدان التحرير كبؤرة وحيدة للأحداث، وكأن "غنيم" الذي خرج علينا من فترة اعتقاله ليشكر وزير الداخلية يمكن أن يمثل وجه مصر الثوري، أو كأن شهداء المعادي والحدائق والمطرية أو السويس ماتوا في ثورة أخري، وحين تحدثت في افتتاحية كلمتي عن شكر الرئيس مبارك لمرة واحدة لما أنفقه في العشرين عاما علي تطوير مجال الاتصالات مجبرا، لم يجد صحفي جريدة "الباييس" إلا تلك المفارقة ليذكرها علي لساني، حتي إنه لم يكمل اقتطافتي الساخرة التي أوضحت فيها لماذا أشكره، لقد اختصر الصحفي المفارقة الساخرة علي طريقة «لاتقربوا الصلاة». نحن إذا في عصر الاختصارات المبسترة، ميدان وغنيم وسلفيون، وعن الأخيرين كان الوهم العربي والأوروبي، فصديقنا الجزائري يبدو مهموما باستحضار تجربتهم في أوائل التسعينيات حين انقض الجيش علي الحكم مزيحا الحركة الإسلامية وكأنه يبشرني من جهة، ثم وكأنه يستعذب العيش تحت حكم بوتفليقة إذا كانت الثورات ستنتهي هكذا من جهة أخري، ناهيكم بالطبع عن القلق الأوروبي الذي يوجه الأسئلة إنطلاقا من نفس المغزي، ورغم كون السؤال في حدوده يبدو منطقيا (خاصة أن سلفيو كاميليا مصممون علي تحويل الثورة إلي مشروع دراما عائلية رخيص)، إلا أن أوروبا نفسها ، أو ما رأيته من أوروبيين يميلون إلي تبني تلك النظرة المتشككة في تصنيف ماحدث علي أنه ثورة، انطلاقا من عدم تصديقهم حتي هذه اللحظة إلي خطأ توقعاتهم، هل نتحدث هنا عن مناعة استشراقية متكلفة؟ المؤكد أن ثوراتنا "المتوسطية" أكسبت المدونين العرب بعضاً من الكرامة المستباحة، وربما ترجموها ببعض الشكلانية حين هبوا للدفاع عن هذا الإباء الجديد تجاه أخطاء تنظيمية، لكن الألق والفخر الذي ملأ العيون كان جديرا بالاحتفال خاصة والقاعة تستمع إلي سير بعضهم في الاعتقال نتيجة أنشطتهم التدوينية، فقد بدا لكثير من المتابعين كيف استحال الفضاء الافتراضي ساحة لمعركة حقيقية بين سلطات متجبرة جاهلة وأشخاص لايملكون إلا حوائط افتراضية للتعبير عن وجودهم الإنساني والاجتماعي، وكان استحضار موقعة الجمل بما حفلته من رمزية مفارقة، حين أنزل النظام بغاله وأنعامه ليواجه "شباب الفيس بوك"، بعد أن فشل في المواجهة الأمنية والسياسية والإعلامية للثورة، كان لهذا المشهد دور في أسطرة المواجهة، تأصيلا للحس الإكزوتيكي، فإذا ما عرفنا أن اشهر المشاهد الاستشراقية في الوعي الجمعي الغربي تربط مصر بالجمال والهرم لأدركنا كيف ابتزل النظام السابق حاله وحالنا في هذا المشهد المأساوي. لقد حاولت في كل المشاركات أن أنقل تشككي، ضعفي وضعف من أمثلهم عن الوصول إلي يقينيات فيما يخص الثورة، نقدي لاستسهال وضعها في كلاشيهات ما أسهل أن تضللنا، فالفيس بوك كان راية للاحتشاد، لكن الملايين التي خرجت لم تكن كلها ابنة للفضاء الافتراضي، كما أنها لم تكن كلها شبابا مسالمين، كيف نتحدث عن ثورة سلمية مات في إسبوعين بها نحو 1000 وأصيب نحو 5000 شخص؟ وشرح سلمية لايمت بصلة إلي مجرد رفع الشعار، فالألوف لو قدر لهم حمل السلاح لوقف الذبح المجاني لقوي الشرطة لفعلوها، لأوقفوا العنف العاري الجبان لبلطجية النظام، نحن نتحدث عن أيام ثلاث سلمية واجهوا فيها آلة قتل عمياء، ثم إن مصطلح شبابية يصلح تصويرا لمشاهد الأيام الثلاثة، لكن ماذا عن المحلة والسويس انتفاضة المدينتين كباراً وصغارا؟ نعم نحن نفتقد لتفكيك اللحظات السحرية في هذه الثورة، نفتقد لكتابة تاريخ حقيقي لها يصل قطع البازل بعضها ببعض، وقبل أن نفكر في نقد الآخرين وتصوراتهم عنا لابد أن نخضع أقوالنا لمزيد من الرشادة والتعقل، وكثير من الروح العلمية التي افتقدناها في السابق، ولابد للثورة ومن شاركوا فيها من استعادتها، حتي لانبقي فريسة الأسئلة الكلاشيهية التي كونتها للأسف قناة الجزيرة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل