المحتوى الرئيسى
worldcup2018

> سافر إلي السعودية فخسرت معركتي

05/14 21:05

تعرفت عليه في "صيدلة" الإسكندرية، كانت الدراسة هناك تمثل لي إقامة جبرية.. عرفني بوصفي متمردا علي القيم الأخلاقية بالكلية، الساخر من لهاث الجميع علي الحصول علي لقب دكتور الذي لم يعن لي أكثر من حصول مانويل جوزيه علي لقب مستر.. وعرفته بوصفه تائها بين التمرد والاستسلام لنداءات الإخوان والسلفيين وصناع الحياة. متعدد المواهب، يرسم، يكتب الشعر، ماهر في الفنون اليدوية، خطاط.. ولديه مخزون اكتئاب وحزن مثالي يصلح لالتقاط إبرة الفن من كوم قش الحياة. ضخامة جسده، واغترابي عن الكلية منتجة "العظماء" لسوبر ماركتات الأدوية وشركات تسويق المراوح علي الأطباء.. منحانا سببا مشتركا للصداقة.. ثمة شيء لا يستوعبنا في العالم. كان خجولا، وكنت "قرفانا" من هراء طلبة البالطو.. .معا، صنعنا صداقات لم نكن لنكونها إلا معا.. يحتمي أحدنا في الآخر.. يعينني علي الدراسة وأعينه علي الدخول للأنشطة الفنية المحدودة في كلية تقتل الخيال.. وتعلمك أقصر الطرق لأكل الكتف.. كما عرفته علي عالم أكثر رحابة خارج الكلية. شاركني نضالي الخاسر لإقناع الكلية والطلبة بأهمية أن يكون لدينا فريق مسرح، رغم أننا لا نجيد التمثيل، وقف معي في معركة تطوير نادي الأدب من إغراقات العموديين الجدد والشبح الجاثم علي أنفاس كتابة شعر حقيقي آخر، شعر لا يشبه قاموس فاروق جويدة الذي لا يزيد في أغلب الأحوال عن مائة كلمة تتكرر. انتصرنا أحيانا، وخسرنا أحيانا.. لكننا حولنا اغترابنا إلي أيام لا تنسي منتصرين في النهاية علي القوانين الصارمة للكلية. مع الوقت اجتذبته السلفية، خائفا من الله.. ممزقا بين ما سماه الدنيا والدين مقارنا بين الفن وتحريمه. تحولت دون أن أدري إلي رمزه الخاص بالدنيا.. ممزقا.. ظل يربي ذقنه ويحلقها.. يكتب الشعر وهو مؤمن بأنه من إلهام الشيطان.. يرسم وهو يعرف أنه يبتعد مع كل لوحة خطوة عن باب الجنة. صار يرسم نفسه بشكل مشوه، يكتب قصائد ما هي إلا جلد للذات.. أحب قصة الجميلة والوحش، فهو الضخم والبدين يعرف أن الناس تخاف من هيئته، رغم طيبته، كان يأمل في أمير وسيم بالداخل يحرره الجانب الناعم من الفن، أو تراه أنثي تملأ حياته. هو من استعذب ذلك اللقب الذي أطلق علينا عندما كنا نسير متجاورين: تيمون وبومبا.. الشخصيتان الشهيرتان في كارتون الملك الأسد. أحيانا كان بومبا ينجذب بقوة إلي شيوخ السلفية، يستمع إلي خطبهم بالأسابيع، يربي ذقنه وقتها ويستعمل السواك، وينظر إلي مشفقا ويلعن سلسفيل الفن لكن دون أن تنفصم صداقتنا.. أحاوره.. أقنعه احيانا.. يعود إلي بالأسابيع.. تاركا شيوخه. يحاول أن يكون أكثر اعتدالا فينضم إلي إخوان الصيادلة، وصيدلة الإسكندرية ونقابتها واحد من أهم ثكنات الاخوان وأماكن استقطابهم. يتحول من متطرف في آرائه إلي كائن نمطي، يري الحياة كأنه يراها بشكل مودرن، لكنه في الواقع يراها من نفس المنظور الضيق، بعيون آخرين يقرأون من نفس الكتالوج. حاولت اقناعه بأني قد لا أمثل الدنيا، فعلي الأقل أنا أواظب علي الصلاة معه، وعلي حد علمي فالدنيا تخلع حذاءها علي أبواب الجوامع، دون أن تجرؤ علي الدخول، ولو كانت شخصا لما كانت أكثر من سارق أحذية. تمزقه زاد.. بين دين ودنيا وإخوان قرروا أن يحصلوا علي الاثنين معا ويحملوا صكوكا بذلك. بين الثلاثة (يا لسفالتنا) انسحب إلي ألعاب الفيديو جيم.. ألعاب الاستراتيجي تحديدا.. هناك يمكنه أن يخلق عالما من تصميمه.. وأن يصير شخصا آخر ذعلي الأقل-بقليل من الاحتراف ينتصر ويغزو ويفتح المدن. سنوات الكلية انقضت وهو يتحول إلي ثلاث شخصيات، لم يتمكن أبدا من فك تناقضها. ظللنا صديقين،حتي ذهبت إلي القاهرة لمحو لقب دكتور والالتحاق بالصحافة (مع الوقت سأعرف ان نصف الصحفيين المصريين أشبه بمحصلي النور). كنت أراه من وقت لآخر كلما عدت إلي الإسكندرية، أقص عليه ما أراه ومرمطتي في الأيام الأولي .. . لم أتنبه لما سيصير إليه.. كانت لدي معركتي الخاصة بتثبيت قدمي هنا. سار علي النمط الطبيعي لكل خريج صيدلة.. يخرج بأحلام عريضة عن المكسب المادي والاجتماعي يعمل سريعا في صيدلية، فيكتشف انه سيعمل أكثر من عشر ساعات بستمائة جنيه، فيبدأ في الالتحاق بشركة أدوية، ويبدأ في ترويج المراوح علي الأطباء لكتابة دواء برد يتوافر منه مائة صنف علي الأقل. بعضهم يسافر، صديقي الضخم لم يؤهله شكله للالتحاق بشركة أدوية، لكنه استطاع العمل في صيدلية كبري في السعودية. هناك لم يكن لأحد تأثير سوي ابن باز. تكلمنا من وقت لآخر علي الشات.. تحول إلي كائن لا أعرفه.. يحرم الحرام والحلال ويسعي بقوة إلي البحث عن الفئة الناجية.. لم يكتمل حوار واحد بيننا. يصور نفسه في الصيدلية أحيانا في فيديوهات يلقي فيها بذقن جاهد في تربيتها قصائد تفعيلية بألفاظ سلفية، تمزقه يزداد.. أعلم.. يدخل إلي الفيس بوك ليطلب لي الهداية. ما فائدة هذا المقال؟ ما مغزاه؟ لا أعلم.. لكن ثمة سؤالا وذنبا يراودني عن كوني واحدا من السفلة الذين مزقوا حياة أطيب من عرفتهم في حياتي بادعائهم انهم يملكون الحقيقة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل