المحتوى الرئيسى

الفساد والإرهاب ومقاومة التغيير

05/14 15:53

إدريس لكريني أعادت احتجاجات 20 فبراير 2011 بالمغرب وما سبقها وأعقبها من تحولات عارمة في مناطق عربية أخرى؛ موضوع الإصلاح والتغيير بقوة إلى الواجهة؛ كما أسهمت بصورة كبيرة في مساءلة مسار ما اصطلح عليه ب"الانتقال الديمقراطي" الذي بشّرت به الدولة منذ أواخر التسعينيات من القرن الماضي، في ظل استمرار مجموعة من مظاهر الاستهتار بالقانون؛ وانتشار الفساد بكل أشكاله واستمرار نهب الأموال العمومية؛ وفي ظلّ حكومة لا تتحكم في الشأن التنفيذي؛ وبرلمان بصلاحيات محدودة؛ وفي ظل تأزم أوضاع قطاعات الصحة والقضاء والتعليم والسكن.. وسمحت أيضا ببروز أصوات نخب وفعاليات طالما ظلّت مغيبة عن النقاش العمومي بفعل التهميش والإقصاء الذين عانتا منه؛ وأتاحت نقل مطالب الإصلاح السياسي والدستوري من مجالس النّخب السياسية والحزبية أو المثقّفة إلى فضاء أرحب؛ انخرطت فيه مختلف فئات ومكونات المجتمع المغربي وطرحت معه الكثير من الأسئلة في علاقتها بحدود وجدّية الإصلاحات المختلفة التي باشرها المغرب في السنوات الأخيرة. إن الإصلاح الدستوري المنتظر وعلى أهميته؛ يظل بحاجة ماسّة إلى تعزيزه بشروط الثقة التي تعيد الأمل للمواطنين وتنبئ بوجود إرادة حقيقية على طريق الإصلاح والتغيير؛ ذلك أن الممارسة تبرز بأن المقاربة القانونية والمؤسساتية لوحدها تظل غير كافية في هذا الشأن؛ ما لم تعزّز بتدابير وإجراءات ميدانية مستعجلة وذات أولوية تسمح بإعطاء المدلول لكل إصلاح. ولعلّ الأسئلة الذي تطرح بحدّة في خضم هذه النقاشات هي: ما قيمة أية مبادرات إصلاحية مع استمرار مظاهر الفساد بكل أشكاله وعلى شتى المستويات والمجالات؟ ومع بقاء عدد من ناهبي الأموال العامة في منأى عن أية مساءلة قضائية وعدم استرجاع هذه الأموال؛ برغم صدور تقارير القضاء المالي التي تؤكد تورطهم في هذا الشأن؟ وما مدى تأثير الأحداث الإرهابية التي شهدتها مراكش الأخيرة على مسار هذا الإصلاح؟ إن الفساد في شكله المالي أو الإداري والذي يرتبط أساسا بسوء استعمال السلطة وتوظيفها في خدمة المصالح الخاصة الضيقة بصورة تتناقض مع القوانين الجاري بها العمل؛ يفرز تكاليف سيّئة وخطيرة تطال الدولة والمجتمع. فهو يشجّع الإثراء بلا سبب؛ بصورة تسهم في تدمير الأسس الاقتصادية للدولة وتهدّد قيام المشاريع الاقتصادية والاجتماعية.. وتكرّس سلوكات تعكس الاستهتار بالقوانين وتقضي على مظاهر الشفافية والمنافسة الشريفة وتكافؤ الفرص. وتكلفته كارثيّة بكل المقاييس على الاقتصاد والمجتمع من حيث حرمان خزينة الدولة من مجموعة من الموارد بسبب التهرّب الضريبي؛ ونهب الأموال العامة وإهدارها في أغراض شخصية؛ أو تهريبها نحو الخارج؛ عوض توجيهها نحو مشاريع تنموية اجتماعية حيوية في مجالات الصحة والتعليم والسكن والبنيات الأساسية.. بما يقتل روح المبادرة والاجتهاد؛ ويعرقل تحقّق التنمية بكل مظاهرها وأشكالها؛ ويفرز مظاهر من التهميش والفقر؛ ويسهم في هروب الرّساميل الأجنبية وإضعاف الاستثمارات المحلية والخارجية؛ نتيجة لعدم نهج الشفافية اللازمة في طرح الصفقات العمومية للخواص.. وعلى المستوى السياسي؛ يكرّس روح الانتقام داخل المجتمع وثقافة عدم الثّقة في القوانين والمؤسسات السياسية للدولة، بالشكل الذي يؤثر بالسلب على أمن واستقرار الدولة والمجتمع؛ ويعرقل أي تغيير أو إصلاح حقيقي على طريق بناء دولة الحق والقانون وتحقيق الديمقراطية، وهو ما يجعل منه عاملا أساسيا في مصادرة الحقوق والحريات الفردية والجماعية وتقويض كيان الدولة والمجتمع وزرع البلبلة وعدم الاستقرار.. ويصبح الفساد أكثر سوءا وخطورة عندما يصيب جهازي القضاء والأمن ليتحولا من ذلك "الملاذ" الذي يفترض فيه حماية الحقوق والحريات وفرض احترام القانون؛ إلى آلية لحماية الفساد ولجعل "المفسدين" في مأمن ضد أية مساءلة أو عقاب كيفما كانت الجرائم والمخالفات المرتكبة.. إن انتشار الفساد بكل صوره السياسية والإدارية والمالية بالشكل الذي لم يعد خافيا على أحد؛ تعكس قدرا من غياب المسؤولية والمحاسبة. ويزداد الأمر خطورة مع بقاء وجود عدد من المتورطين في قضايا الفساد على رأس عدد من المؤسسات العمومية والجماعات المحلية والمسؤوليات الإدارية؛ رغم وجود قرائن ودلائل تؤكد مسؤوليتهم في هذا الشأن. إن أية عملية إصلاحية لا يمكن أن تستقيم مع استمرار مظاهر الفساد ومع بقاء المفسدين على اختلاف درجات مسؤولياتهم خارج أية متابعة قضائية صارمة. ذلك أن الفساد هو أحد العوامل المعرقلة والمقاومة لأي إصلاح كيفما كان؛ لأن الشفافية وتكافؤ الفرص ودولة الحق والقانون كلها عوامل ومقومات ستكشف حقيقة المفسدين وستسحب شروط انتعاشهم وتعرضهم للمساءلة والمحاسبة. أما "الإرهاب" باعتباره استعمالا منظّما للعنف بشتى مظاهره المادية والمعنوية بصورة فردية أو جماعية وبشكل يثير الرّعب والخوف ويخلّف خسائر جسيمة في الفئات والمنشآت والآليات المستهدفة؛ بغية تحقيق أهداف سياسية أو شخصية بصورة تتنافى مع قواعد القانون الداخلي والدولي، فهو سلوك غير مشروع تدينه وتحرمه التشريعات السماوية والوضعية ولا يمكن أن يبرّر بأي هدف أو ذريعة. والضالعون في تفجير مراكش الأخير؛ لا بد وأن يكونوا ضد أي تغيير أو إصلاح يسمحان بدعم انتقال ديمقراطي يطمح إليه المجتمع المغربي. توجد داخل أي مجتمع فئة تخشى من التغيير؛ فهي لا تنتعش إلا داخل الماء العكر؛ ولا تتحقق مصالحها إلا في أجواء تغيب فيها الشفافية والديمقراطية؛ ولا شك أنها تستاء من الحراك المجتمعي والسياسي ومن النقاش العلني والسلمي الذي انطلق بحدة مع احتجاجات حركة 20 فبراير التي سمحت بظهور مجموعة من التصورات التي ذابت فيها الخلافات الإديولوجية والسياسية.. وببروز مبادرات إيجابية من الدولة تدعم هذا النقاش وتدعم ورش الإصلاح؛ وبالتالي فإن هذه الفئة يمكن أن تسعى بكل الوسائل والسبل لإيقاف وإحباط أي إصلاح أو تغيير يدعم دولة الحق والقانون ويحسم مع ثقافة الرأي الأحادي ومظاهر الفساد والإجرام بكل أشكاله ومستوياته. قد يتساءل البعض عن طبيعة العلاقة التي تربط الفساد بالإرهاب؛ والحقيقة أن العلاقة وطيدة ومتلازمة بينهما؛ فهما وجهان لجرم واحد من حيث الاعتداء على حقوق وحريات الأفراد بكل تجلياتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية.. ومن حيث مخاطرهما على الدولة والمجتمع؛ فهما معا يهدّدان استقرار الدولة والمجتمع ولهما تكلفتهما السلبية على الديمقراطية والتنمية.. وغالبا ما يتغذى الإرهاب عن الفساد بكل أشكاله وتجليّاته؛ فالعمليات الإرهابية تموّل في كثير من الأحيان من أموال مصدرها التهريب والنّهب؛ على اعتبار تماهي مصالح "المفسدين" و"الإرهابيين" والتي تفرض في كثير من الأحوال قيام تحالفات بينهما.. إن الفساد والإرهاب يشتركان معا في كونهما يشكلان معا خرقا لكل القوانين والضوابط الدينية والأخلاقية؛ فالذي يفكر في السّرقة لا بدّ وأنه يفكّر في الترهيب والقتل والاعتداء في كثير من الأحيان؛ ولذلك كثيرا ما تتماهي مصالح المفسدين والضالعين في "الإرهاب" بمنطق نهج جميع الوسائل التي تؤدي إلى تحقيق الهدف المنشود الذي هو المصالح الشخصية الضيّقة. فهما يقوّضان معا حقوق الأفراد والجماعات؛ ويعبّران عن الاستهتار بالقوانين والقيم المجتمعية؛ ويحرضان على العنف والانتقام ويكرّسان ثقافة الحذر والارتياب بين مختلف أفراد المجتمع من جهة؛ وبينهم وبين الدولة من جهة أخرى.. وتبرز الكثير من الوقائع الميدانية في عدد من البلدان كيف تحول الفساد إلى "إرهاب" حقيقي؛ عندما اقتضت المصلحة الخاصة للمفسدين ذلك. فمن منطلق المصلحة الخاصة التي يسعى إلى تحقيقها "المفسدون" و"الإرهابيون"؛ فمن الطبيعي أن نجد تعاونا وتنسيقا بينهما؛ فقد تحدثت الكثير من التقارير عن وجود تنسيق بين مهرّبين وحركات "إرهابية" في منطقة الساحل الإفريقي؛ فالتساهل مع مرور البضائع المهربة من الحدود يتيح إمكانية مرور الأسلحة أحيانا.. ولذلك فإن التسامح مع الفساد والتعايش معه؛ يمكن أن يشكّل في بعض الأحيان تسامحا مع "الإرهاب" نفسه. أستاذ جامعي ومحلل سياسي من المغرب.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل