المحتوى الرئيسى

أحاديث الفتنة

05/14 13:52

بقلم: م. محمد كمال حين أعلن وزير العدل أن الحكومة قوية، وستواجه فتنة "كنائس إمبابة" بكل حسم؛ شعرنا بمدى ضعف الحكومة.   وحين أعلن المثقفون أن المواجهة ينبغي أن تكون "بمحاكمات عسكرية" أو "فرض الأحكام العرفية"؛ أدركنا مدى تردِّي الوضع الثقافي بالوطن.   وحين انتشر النشطاء الأقباط يطالبون "بحقوق قبطية"، باعتبارها أصل المشكلة وتركوا النار تحرق الجميع؛ أدركنا مدى "التحزُّب الطائفي".   وحين ترك "السلفيون" المجتمع حائرًا فيما نُسب إليهم، واكتفوا بتبرئة أنفسهم؛ أدركنا مدى أزمة الخطاب السلفي مع المجتمع.   أما عن الحكومة، فلا شكَّ أنها ضعيفة؛ لأنها انتقالية, ومطالبتها بحل مشكلاتنا المزمنة هو حلم بعيد المنال، كما هو ظلم لدورها الذي اضطلعت به أعقاب حالة الارتباك التي صاحبت حكومة "شفيق"؛ حيث جاءت حكومة "شرف" بشكل ثوري, واستلمت بشكل عصبي، وتؤدي دورها بشكل سطحي، والحل هو إعلان برنامج وظيفي للحكومة في محورين: 1- الاستقرار الاقتصادي ومواجهة مسلسل الانهيار. 2- مواجهة المشكلة الأمنية في ربوع الوطن.   ويتم التوافق على جدول أعمال لبقية القضايا عقب تنفيذ المهمتين الأساسيتين؛ لأن الوضع الآن هو استثمار مستغرَب لحالة "سيولة الدولة" من قِبَل أبناء الوطن, والكل يتضاغط للتحصُّل على "قرار" يمنحه الحق الذي حُرِم منه ثلاثة عقود، وربما أكثر!.   فالنقابات المهنية تضغط في كل اتجاه من أجل انتخابات نقابية، ومطالب فئوية، والعمال والشركات والمصالح و.. و.. لا تهدأ, والمطالب الدينية والسياسية والمظالم الشخصية لا تنتهي.. طوفان لا تستطيع مواجهته أقوى حكومة في العالم، فضلاً عن حكومة انتقالية.. لكننا نفكر بطريقتنا القديمة.. المهندسون تظاهروا؛ فلماذا لا نضرب نحن الأطباء؟! الأقباط اعتصموا مطالبين "بحقوق طائفية"؛ فلماذا لا نقتنص نحن المسلمين حقوقنا في المساجد والجمعيات؟!   شعب "قنا" أسقط المحافظ, وأسقط معه هيبة الدولة؛ فهل "جاءت علينا" نحن إذا ثرنا في الإسكندرية أو السويس؟! وأصبحنا متفرقين, ولسان حالنا يقول: "إلحق المولد"، والإعلام يزايد, والنشطاء يصرخون و"بالفم المليان": أليس الإضراب والتظاهر حقًّا مكفولاً ودستوريًّا؟!ولو كنت ثوريًّا, وحملت الشهداء على يديك, ثم تجرَّأت فقلت: نريد تنظيم الأمور حتى لا يسقط السقف على من فيه، فأنت "مرتاح" لا تشعر بالناس!! أو أنك "فيلسوف الغبرة" الذي ينبغي أن "ينقط بسكاته" هؤلاء المتظاهرين الأماجد.   هذا ما قرأه المثقفون بذكاء يحسدون عليه؛ فاختاروا طريقًا اَمنًا لضمان الشعبية، وتعاملوا مع "الفتنة" كاستثمار لوجودهم الإعلامي، وأصبح أكثرهم ثقافةً هو أكثرهم تشدُّدًا وثوريةً!.. حتى طالب أحدهم بإعلان الأحكام العرفية في البلاد!!، وكأني "بالعادلي" يضحك ساخرًا من وراء القضبان، ويقول: الآن عرفتم أنني على حق، وأن الطوارئ كانت لمصلحة البلد، وأن التغول الأمني كان له أسبابه؟!   تصورت أن المثقفين سينحازون إلى "دولة القانون" بكل حسم، ولن يسمحوا "لغوغائية الحدث" أن تعطي المبرر "لحكم عسكري" أو "عرفي"، فالمشكلات ستظل مستمرةً ما استمر العمران، والاحتقان سيظل موجودًا ما بقي الجهل بالدين، والتصادم سيظل موجودًا ما بقي ابتزاز "بعض النشطاء الأقباط" للأحداث ولآلام الأمة، ولكن أن تجرنا مشكلة ما- كبرت أم صغرت- إلى نشر ثقافة مؤداها أن القانون الطبيعي لا يستطيع تنظيم حياة الناس ومواجهة مشاكلهم؛ فإن هذه ستكون خسارتنا الكبرى.. بعد ثورتنا الكبرى.   الجهل بالدين هو الذي يجعل المسلم يرفع شعار "عدوك عدو دينك" فوق الآيات القراَنية التي تضمن حقوق غير المسلمين في دولة الإسلام, وهذا الجهل هو الذي يصوِّر للمسيحي أن مسلمي مصر "غزاة" ينبغي الجهاد من أجل إجلائهم.   وضاعت في الزحام "مطالب قبطية حقيقية"؛ نتيجة هذا "الابتزاز القبطي" المقيت من بعض النشطاء الذين يتحدثون عن هجوم سلفي على الكنائس، والذي لن يحل مشكلته إلا زيادة عدد الكنائس وعدد المحافظين الأقباط! والوظائف العليا في الدولة..!!؛ ما يدفع بالوطن إلى محاصصة طائفية، هم ينكرونها "لفظًا"؛ لكنهم يؤكدون طلبها "واقعًا".   لقد ثار لغط كثير حول السجون الكنسية, واحتجاز أفراد لسبب أو لآخر, والكنيسة تنفي, والاحتقان يتزايد, فلتعلن الكنيسة مبادرةً لاستضافة قيادات مجتمعية؛ ليروا بأنفسهم حقيقة الادِّعاءات, ويتولى هؤلاء نشر الحقائق, وينتهي هذا الجدل السخيف, وقد يكون الإجراء مؤلمًا, لكنه مقبول من شركاء الوطن حتى تهدأ القلوب.   كما أريد من نشطاء الأقباط أن يعلموا أن "النموذج الطائفي" في المطالبة بالحق سيفضُّ من حولهم التعاطف المسلم الذي يحتاجونه في قضاياهم العادلة, وإذا استمر نموذج "جبرائيل" و"مايكل منير" و"الأقباط متحدون" و"الأقباط الأحرار" وأمثالهم فلن نتقدم خطوةً للأمام.   الأقباط الحقيقيون والمسلمون الحقيقيون لا يلتفتون اليوم إلى مطالب طائفية، وإلا ستغرق السفينة بِمَن فيها.   أما أبناء التيار السلفي فعليهم أن يدركوا أنهم بإزاء تحديات جديدة تتطلب منهم التحرك المنضبط؛ حتى لا يتحول الجمهور السلفي إلى أداة بيد كل ناعق باسم "الدين" أو الدفاع عن "المقدسات" أو حماية "الأعراض".   أعلم أن السلفيين ليسوا نسيجًا واحدًا؛ ويضمون في تيارهم أجنحةً تبدأ بأقصى الهدوء والاكتفاء بنشر العلم, وتصل إلى حد الانتماء "للقاعدة"، ومن هنا وجب الضبط والتمايز، وتحديد واجبات الانتماء عبر قيادة ومجالس تدير, ونظم تحكم حركة أبناء كل فصيل.   أما الاكتفاء بدفع التهم واعتبارها تصرفات فردية أو تشويهات إعلامية- رغم صحة هذا أحيانًا- فهذا يسهِّل الطريق للخصوم السياسيين لاستثمار "الانتماء العشوائي"، ذلك "العصب العاري"، لتشويه وجه السلفيين والمشروع الإسلامي كله.   فليعترف إخواننا أنهم قدموا هدايا لخصومهم, وأن استدراجهم أتى بنتائجه التي أدَّت إلى خوف بعض المصريين من السلفيين خصوصًا ومن الإسلاميين عمومًا, في الوقت الذي كان عليهم أن يخافوا على ثقافة وطنهم من أي انحراف إلى ثقافات وافدة أصبح لغوها يصم الآذان، وبعد الاعتراف عليهم أن يجتمعوا ليصلحوا الأخطاء, ويضعوا سبل عدم الوقوع فيها مرةً أخرى, فالمشروع الإسلامي يستحق كل المجهودات المضنية, ووحدة الوطن تستحق كل التضحيات العزيزة.   أحاديث الفتنة هي أكثر الأحاديث إيلامًا, لكنَّ الحكماء يستثمرون الحدث ليلتمسوا منه علامات مضيئة للمستقبل. ------ Mohamedkamal62@ymail.com *

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل