المحتوى الرئيسى

حق العودة جوهر القضية الفلسطينية بقلم:الشيخ الدكتور تيسير التميمي

05/13 21:07

هذا هو الإسلام حق العودة جوهر القضية الفلسطينية الشيخ الدكتور تيسير التميمي قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً www.tayseer-altamimi.com , info@tayseer-altamimi.com تخيم علينا هذه الأيام أجواء ذكرى النكبة الأليمة التي شرد فيها شعبنا من وطنه بقوة الحديد والنار في عملية تطهير عرقي استهدفت وجوده في وطنه ، وجريمة حرب لن تسقط بالتقادم ، فينبغي أن يلاحق قضائياً كل من أسهم فيها من أصغر جندي إلى أكبر مسؤول في كيان الاحتلال ، وأن يقدم للمحاكمة أمام القضاء الدولي استناداً إلى ميثاق روما الذي أنشئت على إثره محكمة الجرائم الدولية . إن إحياء هذه الذكرى لا يكون فقط بالمهرجانات والمسيرات والخطابات والتغني بحق العودة ، وإنما تكون أيضاً بالتأكيد عليه والعمل على تطبيقه في الواقع ، لأنه لب القضية الفلسطينية العادلة بجميع أبعادها : البعد الديني والتاريخي والقانوني والإنساني ، فهو حق مقدس تجتهد إسرائيل في إنهائه واغتصابه كما اغتصبت الأرض والمقدسات لتتمكن من إنهاء الصراع بينها وبين الفلسطينيين والعرب والمسلمين ، لكن الشعب الفلسطيني عنيد في المقاومة ، مصر على التمسك بالعودة رغم القهر والمساومة . فالعودة حق شخصي غير قابل للتصرف لكل من أبعد عن أرضه ويخص ورثته من بعده ، فيجب توريث هذا الحق جيلاً بعد جيل حتى يعودوا جميعاً إلى أرضهم وممتلكاتهم ، وهو حق عام لكل فلسطيني ويمثل بالنسبة له حق الانتماء إلى وطنه ، فكل فلسطيني وإن لم يكن يملك أرضاً أو عقاراً فيها هو شريك في كل ذرة من ترابها وفي كل نسمة من هوائها ، فالانتماء حق مرتبط بالهوية والوجود وبالامتداد الإنساني من الآباء والأجداد ومن بعدهم إلى الأبناء والأحفاد ، فلا يجوز لأي مواطن أن يقطع هذا الانتماء لأنه تراث الآباء والأجداد ، وحق موروث للأبناء والأحفاد . وتعتبر العودة حقاً قانونياً للشعب الفلسطيني ، فقد ارتبط قبول عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة بقبولها شرطين : الاعتراف بقرار التقسيم رقم 181 الصادر في 29|11|1947 ، والاعتراف بقرار حق العودة والتعويض رقم 194 الصادر في 11|11| 1948 ، والذي ينص في أهم فقراته على [ وجوب السماح للاجئين الفلسطينيين بالعودة في أقرب وقت ممكن إلى ديارهم ، ووجوب دفع الحكومات أو السلطات المسؤولة تعويضات عن كل فقدان أو خسارة أو ضرر في ممتلكاتهم ، بحيث يعود الشيء إلى أصله وفقاً لمبادئ القانون ] . فوافقت إسرائيل عليهما ، لكنها لما حصلت على الاعتراف الدولي بعضويتها تنكرت للمجتمع الدولي في هذين الشرطين ، وأعاقت تطبيقهما وما انبنى عليهما من قرارات وتأكيدات لعدة عقود منذ صدورها وحتى اليوم ، سواء في ذلك حق العودة والتعويض وحق إقامة الدولة الفلسطينية على كامل الأرض الفلسطينية ، وليس هذا بالأمر المستغرب أو المستهجن منها ، فهذا ديدنها منذ القدم وهذه أخلاقها في التعامل مع كل الأمم في الماضي والحاضر ، قال تعالى { أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ } البقرة 100 . فليعلم العالم أن عدم تطبيق حق العودة والتعويض يفقد إسرائيل الاعتراف الدولي بها ، فهذا مفهوم اشتراط المجتمع الدولي لعضويتها الأممية . إن قضية اللاجئين الفلسطينيين هي أقدم وأعدل قضية لاجئين في العالم ، وهي قضية فريدة من نوعها لا نظير لها لذا افتقرت إلى حماية كاملة من المجتمع الدولي ومنظماته الرسمية ، بل إن اللاجئين أنفسهم يحتاجون الحماية الكاملة لهم ولحقوقهم ، فهم يشكلون ثلثي الشعب الفلسطيني وهذه أعلى نسبة لاجئين بين شعوب العالم على الإطلاق . ولأن فلسطين أرض وقف إسلامي غير خاضعة للبيع ، فإن قبول اللاجئين أي تعويض عن أراضيهم وممتلكاتهم لا يجوز شرعاً بإجماع علماء الأمة ، لأنه بيع للأرض وتنازل عنها للمحتل الغاصب ولو كان مقابل المبالغ الطائلة ، فقد أفتوا بحرمة ذلك قطعياً مطلع القرن الماضي ، وأحد منهم لم يخالف هذا الإجماع منذ ذلك الزمان وحتى اليوم . أما فكرة تعويض اللاجئين عما عانوه من أضرار مادية أو نفسية حلت بهم وبأبنائهم وأحفادهم منذ النكبة فتمثل حقاً إضافياً آخر لهم ، لكنه ليس بديلاً عن حق العودة ولا ينفصل عنه لا بل هما حقان متلازمان . وتتحمل أعباء هذا التعويض جميع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وجيوشها والمنظمات الصهيونية وكل المؤسسات التي أسهمت في إيقاع الضرر بالشعب الفلسطيني لأنها الجهات التي تسببت بهذه الأضرار ، وتتحمله أيضاً جميع الدول التي تؤيد إسرائيل وتساندها في إعاقة تطبيقه . وهي فكرة ممكنة واقعياً وعالمياً ، فقد نفّذت بنجاح لبعض المتضررين في حرب البوسنة والهرسك مثلاً واستفاد منها بعض المتضررين من اجتياح الكويت ، ويتولى الخبراء والمختصون العالميون في هذا المجال تقدير قيمة التعويض . ولن يقبل الشعب الفلسطيني أبداً بفكرة التوطين والإقامة في أي وطن آخر مهما كانت المغريات أو عظمت التضحيات ، فالتوطين القسري هو الآخر جريمة حرب كالتهجير ترتكب ضدهم ، لأنه يحرم اللاجئ الفلسطيني من حقه في العودة إلى أرضه وبيته ، ويعني نفيه وإلى الأبد خارج وطنه ، ويمنح المحتلين الغاصبين القادمين من وراء البحار ومن أصقاع الدنيا الحق في أرض الإسراء والمعراج . إن الشعب الفلسطيني يمكن أن يقبل بفكرة الوطن البديل على شرط أن يُبارك الله تعالى حوله في كتابه الكريم ، وأن يرثه عن آبائه وأجداده ، وأن يكون فيه المسجد الأقصى المبارك ، وأن يُسرى إليه برسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يفتحه الفاروق عمر ويحرره الناصر صلاح الدين ، وأن يُروى ثراه بدماء المجاهدين الأخيار والشهداء الأبرار . إن هذا من المحال ولا يمكن للشعب الفلسطيني أن يرضى عن أرض فلسطين بديلاً ولو كان فردوس الدنيا . إن التمسك بحق العودة فرض لازم لأنه الضمان الوحيد لإبقاء القضية الفلسطينية على قيد الحياة ، لذلك نشدد على شعبنا الفلسطيني في المنافي والمهجر والشتات ، أن يتمسك بأرضه ويصر على حقه في العودة الذي كفلته له الشرائع الإلهية والقوانين والمواثيق الدولية وألاَّ يفرط أبداً فيه ، ونشدد أيضاً على الدول العربية الشقيقة أن تؤازر الشعب الفلسطيني وتدعم حقه في العودة والتعويض ومقاومة فكرة التوطين ، وألاّ تعتبر الجنسية الممنوحة للاجئين الفلسطينيين فيها بديلاً عن هذا الحق الثابت . إن العودة إلى الوطن والممتلكات حق تتمتع به كل شعوب الأرض ، فالحروب التي وقعت بين الدول نتج عنها لجوء جبري للسكان الذين يفرون من مناطق الصراع إلى أماكن آمنة لينجوا بأنفسهم وأهليهم ، ويقيمون في مخيمات مؤقتة وتقدم لهم مواد الإغاثة من الأمم المتحدة ومنظماتها ، وتأتيها المعونات من جهات إنسانية عديدة ، فإذا ما انتهت الحروب عاد السكان المشردون إلى وطنهم بإشراف الأمم المتحدة أو الدول أطراف النزاع ، شاهدنا ذلك في البوسنة والهرسك ، وفي كوسوفو وأفغانستان ، أما الفلسطينيون فهم وحدهم المحرومون من هذا الحق ، إرضاء لبني إسرائيل واستجابة لمنطق القوة الذي يفرضونه على العالم ، وهذا إجراء عنصري يتنافى مع الشرائع الإلهية والقرارات الدولية ، التي تعتبر تهجير المدنيين قهراً إلى خارج أراضيهم المحتلة انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان في حالات الحرب أو الاحتلال ، وتفرض العقوبات على الدول التي تقترفها . إن حق عودة اللاجئين من الشتات يمثل جوهر القضية العادلة للشعب الفلسطيني وركناً أساسياً من أركان السيادة الفلسطينية ، بل هو أصل القضية لأنها قضية شعب شُرِّد بالحديد والنار من وطنه ، فهو حق مقدس يستمد شرعيته من القرار رقم 194 وغيره من القرارات الصادر عن مجلس الأمن الدولي ، وإن إلغاءه يعني تفريغ هذه القرارات من محتواها ، خاصة أن عدد اللاجئين الفلسطينيين في الشتات يزيد الآن عن خمسة ملايين لاجئ ، مما يعني أن الغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني لن تتمكن عندئذ من ممارسة حقوقها الكاملة التي نصت عليها تلك القرارات . أما أبناء شعبنا فلا تزيدهم هذه السنين إلاَّ تمسكاً بأرضهم وبحقهم هذا ، ولا يتنازلون عنه رغم المساومات والإغراءات ، ويعتبرونه من المقدسات الوطنية التي لا يمكن التفريط فيها أبداً ، ولا يسمحون لأي طرف كائناً من كان أن يقرر إلغاءه ، فإن أحداً لا يملك التنازل عنه باسم الشعب الفلسطيني أو نيابة عنه ، فالتفريط فيه أو قبول التعويض عنه تصفية لقضيتهم ، واستسلام لإرادة عدوهم المغتصب في التلاشي والذوبان . ورغم الترويج لفكرة توطين اللاجئين في العالم العربي بل وفي فلسطين نفسها ، إلاَّ أنهم يرفضون هذه المؤامرة التي تحاك ضد حق العودة وتثار بين الحين والآخر بهدف شطبه ، سواء في ذلك التوطين في العراق ولبنان وكندا ومستوطنات غزة بعد إخلائها ، ويرون أنه مخطط قديم انهار أمام صمود الشعب الفلسطيني وإصراره ، ولا يمكن اليوم إحياءه من جديد ، فهم لا يرضون لوطنهم الحبيب وأرضهم التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم منذ آلاف السنين بديلاً ولو كان فردوس الدنيا . فقد علمنا المصطفى صلى الله عليه وسلم أن حب الوطن من الإيمان ، حيث تآمر مشركو مكة للقضاء عليه والخلاص من دينه ورسالته قال تعالى { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } الأنفال 30 ، فلما أُخْرِجَ منها رغماً عنه وقف يخاطبها حزيناً لفراقها " والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ؛ ولولا أني أُخْرِجْتُ منكِ ما خرجت " رواه الترمذي ، ومع ذلك استمر صلى الله عليه وسلم في دار هجرته عاملاً مجاهداً ، حتى دخل مكة فاتحاًً في السنة الثامنة للهجرة فانهزم الشرك والمشركون ، وظلت مكة المكرمة ، وعاد إليها وأصحابه ممن أُخرجوا منها بغير حق ، عادوا إلى ديارهم وأولادهم وأهليهم ، فتحقق وعد الله تعالى الذي حذر قريشاً أن تخرجهم ، لكنها كابرت واستكبرت فألجأتهم إلى الخروج ولم تبالِ بشيء ، قال تعالى { وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنْ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً } الإسراء 76 . وليعلم اليهود أن أرض فلسطين ليست ملكاً لهم بل هي أرض عربية إسلامية مباركة ، قرر ذلك رب العالمين سبحانه من فوق سبع سماوات ، قال تعالى { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } الإسراء 1 ، وسيبقى أبناؤها متمسكين بها مدافعين عن عروبتها وإسلاميتها ويفتدونها بالمهج والأرواح .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل