المحتوى الرئيسى

البدع في بيت العزاء بقلم:موسى حجيرات

05/13 20:58

البدع في بيت العزاء موسى حجيرات إنّ الموت أمر طبيعي قديم أزليّ، بدأ منذ بدء الخليقة. بدأ منذ أن كان العالم أربعة أنفار فقط، وحين مات أحدهم قتلا مات ربع العالم. واستمرّ الموت وما زال في كلّ المناطق، ولدى كلّ الشعوب، ومهما بلغوا من البدائيّة والتخلف أو من التقدّم والرقيّ. لا يميّز الموت بين سقيم وصحيح أو غني وفقير، أو سيّد ومسود، أو كبير وصغير أو ذكر وأنثى، فكلّهم آتيهم الموت لا محالة. لقد ألفه الناس واستسلموا له، خاضعين ذليلين، لا يملكون منه مخرجا. وأدركوا قدومه الأكيد بالرغم من كراهيته ونبذه. قيل عنه: "زائر غير مرغوب"، وقيل: "ضيف ثقيل". قيل كثيرا وكتب كثيرا، وما زال يقال ويكتب، والموت هو الموت. مع الزمن صارت له طقوس ثابتة قد تختلف باختلاف الشعوب ومدى تحضرها أو تختلفها حسب المنطقة أو حسب جيل الميّت أحيانا وجنسه، ولكن المتشابه فيها أكثر، وبمجملها متشابهة، من حيث استقبال الخبر، وتجهيز الميّت، ودفنه، وبيت العزاء. لقد عرفت كافة الديانات الموت؛ فتحدّثوا عنه، وحذّروا منه، وأخبروا عمّا بعده، وأيقنوا أنّ هناك جنّة أو نار، وسيكون كذلك ثواب أو عقاب. فأدرك الناس أنّ الموت هو الفاصل بين دنياهم وآخرتهم، وأنّ ما بعده ثوابا لما قبله أو عقابا عليه، لذا استعدّ له البعض وأغفله الكثير. وفي الإسلام كذلك حذّر منه القرآن، ومن مفاجأته واعتبره حقّا ويقينا، وورد ذكره الكثير في السنّة، وكلّ ما يتعلق باستقباله، والطقوس الواجبة وكلّ ما هو مقبول شرعا ودينا. ولكنّ الأمر لم يبق كذلك، لقد زيد الكثير وأغفل الكثير، وما أغفل قد يعتبر من التهاون والتقصير، ويدان المرء عليه بسبب درجة أهميّته وأهميّة وروده الشرعي. أمّا ما زيد فهو من البدع المشؤومة التي يأثم فاعلها ويعاقب عليها لتحريمها، وذلك لأنّ ذلك أمر لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولا التابعين، ولو أدركوا فيه خيرا لفعلوه. ولهذا فعدم فعلهم ذلك دلالة على عدم وروده، وأنّه مستحدث وبدعة. ومن هذه البدع المستحدثة بيت العزاء أو بيت الأجر، وهو مكان يعدّ خصيصا لاستقبال الوافدين المعزين، وهو منزل مؤقت يبنى لفترة العزاء، والتي تعارف الناس على مدّتها ثلاثة أيّام. لهذا البيت أسماء شتّى حسب المجتمع الموجود فيه. فهو في القرى والأرياف حيث البيوت متباعدة يبنى إلى جانب بيت المتوفى أو بيت أهله، ويبنى بطريقة بدائيّة ومواد بدائيّة أيضا، لتوفرها في القرى والأرياف، ووجودها هناك بكثرة، ويشرف على بنائه أحد المتخصصين من أقرباء الميّت في حين يبنيه مجموعة كبيرة من المتطوعين من أقارب الميّت وجيرانه وأهل بلدته، فكلّ يساهم ويساعد بغية نوال الثواب والأجر. أمّا في المدن حيث الاكتظاظ السكاني فيكون في قاعة كبيرة تستأجر خصيصا لغرض استقبال المعزّين. ولكي يعرف هؤلاء مكانها يعلن في الجرائد أو المواقع الالكترونيّة أو توزّع المناشير أو تكتب الإعلانات أو توضع اللافتات، وهذا أمر يكلّف جدّا من الناحية الماديّة، ومن ناحية بذل الجهد لتنفيذ ذلك. إنّ أقامة البناء المؤقت هذا وتسميته بيت العزاء هو بدعة مشؤومة ويعرفها كثير من الناس لأنّ ذلك لم يرد عن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين. ولكن مع ذلك فقد ألفها الكثير وباتوا ينفذونها بمحض إرادتهم، غير مجبورين ولا مكرهين. إنّ أكثر من كون بناء البيت وإقامته بدعة، والبدعة ضلالة، والضلالة في النار فإنّه من الناحية الاجتماعيّة فيه عيوب كثيرة، ونقص بيّن لما فيه معارضة للمنطق السليم، والأعراف السويّة الصحيحة. فقد أصبح الناس ينظرون إلى كبر مساحة بيت العزاء وعظمه على أنّها دلالة على أهميّة الإنسان المتوفى وكثرة معارفه، وهذا من باب الرياء وحبّ الشهرة والصيت، وهو عمل مناف للخلق المسلم وللعادات الأصيلة. أمّا في المدن حيث تقام مراسيم العزاء في قاعات مستأجرة فينظر لاسم القاعة اللامع وشهرتها، ومكانها الجغرافي المميّز، وكل ذلك دلالة على أهميّة المتوفى، واهتمام أهله به، وكذلك دلالة على الحالة الاجتماعيّة من الغنى والترف، بل من الشهرة، وعلو الشأن. أمّا من حيث تنظيم بيت العزاء، وتنظيم المراسيم فيه فدلالة، في هذا الزمان، على اهتمام أهل الميت وأقربائه بالوافدين المعزين، وبأهميتهم، وعلو شانهم، بل وردّ جميلهم ومعروفهم. حتّى بات البعض يستدخل كون التعزية من المعروف الاجتماعي، وكأنه ليس واجبا شرعيا، وليس من باب مواساة أهل الميت. وكون الناس يعتبرونه معروفا اجتماعيّا؛ فهو دين عليهم ويجب عليهم ردّه بالترحاب وحسن الاستقبال (وبشيء يليق بمقامهم، كما يقولون). وهنا المفارقة العجيبة، هل أصبح موت أحد الناس هو وضع أهل الميت على المحك الاجتماعي، وفحص مدى كرمهم، وبذلهم العطاء للآخرين، وكمال مواقفهم في مثل هذه الحالة؟ أم هل وظيفة أهل الميت وأقربائه ورعاية ضيافة الوافدين، وترك ما يشغلهم من حزن وبكاء على قريبهم. وفي هذه الأمر تكليف ماديّ وعمليّ، وذلك معناه هدر مبالغ المال الكثيرة وهدر الجهد المبذول من أجل التباهي والتفاخر ومفاخرة الآخرين، وهذا من صفات الأحمق الجاهل، بل الكافر والمنافق. إنّ بناء بيت العزاء بدعة بيّنة، ومهما كان فهم الناس لها، ومهما اعتقدوا أنّ لها فوائد اجتماعيّة، وأنّها العامل على التكافل الاجتماعي والتعاضد، ودعم الناس بعضهم لبعض، ومهما حاول البعض إثباتها استنادا إلى أحاديث تستعمل وفي غير سياقها، كأن يقول بعضهم، مثلا، إنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" (البخاري: 5665؛ مسلم: 2586). فهل إشغال أهل الميّت بالإكرام والاستضافة والرعاية هو تألم لما حلّ بهم أم مشاركتهم همومهم أم ماذا؟ وأكثر ما يثبت كونه بدعة مستحدثة هو عدم فعل الرسول صلى الله عليه وسلم له، وعدم الأمر به أو الإقرار بفعله. لقد مات صلى الله عليه وسلم، ومات صحابته الخلفاء أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. ألم تكن لهم أهميّة دينيّة واجتماعيّة؟ ألم يكن لهم معارف وأصدقاء وأتباع يحترمونهم ويقدرونهم ويحبونهم حبّا جمّا؟ لقد كان لهم كلّ ذلك وما أقيمت لهم المآتم ولا بيوت العزاء. لقد مات خير قادة المسلمين، جعفر وعبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة، وما أقيمت لهم بيوت العزاء. وقد شيّع ذا البجادين ثلاثة نفر فقط. ألم يكن هناك من يعرفه ومن يحبّه؟ وها هي خلاصة الأمر، إنّ إقامة بيت العزاء بدعة، مهما قال الناس عنه، فالأولى للمسلمين تركه والابتعاد عنه، بل محاربته في هذا الزمان امتثالا واقتداء بسلف الأمّة الصالح. أليس ذلك يعتبر من محبّتنا لهم، واهتمامنا بهم والإقتداء بهم، والسير على طريقهم. ثمّ إنّ بناء بيت العزاء الثابت وتخصيصه لتقديم التعازي هو حثّ المعزّين على الجلوس للعزاء، وهذا أيضا بدعة وكفر، لأنّ اجتماعهم في بيت العزاء بدعة، وقد كره ذلك علماء السلف لأنّ الأمر لم يرد عن السلف الصالح؛ فقالوا إنّ إقامة المأتم بدعة مكروهة حتّى لو كانت لقراءة القرآن والدعاء. فقد ورد عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أنّه قال: "كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت، وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة " (ابن ماجة: 13081). وبيّن العلماء طريق السنّة بأن يقدم المعزّي للتعزية فيعزّي أهل الميت ثمّ ينصرف لحاجاته، دون أن يجلس للعزاء. وورد كذلك عن الإمام الاوزاعي قوله: "الحق، إنّ الجلوس للتعزية على الوجه المتعارف عليه في زماننا مكروه أو حرام". وكذا عند الشافعيّة والحنابلة والمالكية. كما وورد عن أحد العلماء المعاصرين(الشيخ محمد بن صالح العثيمين) قوله: "إنّ الاجتماع في بيت الميت ليس له أصل مشروع" وقال أيضا: "أصل جلوس التعزية خلاف السنة". واعتبر العلماء إنّ ذلك إضاعة للمال والوقت في وجه غير شرعي، وهذا من كبائر الإثم. ونحن لو أخذنا الأمر من ناحية اجتماعيّة؛ فنجد إنّ إقامة بيت العزاء فيها إشغال لأهل الميت وأقاربه عن الحالة الموجودين فيها، فلا شكّ أنّهم في حالة نفسيّة صعبة، وهم في حالة حزن، وأحبّ ما على الحزين أن يخلو بنفسه ومناجاتها، وربّما يخفّف ذلك من حدّة حزنه. كما أنّ البعض، وخاصّة الرجال يخجل من أن تسيل دموعه أمام الحاضرين؛ فيريد أن يجد مكانا يبكي وتسيل دموعه إثر موت ابنه أو قريبه، ولكن الاجتماع في بيت العزاء يشغله عن ذلك، ويمنعه منه. ثمّ إنّ في استقبال الوافدين ورعايتهم وخدمتهم تعب وإرهاق جسديّ لأهل الميت وأقربائه، فلذا لا يعاني أهل الميت وأقربائه من الحزن فقط، إنّما من التعب والإرهاق الجسدي وقلّة النوم أيضا. وهكذا فإقامة بيت العزاء فيها نفقات كثيرة كاستئجار الكراسي وثمن القهوة والتمر وكهرباء الإضاءة، وثمن ماء الشرب وغير ذلك. وفي المدن يضاف استئجار القاعة الكبيرة ومواقف السيارات. وكل هذه النفقات تثقل كاهل أهل الميّت. أمّا مكوث أهل الميت في بيت العزاء فيستمر ثلاثة أيام تامّة، وأجزاء لا بأس بها من الليالي أيضا. ويكونون في بيت العزاء معزولين عن الناس، يتواجدون في عتبة المنزل لاستقبال المعزين؛ فيعزيهم هؤلاء، ويدخلون إلى البيت، ويجالسون بعضهم البعض. أمّا أهل البيت فيقومون كلّما وفد شخص يصافحونه، ويدخل فيجلسون. وإذا جاء آخر يقفون للمصافحة والتعزية، وهذا مما يسبب لهم الإرهاق والتعب المميت. ومن المفارقة أنّ الناس يعرفون ذلك ويدركونه. يعرفون أنّ الناس الذين أتوا ليسلوا أهل الميت لا يجالسونهم، ولا يسلونهم، بل يجلسون مع بعضهم البعض، وكأنّهم يواسون بعضهم البعض فقط. ومن هنا أصبحت التعزية ليست حقيقيّة، نابعة من قلب المسلم إنّما للمجاملة فقط، أيّ الحضور الصوريّ الشكليّ فقط، ولكي يراه الآخرون فقط. وهكذا فقد فقدت التعزية قيمتها الحقيقيّة، وأصبحت للمجاملة فقط. فأصبح الناس، أهل الميت خاصة، يراقبون من حضر ومن تغيّب، وكأنّ الأمر واجب، فمن حضر فهو الجيّد المحبّ لأهل الميّت، ومن تغيّب فلا يجدون له عذرا إنّما هو كالمتهم بالتخلف، وعدم الاهتمام بهم، وبموت قريبهم. وكذلك مكوث أهل الميت في بيت العزاء لمدة ثلاثة أيام يعني تعطيل أعمالهم ومصالحهم، وفي ذلك خسارة ماديّة كبيرة، وتعطيل مصالح الآخرين المرتبطة بهم كذلك. وخلاصة الأمر فالبدعة هي إقامة بيت العزاء نفسه لأنّه لم يؤثر عن أحد من السلف، وكذلك دعوة المعزّين إلى الجلوس، واجتماعهم للعزاء، وهذا مستحدث أيضا. والسنة، كما ذكر، أن يعزّي المعزّي، وينصرف دون أن يشغل أهل الميّت. كذلك دفع الأموال وإنفاقها في متطلبات بيت العزاء هو من باب إضاعة المال الذي سيسأل عنه المرء يوم القيامة، وهو يعلم من الآن أنّه ينفقه في وجوه غير شرعيّة. أمّا مراقبة الوافدين ورعايتهم فهو جهد يبذل عبثا، وبدون أيّ طائل أبدا. وسيسأل عنه الإنسان يوم القيامة أيضا. أمّا عدم التماس الأعذار لمن تغيّب فيحوّل العلاقات بين الناس إلى علاقات مصالح فحسب، ويبعدها عن الإنسانيّة، والاحترام المتبادل. فإن مات أحد فعزّ أهله بالكلام الحسن المسلّي، المروح عن النفس، الباعث فيها التشجّع والأمل، والتفاؤل الذي يعينها على الصبر والسلوان، ولا تشغله أو تمنعه من خلوته بنفسه، وبأهل بيته، ولا تكلفه مالا وجهدا، وعزّه حيث تجده، في المسجد أو العمل أو السوق أو أيّ مكان آخر ودعه يمارس عمله وحياته، ويرى بيته وأبناءه وزوجته. وإن كان قريبا منك فاصنع له طعاما لأنّ لديه ما يشغله، وقد ورد ذلك في السنة، فعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه، قال: لما جاء نعي جعفر حين قتل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اصْنَعُوا لآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يُشْغِلُهُمْ" . أَوْ "أَمْرٌ شَغَلَهُمْ" (الترمذي: 2/234). ولا يكن تقديمك الطعام رياء، ولا طلبا للسمعة والشهرة إنّما ابتغاء وجه الله فحسب، واعلم أنّ كلّ ما خلا ذلك بدعة، فلا تفعلها لكي لا تحاسب عليها، فكما أنّ الله رحمن رحيم فهو جبّار شديد العقاب.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل