المحتوى الرئيسى

جمعة التحدي أسقطت النظام

05/13 12:12

مها بدر عاش السوريون جمعة أخرى دامية سميت بجمعة التحدي كان عنوانها مطابقاً لواقعها، ولأن لكل مسمى من اسمه نصيباً، كان للجمعة الماضية كل النصيب من اسمها، فقد تحدى السوريون الثائرون بسلميتهم وشجاعتهم وبسالتهم جميع القيود التي يريد أركان النظام فرضها على الشعب السوري، فقد تحدى شباب سورية الأحرار أنفسهم أولاً عندما تغلبوا على مشاعر الخوف المعتقة منذ أعوام داخل أفئدتهم الصغيرة التي عمل النظام «البعثي» على تكريسها خلال العقود الماضية من خلال ممارسات عملية استهدفت على مر الأعوام تدجين المواطن السوري وتحويله من منارة للفكر والمعرفة والثقافة إلى مغارة للجهل والتخلف والخنوع. وتحدى السوريون أيضاً جميع أجهزة الأمن السوري السبعة عشر التي استنفرت بكل قوتها وتفننت بشتى أساليب القمع للقضاء على بذور الثورة السورية التي زرعت في مختلف المدن السورية ورويت بدماء الشهداء فأنبتت تطلعات ومطالبات شعبية موحدة وأثمرت فكر جديد حول سورية عصرية وحديثة، وبانتظار موسم الجنى خرج الآلاف من المتظاهرين موزعين على رقعة جغرافية واسعة لم تسبقها إليها أي من الثورات العربية الأخرى وبأعداد تزداد طرداً مع العنف الأمني الرامي إلى وأد الثورة في مهدها، فكلما زادت أجهزة الأمن وعصاباته قمعاً وقتلاً واعتقالاً كلما زادت رغبة المكويين بناره من التخلص منه مهما كان الثمن غالياً. كما تحدى شباب الثورة الإعلام السوري المضحك المبكي الممثل الأمثل للآلية التي يعتمدها النظام بمؤسساته المختلفة والمتخلفة في إدارة البلاد، فالرواية السورية في الإعلام الرسمي المرئي والمسموع والمقروء حول الوضع الراهن في البلاد تثير الضحك أحياناً من هزلية الطرح وسذاجة الإنتاج وبدائية الإخراج، وتبكينا أحياناً أخرى من استخفاف هذا النظام وهذه الآلة الإعلامية بعقول المواطنين السوريين ومشاعرهم وقدرتهم على تحريك المياه الآسنة في الشارع السياسي السوري، فقد اكتسب هؤلاء الشباب خبرة واسعة في التصوير الفوتوغرافي والفيديو لضرورة توثيق الأحداث بدمويتها وآنيتها وليفوت الفرصة على الإعلام السوري طمس الحقائق وتشويهها خصوصاً بعدما ترددت معلومات حول سيطرة أجهزة المخابرات على كل مؤسسات الإعلام السوري وإدارتها، وأصبحت صورهم أكثر وضوحاً ودقة في النقل والتوثيق كما تحولوا إلى مراسلين إعلاميين من الطراز الأول غطوا إعلامياً جميع مناطق التظاهر بإمكاناتهم البسيطة والضغوط الأمنية القاهرة التي يتعرضون لها. لكن التحدي الأكبر كان تحدياً للأساليب القمعية التي يتبعها النظام في معالجة الأوضاع المتصاعدة في الساحة السورية، فالدبابات والمدرعات العسكرية لم تثن زهور الياسمين في بانياس على الوقوف بوجهها المخيف وتشكيل درع بشرية لمنعها من دخول البلدة وترويع أهلها والتنكيل بهم، ولم يمنع استشهاد أربع زهرات منهن وإصابة العشرات من استمرار مقاومتهن للآلة العسكرية، فسجلن لهذه البقعة الصغيرة من الوطن تاريخاً كبيراً يتغنى ببطولة الثائرات الصغيرات، ولم تكن نساء دير الزور ودرعا وغيرها من المناطق بأقل شجاعة من أخواتهن في بانياس فخرجن يساندن أحباءهن من شباب ورجال الثورة ويطالبن بحق أبنائهن في مستقبل جديد يستنشقون به هواء الحرية، بعد أن تحركت اللبؤة في صدورهن وانتفضت لتدافع عن وجودها وامتدادها، ولعله الأسد هو الأكثر علماً بدوافع وأفعال اللبؤة عندما تزأر. وقد سجلت جمعة التحدي بما شهدته من مجازر مروعة بحق الشعب السوري سقوطاً مستحقاً لشرعية النظام الحاكم وبطلاناً مؤكداً لشرعيته. ألا تعتبر خيانة عظمى عندما لا تتسع معتقلات الوطن لأبنائه المعتقلين فيزج بهم في المنشآت الاقتصادية الخاصة بشخصية اقتصادية مقربة من النظام ويعمل بهم تعذيباً وتنكيلاً، ألا تعتبر خيانة عظمى أن يفاوض الأمن السوري أهل الشهداء على تسليمهم جثث أبنائهم مقابل توقيعهم على إقرارات ترجع استشهادهم إلى العصابات الإرهابية؟ ألا يعتبر خيانة عظمى أن يستشهد أكثر من ثمانمئة مواطن سوري يطالبون بالحرية بكل تحضر وسلمية ويعتقل الآلاف منهم ويبرر النظام ببساطة شديدة هذا التصرف على أنه تصرف فردي لبعض أفراد الأمن متدنيي المستوى التعليمي والثقافي؟ فإذا اعتبرت كل هذه الجرائم خيانة عظمى أليس هذا إسقاطاً لشرعية النظام حسب الدستور السوري، أم اننا نحتاج لخيانة أعظم وأدمى ليحق لنا محاسبة الجلاد؟ *نقلا عن "الرأي العام" الكويتية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل