المحتوى الرئيسى

د. أشرف الصباغ يكتب:الخيال والثورة والمحنة

05/13 11:37

لن أبالغ كثيرا إذا عدت إلى شهر مارس 2010 وتذكرت ندوة مجلة (العربي) السنوية في الكويت حول الواقع الافتراضي. من يرجع إلى أوراق تلك الندوة التاريخية بحق سيجد أن التسعة أشهر التالية (ولنفكر في موضوع التسعة أشهر هذا) أثبتت قدرة الشباب على الخيال، وأكدت ثقتهم بأنفسهم. كانت هذه الندوة عبارة عن عملية فرز تاريخية بين العجز والخرف والتبلد والانتهازية والمكابرة والماضي وبين المرونة والحيوية والبساطة والثقة والقدرة والطاقة والمستقبل. كانت عملية فرز ووضع حدود واضحة وفاصلة بين جيلين.الأول متمسك في عناد شديد بمواقفه ووجهات نظره. والثاني مصمم في حماس مدهش على قوة خياله وإمكانياته اللامحدودة على إثبات أن الواقع الافتراضي هو العالم الواقعي الذي نعيش فيه، أو في أسوأ الأحوال بات جزء لا يتجزأ من هذا العالم. وفي يناير 2011 أثبت العقل الشاب صحة افتراضاته الواقعية تماما.بهذه المناسبة أيضا أستعير جملة كتبتها الناقدة عبير سلامة في صحيفة (الحياة) بتاريخ 19 يناير 2006: "الثورة لا تقع إلا في عالم افتراضي. وكان الحديث يدور حول رواية تطرح أحداث 18 و19 يناير 1977. كتبت الناقدة: "يبدو الموضوع <...> قائماً على مصادفات تمثل فرصاً محتملة لتغيير حياة الشخصيات. لا تأتي كل الفرص مصادفة، وبالمثل ليست كل المصادفات فرصاً، لكن المصادفة - الفرصة عامل مقاومة لسلطة القوانين الطبيعية، وأية سلطة أخرى بالضرورة، والمفارقة التي يتلاعب بها الموضوع هنا، تتعلق بالفرق بين حساب الاحتمالات وإمكان الحدوث. حساب الاحتمالات، أو قانون المصادفة، من بدهيات المعرفة البشرية، التي تسبق التجربة والاستقراء ثم تسوّغهما. وهذا الحساب هو ما يسود حياة الآمنين من البشر ويدعم حركتهم إلى الأمام، حيث المجهول والمغامرة، على خلاف إمكان حدوث الشيء الذي يعتمده الإنسان الخائف فتعوقه عن الحركة".وأنهت الناقدة مقالها بالآتي: "مَنْ يحتاجون إلى الثورة يخافونها ويفرون منها، ولذلك يندر وقوعها، وإن وقعت فهي لا تكتمل إلا في عالم افتراضي تتقاطع فيه حركة المتوازيات".من يناير 77 إلى يناير 2006، ثم يناير 2011 كان لابد للخيال أن ينتصر وأن تتلاقى المتوازيات بلقاء الظرفين الذاتي والموضوعي.ما يحدث في مصر الآن، مصر ما بعد الثورة، ليس بدعة أو شيئا جديدا أو استثنائيا. فبعد سقوط جدار برلين حدث أكثر من ذلك في ألمانيا الشرقية. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي حدث أكثر وأكثر من ذلك في روسيا. في حالة ألمانيا، كان الخيال أوسع والثقافة أكثر عمقا وحيوية والعقل المتمرد  قادر على استيعاب التحولات التاريخية وإدراك أهمية اللحظة، فانتهت المشاكل (ومن ضمنها جيوش جهاز الأمن "اشتازي" التي عاثت فسادا في البلاد) خلال وقت قصير للغاية.أما في حال روسيا، فقد استمرت الكوارث طوال 10 سنوات كاملة: جيوش العاملين في أجهزة الأمن والمخابرات الذين أصبحوا حجر عثرة على كل الطرق، وحربان في الشيشان، وكوارث اقتصادية كادت ترغم روسيا على بيع ممتلكاتها في الخارج (الثلاثاء الأسود الشهير عام 1998 الذي انهارت فيه العملة الروسية بين يوم وليلة). ومع ذلك خرجت روسيا من هذا النفق المظلم. في روسيا، كان الخيال أقل، لأن الرئيس بوريس يلتسين استبدل الخيال بزجاجة الفودكا، وعاث المحيطون به فسادا في البلاد.لا شيء جديد أو استثنائي فيما يجري في مصر الثورة. فكلها ملفات وقضايا وإشكاليات كانت مؤجلة أو نائمة والثورة لم تتسبب في أي منها. وبالتالي، فالثورة مطالبة كجزء أساسي من مهامها بالتعامل مع تلك الملفات والقضايا والإشكاليات. التعديلات الدستورية ليست كافية، والانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة لن تكون كافية. كلها مجرد إجراءات وقتية تُفرَض على أرضية الصراع بين الجمود والخيال، بين الماضي والمستقبل، بين العالم الواقعي/الوهمي والعالم الافتراضي/الحقيقي.على مستوى الكلام النظري والنقاش البيزنطي يمكن أن نجد فروقا كثيرة بين الإخوان المسلمين والسلفيين والتنظيمات الجهادية الأخرى. بل ويمكن أن نستحسن بعض الدعوات ووجهات النظر الفردية من بين هذه التيارات التي يمكن أن نضعها تحت ما يسمى بالإسلام السياسي. ومع ذلك سنرى في أي انتخابات و تحولات اجتماعية أو سياسية أنها في خندق واحد مهما صرح قادتها وأعضاؤها. والمدهش أن هذه التيارات مصرة على التعامل بآليات الماضي مع استخدام بعض الألفاظ والمصطلحات الحديثة، والتسلح بمنطق إعلامي أكثر منه منطقا عقليا. فابتعدت عن الخيال والإبداع.على الجانب الآخر يحاول اليسار تجديد جلده، ولكن من شدة افتقاده الخيال يقوم فقط بقلب هذا الجلد، لنكتشف أنه يقلب "الجورب" وهو لا يدري أنه قلبه عدة مرات وكلا الوجهين اتسخ تماما. نفس الآليات ونفس الوجوه ونفس "الدكاكين" تحت مسميات جديدة وكلمات براقة. ولكن لا خيال ولا إبداع حقيقيين يمكنهما إنجاز ما أنجزه شباب الثورة الذين ساروا بين شعب كامل، وليس أمامه أو فوق رأسه أو على أكتافه، في ميادين وشوارع المدن والقرى المصرية.الخيال الآن هو بطل المرحلة وعدو النزعة المصرية التقليدية المحافظة. الواقع الافتراضي/الحقيقي هو أكثر المحركات فعالية الآن والخصم اللدود لمن يستخلفون الله في الأرض ويقومون بمهامه، ولمن يبدلون جواربهم في انتهازية مدهشة ويضللون أنفسهم والآخرين والتاريخ ويغيرون يافتات وأسماء "دكاكين" خربة بيافتات جديدة، بينما الدكاكين هي كما كانت عليه بنفس أرففها وصناديقها البالية. لا خيال ولا إيمان بالواقع الافتراضي الحقيقي الذي عانقه المصريون في لحظة تاريخية نادرة سيعض الجميع أصابعهم إذا فوتوها على بعضهم البعض وعلى المصريين الذين انتظروها طويلا.المحنة كبيرة وموجعة، لأن ما حدث ليس بسيط أو قليل. وبالتالي، فالنفق ليس قصير كما يتصور البعض: سيأخذ ألوانا متدرجة من الأسود إلى الرمادي. ومحنة مصر الآن في ثورة مضادة ومحاولات قفز على السلطة وسعي للتمسك بها أيضا. محنة مصر في التحديين الإقليمي والدولي. هل يتصور البعض أن يقوم المصريون بثورة، في القرن الواحد والعشرين، لا تثير قلق بعض القوى الإقليمية والدولية؟! أما المحنة الأكبر فهي في السعي الحثيث لتحويل ما يؤمن به المصريون إلى شكل من أشكال الانتماء العرقي. هذه المحاولات جارية بخبث ودهاء وإجرام على مستوى الداخل والخارج. إن مجرد الحديث عن عناصر للأمة هو بداية لفصل عنصري بين مواطني الدولة الواحدة.إن مجرد الحديث عن حقوق هذا وحقوق ذاك هو أرضية خصبة للتفريق بين المواطنين المصريين أبا عن جدا. ويبدو أن هذه المحنة بالذات بحاجة إلى خيال مصري جامح وشامل لتحويلها إلى نكتة مصرية خالصة. والخيال هنا قد يكون مشروطا على عكس طبيعته الجامحة والحرة. فلا خيال باستخدام آليات وأدوات وأفكار الماضي من قبيل محو الأمية وتحديد النسل والمسرح المتجول ومسرح الغرفة والرصيف والقراءة للجميع، ولا خيال عن طريق وجوه وشخصيات الماضي الأليم سواء من اليمين أو اليسار لأنها أفسدت كما أفسد القابعون الآن في السجون والمستشفيات. لا خيال في الدكاكين الضيقة الخانقة والأجواء الفاسدة العطنة ولا في الوصاية أو الإجبار اللذين يعميان العيون والبصائر ويستبيحان دماء المصريين وأرواحهم وعقائدهم. ولا خيال أقل من الخيال الذي ملأ أرواح وعقول المصريين لفتح الطريق إلى المستقبل عن طريق الإبداع في السياسة والثقافة والتعليم والرقص والطرب والموسيقى.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل