المحتوى الرئيسى

ماذا يحدث في سوق الذهب؟

05/13 09:32

محمد إبراهيم السقا طوال خمس سنوات وأنا أحذر المتعاملين في الذهب بضرورة أخذ الحيطة والحذر الشديد عند التعامل في الذهب باعتباره ليس أصلا استثماريا، وإنما هو أصل للمضاربة في الدرجة الأولى، وأشدد دائما على أنه لا يجب أن تخدعهم معدلات العوائد الكبيرة التي تتحقق في سعر الذهب، فتلك المعدلات تعكس أساسا ضغوط المضاربة، ولا تعكس أية اتجاهات طويلة الأجل للمعدن النفيس. مصدر الخوف الأساسي لدي هو المستثمر الصغير؛ لأنه يدخل في لعبة لا يتقن قواعد التعامل فيها، وهي باختصار شديد لعبة قذرة هدفها الاستيلاء على ثرواته ومدخراته لصالح المضاربين الكبار في السوق، الذين يتقنون قواعد اللعبة جيدا في معظم الأحيان. طالما ذكرت مسبقا أن الصناديق التي تضارب في المعدل لديها استراتيجيات محددة للدخول والخروج في الوقت المناسب، والتي تستند إلى نماذج محترفة لتحديد التوقيت المناسب لذلك، والتي عادة ما يتم تطبيقها بصورة سرية تماما وسريعة أيضا، بحيث يجد المستثمر (أو بالأحرى المضارب) الصغير نفسه، وقد انقلب السوق حوله رأسا على عقب دون أن يفهم ماذا حدث ولماذا حدث. المؤسف في الموضوع أنه يصحو على مدخراته وقد ذابت، بعد أن تحولت بالطبع إلى أرقام في أرصدة المضاربين الكبار، والذين كما ذكرت في أكثر من موضع، لا يعدمون وسائل إقناع المضاربين الصغار بالإقدام على شراء الذهب ويتلاعبون عمدا بالبيانات لإظهار الصورة الوردية لعملية الاستثمار في الذهب، حيث يبدو الذهب على أنه الأصل الأمثل للاستثمار، وللأسف الشديد فإن الكثير من المضاربين الذين يتسمون بضعف خلفيتهم الاقتصادية والاستثمارية يرددون ما يقرؤون، بأن الذهب صعد لكي يبقى مرتفعا، وأن أسعار الذهب في المستقبل ستصل إلى عنان السماء، هكذا دون وعي بمعنى ما يرددون. الأسبوع الماضي فاجأنا ''الوول ستريب جورنال'' و''بلومبرج'' وغيرها الكثير من مصادر المعلومات المالية عن تسرب أخبار عن قيام صناديق المعدن التي يملكها أو يساهم فيها جورج سورس، أحد شياطين المضاربة على مستوى العالم، بالتخلص جزئيا من الذهب، وبصورة سرية، بعد أن تأكد أن الاقتصاد الأمريكي لن يستمر طويلا في حالة الكساد التي صاحبته منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية، والذي تعد فيما يبدو على أنها خطة لتقليل درجة تعرضه للمعدن النفيس. بسريان هذه الإخبار أخذ الكثير من صناديق المعدن في تعديل مواقفها، فقد قام بعض هذه الصناديق، أو ما زال يفكر، في تخفيض درجة تعرضه للمعدن، من ناحية أخرى، ما زالت الاهتمامات بالمضاربة في الذهب قوية، على سبيل المثال ما زال جون بولسون، أكبر المضاربين في الذهب في العالم، يتمسك بالمعدن ويعتقد أن الذهب سيكسر حاجز الـ 4000 دولار في الثلاث إلى الخمس السنوات المقبلة. من الطبيعي أن يحلم بولسون بذلك وله أن يتصور اللحظة التي يبيع فيها ملايين الأوقيات التي يملكها من الذهب بهذا السعر الفلكي، ولكن من المؤكد أنه عندما تتلبد الغيوم في سوق الذهب سيكون بولسون أول من يتخلى عن المعدن ودون أن يشعر صغار المتعاملين بذلك، مثلما حدث مع سورس. فالذهب معدن عقيم، ليس له استخدامات صناعية كما هو الحال بالنسبة لباقي المعادن، بمعنى آخر أن الطلب الأساسي عليه هو للاحتفاظ به كأصل لا يولد أي عوائد بذاته مثل أي أصل مالي آخر. فعندما نشتري سهما فإنه سيمكّن حامله من الحصول على عائد سنوي في صورة الأرباح التي توزعها الشركة مصدرة السهم، ومن يشتري سندا فإنه يحصل على عائد في توزيعات الفائدة على السند... إلخ. أما الذهب فإنه، بذاته لا يدر أي عائد. للتعرف بصورة أكبر عما يحدث في سوق الذهب ربما يكون من الأفضل النظر إلى توازنات سوق الذهب على المستوى الكلي لكي نبني صورة أدق عما يحدث في سوق الذهب. الجدول التالي يوضح اتجاهات الطلب والعرض في السوق العالمي للذهب خلال الثلاثة أعوام السابقة، وكما يشير الجدول فإن إجمالي العرض من الذهب، بشكل عام، يتجاوز الطلب عليه، إذا ما استثنينا عام 2008، حينما اشتعلت الأزمة المالية العالمية. ففي عام 2010 ألهبت أسعار الذهب همة المنتجين، فقد قامت مناجم الذهب باستخراج 2.658.8 طنا من الذهب، وهو مستوى قياسي للإنتاج مقارنة بـ 2058 طنا فقط في 2008، في الوقت الذي بلغ فيه إجمالي المعروض من الذهب في 2010 4.108.2 طن، بينما اقتصر الطلب، على الرغم من كل ما يحدث في سوق الذهب، على 3.812.2 طن. الوضع الطبيعي في ظل هذه الظروف هو أن تميل أسعار الذهب نحو الانخفاض، غير أن استمرار ضغوط المضاربة المرتفعة كفلت الحفاظ على سعر الذهب مرتفعا، بل واستمرار اتجاهه نحو الصعود. من ناحية أخرى، فإن كتلة الدول الناشئة والتي كان العالم يعلق عليها آمال انتشال الاقتصاد العالمي من حالة الكساد تواجه مشكلات هي الأخرى، على سبيل المثال تعاني الصين من الضغوط التضخمية حاليا، ويخشى مما يمكن أن تحدثه ردود الفعل لمواجهة هذه المشكلات في تلك الدول على السوق العالمي للذهب. الأرقام تشير إلى حقيقة أخرى مهمة جدا وهي تصاعد الطلب على الذهب أغراض المضاربة (الطلب على السبائك والنقود المعدنية)، والتي تبلغ حاليا مستويات تاريخية، حيث تزايد الطلب على الذهب لأغراض المضاربة من نحو 89 طنا فقط خلال الربع الأول من 2008 إلى نحو 273 طنا في الربع الرابع من 2010، وهي زيادة هائلة جدا، تعكس الاندفاع المحموم الذي يشهده السوق، والاهتمام الكبير بالمعدن لأغراض المضاربة. شهد هذا الشهر صعود الذهب إلى مستويات تاريخية، حيث اخترق سعر الأوقية حاجز 1500 دولار لأول مرة في التاريخ، وفي الثاني من أيار (مايو) بلغ سعر الذهب 1560 دولارا تقريبا، كما يتضح تطور الأسعار اليومية للذهب منذ بداية الشهر الماضي. أدى بلوغ سعر الذهب إلى هذه المستويات الكبيرة إلى إثارة التساؤل الأساسي، وماذا بعد؟ كانت إجابات الكثير من المحللين هي أن الذهب سيواصل رحلته نحو الصعود طالما أن الأوضاع الاقتصادية العالمية ما زالت على وضعها الحالي. كانت التطورات في أسواق السلع التجارية قد هوت بسعر الذهب في الخامس من أيار (مايو) الماضي إلى نحو 1480 دولارا للأوقية، وهو ما يعكس حقيقة أن الذهب أصبح أصلا في غاية الخطورة. حيث إن مثل هذه التقلبات الكبيرة في سعر الذهب لا شك ترفع من مستوى المخاطر التي يمكن أن تصاحب عملية الاستثمار فيه، حيث أصبح نطاق التقلب في سعر الذهب أكبر بكثير عما كان عليه الحال سابقا، كما يتضح من الشكل المرفق. مما زاد الطين بلة أن المعاملات في سوق الذهب خلال الفترة الماضية لم تقتصر على المضاربين الأفراد وصناديق المعدن، ولكن هناك بعض الدلائل على دخول البنوك المركزية، بصفة خاص الدول الناشئة على الخط لشراء الذهب، الجدول رقم (2) يوضح تطور التغيرات في الاحتياطيات الذهبية للبنوك المركزية خلال عام 2010-2011. ومن الجدول يتضح أن أهم التغيرات في الاحتياطيات الذهبية لدول العالم كان في السعودية، يليها روسيا، ثم تايلاند وبنجلاديش وبوليفيا وفنزويلا. القاسم المشترك بين هذه الدول هي أنها من الدول الناشئة، هذا وتجدر الإشارة إلى أن ''بلومبرج'' قد أشار إلى أن المكسيك اشترت أخيرا نحو 100 طن من الذهب، ولم أتمكن من التحقق من تلك الكمية سواء باستخدام إحصاءات الاحتياطيات التي يصدرها صندوق النقد الدولي أو مجلس الذهب العالمي، أو حتى موقع البنك المركزي المكسيكي Banco de Mexico. ولكن ما الذي يدفع البنوك المركزية لشراء الذهب عند هذه الأسعار الفلكية؟ إن السبب الرئيس في إقدام البنوك المركزية على شراء الذهب هو تراجع الدولار ومن ثم رغبتها في أن تحافظ على قيمة احتياطياتها الدولارية من خلال تنويع تلك الاحتياطيات نتيجة التراجع مع انخفاض قيمة الدولار. مشكلة دخول البنوك المركزية لشراء الذهب تتمثل في أنها يمكن أن يؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في الأسعار السوقية للذهب، تماما مثلما أدت صفقات البيع التي قامت بها البنوك المركزية للمعدن في الماضي إلى خفض كبير في القيمة السوقية للذهب. السوق إذن يقع تحت ضغوط المضاربين الكبار مثل بولسون وسورس والبنوك المركزية لبعض دول العالم. اليوم إذا ما نظرنا إلى الظروف المسؤولة عن فقاعة الذهب سوف نجد أنها ما زالت موجودة وتلف العالم بقوة؛ إذ ما زالت معدلات الفائدة منخفضة، وما زال العالم ينظر بمزيد من الإحباط إلى الولايات المتحدة التي لم تتمكن حتى الآن من الخروج بصورة نهائية من أزمتها على الرغم من خطط الإنقاذ الهائلة التي رصدتها، وما زالت مخاطر اندلاع أزمة ديون سيادية في أوربا مرتفعة جدا، وحتى تتبدل هذه الظروف سيستمر سعر الذهب في السوق العالمي للذهب في الارتفاع وبقوة، ولكن من المؤكد أنه ما أن يبدأ الاقتصاد العالمي في التعافي وترتفع معدلات الفائدة سترتفع قيمة العملات بصفة خاصة مثل الدولار، وعندها ستبدأ رحلة انهيار سعر الذهب. * نقلا عن "الاقتصادية" السعودية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل