المحتوى الرئيسى

سارة التى أحبها العقاد

05/13 08:14

«تعرف كيف أحبَ أصدقاؤك! تذكر كيف وقعتَ فى الغرام! لكن ماذا عن العظماء؟  المشاهير الذين ملأوا المحافل علما وأقاموا الدنيا وأقعدوها؟! عملاق مثل العقاد مثلا! بكل ما هو معروف عنه من صلابة وكبرياء! هل وقع فى الحب مثلنا؟ هل كابد الضعف البشرى؟ هل سهر الليالى يفكر فى حبيبته! كلها أشياء نقرؤها فى روايته الوحيدة «سارة»، التى حكى فيها قصة حبه بالتفصيل». اسمها سارة: مصقولةٌ، ندية، كالثمرة الناضجة فى شعاع الفجر، وكالشيطان! فتنة ماثلة أمام عينيه، جميلة جمالا لا يختلط بملامح النساء! لونها الشهد المُصفّى، حزمة أعصاب تُسمّى امرأة، استغرقتها الأنوثة، وشغلتها جواذب الجسد. عيناها نجلاوان، ولها فم الطفل الرضيع، وذقن كطرف الكمثرى الصغيرة، وبضاضة جسم هو الفتنة مجسداً. سارة التى أحبها العقاد: امرأة ليست كالنساء. كان لقاؤهما الأول فى بيت خائطة فرنسية، فى صباح خريفى هادئ، كانت الشمس تبتهج فى هدوء، والهواء يرقص فى حنين، وتطرح النفس أعباءها كما تطرح القافلة أحمالها عند الواحات. التقاها العقاد ولم يكن يعرف أنها حبه الكبير. تم التعارف بالأسماء، ثم مضت وكأنه لم يترك أثراً فى نفسها، لذلك فوجئ حينما حادثته هاتفيا: من مجاملة إلى ملاطفة إلى تحية إلى اللقاء الأول. شعر بأنه مخلوق جديد! وإلا فلماذا تمر الساعات خاطفة وكأن الشمس فى سباق؟!. خف كل شىء حتى قانون الجاذبية، وأدرك العقاد أنها فتاته بلا مراء! وأوجس – فى الوقت نفسه – مما يلى الغرام من نكبات. لكن المرأة التى منحته السعادة كلها، سقته الشقاء مُقطّراً. لم يعصمه عقله الكبير ولا طبعه الجاد من الوقوع فى حبالها، وبرغم مقاومته الصادقة فإنها أفلحت فى الاستيلاء عليه ونفذت من مسامه كالهواء. نزواتها القوة الدافعة، وثنية فى مقاييس الأخلاق. شديدة الإيمان بضعف الإنسان مع أضعف المغريات. كان يعرف كل شىء عنها، لم يخدع نفسه قط، ولا استطاعت هى أن تخدعه. المشكلة أنه أحبها كما لم يُحبّ من قبل، السعادة التى لم يذق مثلها، هى الحلم والواقع، والجمال والخيال. يلتقيان فينقسم العالم إلى قسمين: قسم فيه كل شىء، وقسم ليس فيه أى شىء. أيام جاءت من بعدها أيام!! كانت سارة كتاباً مفتوحاً أمامه، اعترفت له بعلاقتين سابقتين: الأولى طويلة متينة، والثانية سريعة هوجاء. أخبرته بحيلها البارعة وردودها الصالحة لكل موقف، واسترسلت فى التفصيلات كأنها تفرغ قلبها بين يدى كاهن، حَمَد لها صراحتها ولكنه لم يسلم من الاحتراس منها، ولايزال على علم بأنه لا يأوى إلى حصن حصين. لم يكن مستعداً لخداع نفسه، ولكنه كان حزينا وآسفا. هو الرجل الوحيد الذى يرى له كرامة غير كرامة جسدها، ولطالما تمنى أن يراها بعين الفخر والإعجاب. فلما ساورته شبهات الشك فيها توالت أمامه الدلائل من فلتات اللسان وعلامات الزينة والملابس، قرائن هى أصدق عنده من كل شهود. عذاب جهنمى مزق لحمه وأعصابه، كان يحبها حقا ولم يكن يتصور أن يسمح لها بأن تخونه. شكوك لا تغسل مرارتها كل أنهار الأرض: أن تشك ثم لا تصل إلى الحقيقة! هل تخلص له؟ هل تخونه؟ ألم أقرب لحيرة الأب المستريب فى وليده: هل هو ابنه أم ابن غيره؟ رمز الحب والوفاء، أم رمز الخيانة والاستغفال؟! وتمنى وقتها لو كان حبه لها أقل، وشرطه عليها أقرب، إذن لاكتفى منها بما تعطيه. ولكنه حين يعطيها أيامه وعمره، يستحيل أن يقبل منها بغير الإخلاص التام. والغيرة حيّة سامة، والابن إما أن يكون ابناً أو غير ابن، والتحفة النفيسة صحيحة أو زائفة، لا توسط فى هذه الأمور. وهذه المرأة - التى لا امرأة غيرها– إما تحفة نفيسة لا تعادلها كنوز الأرض، أو زائفة لو باعاها بدرهم ما كان بخاسر! كل شىء أو لا شىء، لن يبيعها إلا بدرهم، فإذا كانت الأخرى فلا بيع ولا شراء!. المهم أن يعرف الفارق المهول بين ما يباع بدرهم وما لا يباع بكنوز الأرض! لا يوجد أمامه حلٌ سوى أن يراقبها! وهكذا طلب من أحد أصدقائه مراقباتها. دامت المراقبة شهوراً حافلة بالنوادر والمفارقات. لكنها كانت تُقيمه وتُقعده. تساءل العقاد: ترى لو شهدنا حوادث الحياة دفعةً واحدةً؟ هل تهون أم تصعب؟!. تشغلنا الحادثة شهورا فلا نفكر فى غيرها، ثم تمضى الأيام فتصبح ذكرى. فهل يكون اجتماع الحوادث فاجعة تُضاف إلى الفاجعة، أم بمثابة الشىء يلغى ما بعده، كما يُذْهب الحر بالبرد، والصيف بالشتاء؟! وسواء هذا أو ذاك، يخطئ من يظن أن عبرة الأيام تعلمنا الاستخفاف بالحاضر كما نستخف بالماضى، وخير ما يتاح لأبناء الفناء أن يقلقوا ثم يضحكوا من هذا القلق. مبكيات ومضحكات!. كان شعورا معقدا يصعب وصفه، يتمنى أن تكون مخلصة، ويتمنى أن يكتشف خيانتها فيستريح. لم يكن يخفى عليه أن فراقها يرادف عنده توديع الحياة! متغلغلة فى النفس والجسد! لو سماها حبا فهو صادق، ولو سماها بغضا فهو صادق. وبعد مفارقات كثيرة، محزنة ومضحكة، انتهت المهمة واستراح الرقيب. زوده صديقه بالدليل القاطع أنها تخونه وتتردد على مخدع مريب. وكانت راحة اليأس! لم يزد العقاد أن أغمض عينيه، وكأنه يتحاشى النظر إلى سبّة شائنة، أو يتهيأ للنوم بعد سهر طويل. صافح صديقه، وهز يده هزة الشكر والرضا، الرضا بانقطاع الشكوك وتقليم مخالب العذاب، والقدرة على التفريط فيها بغير حسرة ولا ندم، حينما صارت من سائر النساء، امرأة سقط عنها سحر الانفراد. وتبقى قصص الحب العظيمة، لشخصيات إنسانية مميزة، رابطة للأخوة الإنسانية، وعلامة على الضعف البشرى، يستوى فيها العظماء والبسطاء. كلهم مجبولون على الحب، مفطورون على الانجذاب للجنس الآخر، بالقلب والروح والجسد، بالضحك والابتسام، واللوعة والفراق، قدراً مقدوراً على أبناء الفناء. aymanguindy@yahoo.com  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل