المحتوى الرئيسى

زمن هالة سرحان

05/13 08:14

كتمت دهشتى قبل عشر سنوات، عندما أرسل لى الصديق وائل عبدالفتاح نسخة من صحيفة «أخبار الأدب» تتضمن مقالاً له بعنوان «المعتزلون»، لم يدهشنى حديثه عن صاحب «زهر الليمون» علاء الديب ونموذجه «الاعتزالى». أدهشنى أن وائل، الذى يعرف جيدا شهيتى للحياة، وضعنى ضمن المعتزلين، ولم تبهجنى الصياغة الاحتفائية، والتمجيدية، لحالات «المثقف المعتزل» حتى لو كان اعتزاله احتجاجاً على واقع ردىء أو انسحاباً من معارك صغيرة، وحقيرة أحياناً.أحسست آنذاك بأننى أرى تجاعيد روحى فى مرآة متشفية، وشعرت بمداهمة الشيخوخة لحدائق وجدانى، فقد ساهمت بنفسى فى ترديد مقولة «اعتزالى»، برغم أنها مقولة كاذبة، ومؤقتة، ولا تنبع من داخلى، ولا تعكس ما أتمناه، وما أسعى إليه.. إنها مجرد صورة قشرية للظاهر، فأنا تواق لمشاركة كريمة وخلّاقة، لكن الواقع لا يتيح سوى مشاركة «كل واشكر»، وهى مشاركة «الإمّعة» التى عانى منها كثيرون، أحب أن أذكر منهم الراحل النبيل جمال حمدان الذى هجر أروقة الجامعة وأبدع مؤلفاته داخل شقة رطبة أقرب إلى بدروم البواب، والحبيب حجازى رسام الكاريكاتير المبدع الذى أوجع قلبى وقلب جيلى باعتزاله الاحتجاجى الذى مر مرور الكرام فى مجتمع جاحد، وعشرات الأسماء من المبدعين والمواهب العظيمة ممن أسميهم «أهل الكهف»، أولئك الذين رفضوا توظيف موهبتهم فى «زمن الهوبا». قبل أيام سألنى الصديق عمار حامد: هل تذكر كاريكاتير حجازى الذى كنت تضعه تحت زجاج مكتبك؟ قلت له: أذكره جدا، لكن من يذكر حجازى نفسه الآن؟.. ابتسم فنحن نعيش فى زمن هالة سرحان، استقبلوها بزفة صاخبة ولم يتذكر أحد حجازى (ملحوظة: كان الكاريكاتير عبارة عن لقطتين تظهران رسم المخ لرجلين الأول مكتئب والثانى مبتسم، وعندما تتأمل رسم المخ جيدا تكتشف أن تلافيف مخ المبتسم مرسومة على شكل حذاء.. يعنى جزمة ولا مؤاخذة)!! وجع حجازى دفعه لاعتزال الواقع فى كهف صغير بطنطا، لكن هناك «موجوعين» مثله تلتهمهم طاحونة هذه القاهرة «القاهرة»، وليس أمامهم إلا تحمل مصير بروميثيوس.. أن يظل النسر الخرافى ينهش أكبادهم كعقاب أزلى من آلهة لا تؤمن بالثقافة، ومن هؤلاء مثقف مسرحى عايره مديره بأنه يتقاضى راتبه من «الحظيرة» دون أن يعمل، فسأله المخرج مستنكرا: وهل تتحملوننا إذا قلنا ما لدينا، أنتم لا تمنحوننا رواتب، بل تمنحوننا «بدل صمت»، نحن نأخذ منكم بعض المال، لكنكم تأخذون منا كل شىء.. الأحلام والنجاح وسنىّ العمر، فنحن الخاسرون. وذات مرة أخرى سألت صديقى المخرج والمنظر السينمائى المحترم سيد سعيد: فينك؟،  فقال لى: أنا هنا بس الظاهر مفيش حد تانى هنا، فأنا أعمل بدأب، ولدى ثلاثة كتب جاهزة للنشر، وعشرات المقالات، لكننى محاصر، لأن الإعلام لا يحبذ الاهتمام بتأسيس جماليات السينما مثلا، ويكتفى بالنميمة وفضائح النجوم كولائم تعويضية للجياع والفقراء.. جياع الطعام وجياع الجسد، وفقراء الحلم، وفقراء الثقافة، وفقراء الروح، وقال لى، وكأنه يشجع نفسه: ولا يهمك، فأنا لست متشائماً إلى حد الموت، أعرف أننى لن أحقق أياً من أحلامى القديمة، فقد كبرت، ولم يعد بالإمكان تحقيق الأحلام بأثر رجعى، لكن أى تقدم يمكن أن يحدث ونحن نقتل الكفاءات، ونضطهد المواهب، وندفع المبدعين الكبار إلى الخنادق هرباً من القصف المجنون لجيوش الابتذال والتسطيح، تصور أننى نجحت فى إقناع المخرج الكبير توفيق صالح بالعودة للسينما، واكتشفت أنه يتمنى ذلك من داخله، لكننى بعد أن عثرت على المنتج وحصلت على موافقته، رفض توفيق صالح. قلت له: عنده حق، فهو يعرف أن المرحلة ضده، فالرجل الذى كان رائداً فى دولة رائدة، عليه الآن أن يبحث عن فرصة فى زمن «اللمبى» و«الواد بلية»، عليه أن ينال رضا السبكى ويخوض منافسة مع ظاظا.. والله عيب. tamahi@hotmail.com  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل