المحتوى الرئيسى

مروان البرغوثي القائد... بقلم: سمير الجندي

05/12 23:16

مروان البرغوثي القائد... بقلم: سمير الجندي "ألف يوم في زنزانة العزل الانفرادي" صدر مؤخراً عن دار الشروق للنشر والتوزيع والدار العربية للعلوم ناشرون، في طبعته الأولى لعام 2011، قدم له الإعلامي اللبناني زاهي وهبي، الكتاب من القطع الصغير في (255) صفحة مقسم إلى تقديم وسبعة فصول هي: الفصل الأول : المواجهة، والفصل الثاني: مملكة المجهول والحرب الخفية، والفصل الثالث: المحاكمة، والفصل الرابع: العزل الانفرادي، والفصل الخامس: حياتي في زنزانة العزل الانفرادي، والفصل السادس: حارسة حلمي، والفصل السابع: الاشتباك مع جهاز المخابرات الإسرائيلية وأدواته العميلة، وخاتمة بعنوان " التاريخ يشهد... جل ما شدني إلى القراءة هو ذلك الأسلوب المشوق الذي سرد به الكاتب مروان البرغوثي أحداث اعتقاله وظروف ذلك الاعتقال، بأسلوب لغوي خال من التعقيد وغريب الرمز، رغم تقريريته في أجزاء كثيرة من الكتاب، وما لفت انتباهي أن مروان البرغوثي يفيض إنسانية خاصة بعلاقته المميزة مع أسرته زوجه وأبنائه، ما جعلني أفكر مليا بالكتابة عن مروان الإنسان ولكن أخي وزميلي الشيخ جميل السلحوت سبقني إلى ذلك ما دفعني للبحث عن مدخل آخر للكتابة، فوجدتني أتناول جانبا مهما من جوانب شخصية البرغوثي ألا وهو " مروان البرغوثي القائد" وخير قائد هو القائد الإنسان المحب لأسرته ومجتمعه، ورفاقه وأخوته في خندق الواجب... لقد برز مروان منذ بداية حياته النضالية كقائد تدرج بالقيادة حتى صار على رأس الهرم الفتحاوي تقريباً... وها هو يتكيف مع الواقع الذي وضع فيه قسرا، هو قائد في التشريعي وقائد في لجان حركة فتح وقائد في زنازين التحقيق، وقائد في العزل الانفرادي، فقد استطاع توجيه دفة التحقيق بذكاء وقَّاد عندما لم يتجاوب مع أسئلة المحققين، فقد حدد محاور التحقيق الأساسية منذ اللحظة الأولى فهو يقول:" تركز التحقيق معي على محاور أساسية اعتبرها المحققون اجبارية ومن أبرزها: العلاقة مع الرئيس ياسر عرفات، والتنظيم وكتائب الأقصى، والتسليح وتبني العمليات، ومصادر التمويل، والعلاقة مع الأجنحة العسكرية لفصائل المقاومة الفلسطينية، والتركيز على العلاقة بعمليات بارزة" (ص 33-35).مارسو كافة الأساليب للضغط على الأسير القائد مروان البرغوثي فكان الضغط النفسي الممنهج وسيلتهم الأساسية بل إنهم وضعوا العملاء معه في زنزانة واحدة معتقدين أن مروان البرغوثي هو دليلهم لإيجاد المبرر والمصداقية لحربهم مناطق السلطة الفلسطينية، فقد ذكر المحققون" أن رئيس الحكومة شارون، ورئيس الشاباك، ووزير الدفاع يتابعون التحقيق أولاً بأول، وهم غاضبون لأنه يرفض الحديث والتقدمشيئا" (ص 41). فهو يتخذ قراراً نهائيا لا رجعة فيه يعبر من خلاله عن تصميم القائد الحقيقي، ألا وهو عدم التعاون في التحقيق وعدم الإدلاء بأي معلومة مهما كانت والتصميم على تحمل العذاب بما في ذلك الاستشهاد... هذا هو القائد وهذه هي درجة الوعي التي يحتاج اكتسابها كل مناضل فهو يتسلم زمام الأمور ويدير الدفة بذكاء بل ويرسل عبر كتابه هذا مجموعة من النصائح والتوصيات التي من شأنها مساعدة المناضلين في الصمود والثبات والانتصار على المحقق مهما كانت جبروته، يقول: " إن على المناضل أن يدرك إنه في مهمة نضالية، ومن واجبه المحافظة بروحه ودمه وجسده على ما يحمله من معلومات، كما أن كلمة المناضل في التحقيق تساوي سنوات في الأسر، واعترافه يعتبر خدمة يقدمها للاحتلال، وعليه تجنب الثرثرات، وعليه مقاومة الإغراءات بكبرياء مقاتل والابتعاد عن طلب أي شيء من المحقق مهما صغر شأنه..." (ص57). يسير بنا مروان البرغوتي في كتابه بكل سلاسة ويسر تجاه موقف يلامس استراتيجية وطنية ما كانت حالتنا تصل إلى ما وصلت إليه من بهت في الموقف النضالي الاعتقالي ومن ضبابية في التعامل مع واقع الأسر خاصة بما يتعلق بالمحاكم الإسرائيلية التي تمثل الجلاد بعيدا عن العدالة الإنسانية، فقد عبَّر مروان البرغوثي عن موقف سياسي يعتبر قمة المواقف هو لم يدع إليه فقط بل نفذ ذلك عملا وقولاً لدرجة أنه خلق بلبلة في صفوف جهاز المخابرات الإسرائيلية، مما يدل على نتائج هذا الموقف فيما لو نفذه جميع من دخل المعتقل مهما بلغت درجة محكومية الأسير، فقد رفض البرغوثي عقد محكمة له ورفض تعيين محام يترافع عنه ورفض الوقوف للحاكم وجعل من محكمته منبرا شرح فيه موقفه السياسي، أمام الصحافة التي أخرجها الجنود فوراً مما يدل على هزيمتهم أمام هذه القامة القيادية، يقول:" إنني أعلن هنا عدم اعترافي بصلاحية إسرائيل في اعتقالي واختطافي والتحقيق معي ومحاكمتي، وأعتبر إجراءاتها كافة جريمة من جرائم الحرب" (ص63). فهو يدعو بصراحة إلى مقاطعة محاكم الاحتلال وهذا موقف يجب أن يحظى باهتمام جميع الفصائل الفلسطينة في تعبئة كوادرها على هذا الأمر، لقد رأيت في كتاب البرغوثي هذا منهجا دراسيا للمسلكية الثورية للمناضلين سواء كانوا في المعتقل أو خارج المعتقل، وإننا حقيقة نفتقر إلى منهجا من هذا النوع إذ إننا نعاني في مجتمعاتنا الثورية أزمة في اللاوعي وسوء التصرف، وضعفا واضحا في الانتماء الحقيقي للوطن، هناك من الطلبة لا ينتمون إلى جامعاتهم، وهناك من الموظفين لا ينتمون إلى وظائفهم، فوضع مسلكية ثورية أخلاقية ضمن مناهجنا الثورية والتعليمية أمر لا بدَّ منه، لنتعلم من دروس دفعنا كثير من الجهد والقهر والأموال والأنفس مقابلها... لقد عبَّر مروان عن حسرته لتراجع ظاهرة رفض المحاكم الإسرائيلية بعد إغراءات من قبل المخابرات الإسرائيلية وبعد أن تعذر عليه متابعة الأمر مباشرة مع الموقوفين، فهو لذلك يجد المبرر لكنه يبقى مبرراً ضئيلاً أمام النتائج التي من الممكن أن تتحقق إذا ما استمر قرار المقاطعة هذا... إن مروان البرغوثي قد وضع اللبنة الأولى بهذا الشأن وعلى المسؤولين متابعة الأمر ودراسته دراسة جدية منهجية لأن كسر قرارات الإسرائيليين في أي شأن فيه انتصار للمسيرة النضالية لشعبنا الفلسطيني... وها هو يحوّل أسره إلى منارة للعلم يستغل وقته الطويل بالقراءة والعلم والتأمل، وهنا نجده يتعامل مع الأمر بكل موضوعية يقرأ القرآن والكتب السياسية باللغة العربية والعبرية ويقرأ الصحف العبرية ويعلم اللغة لرفيق له في الزنزانة المقابلة ويقرأ الروايات والأشعار، ليكون قدوة لزملائه ورفاقه وإخوانه في الأسر، بل ويدعو الأجيال لاكتساب عادة القراءة لما فيها من فائدة في صقل الإنسان الفلسطيني وبناء شخصيته على أسس تربوية ثقافية ما ينعكس على المجتمع بالفائدة... أشار الكاتب إلى دور القائد تجاه أبناء شعبه من كل الطوائف عندما قال: قرأت بعض أجزاء القرآن الكريم وحفظتها وخاصة ما يتعلق بالمسيحية والمسيحيين، خاصة أن لفلسطين خصوصية ناحية الدين المسيحي بوصفها مهد الديانة المسيحية" (ص132). لا يهم أين يكون القائد سواء خلف قضبان الأسر أم في الهواء الطلق فهو يقوم بدوره في الحالتين، يذكر مروان الدور الذي لعبه في بداية الانتفاضة وتحديدا محاوراته وتنسيقه بين حركة فتح وبين الأطر السياسية الأخرى، فقد كان على تواصل مع القيادة السياسية ممثلة بالرئيس الراحل ياسر عرفات وبين القيادات الميدانية والكوادر التنظيمية والنضالية فهو يحافظ ويحمي القرار السياسي لكنه في الوقت نفسه يرد على انتهاكات العدو، فالنضال خياره الاستراتيجي، ووحدة شعبنا متأصلة في نفسه، فهو يعلن الهدنة نزولا عند القرار السياسي ويرفع الهدنة ردا على اغتيال أحد كوادر كتائب الأقصى وهو الشهيد رائد الكرمي، فيوقع في العدو ضربات موجعة تجعله مذهولا أمام هذا الرد، يقول: " على أثر عملية الاغتيال انهارت الهدنة وقامت الكتائب بسلسلة من العمليات هي الأقوى منذ اندلاع الانتفاضة رداً على اغتيال أحد أبرز مؤسسيها..." (ص155). لقد ساهم مروان في الحوار الداخلي فهو من داخل زنزانته يوقع اتفاقا عجز عن توقيعه الذين يتمتعون بحريتهم ما يدل على مقدرته القيادية خاصة في انهاء الأزمات الداخلية، يقول: " فقد تم التوصل إلى بيان مشترك تقرر الإعلان عنه وتوقيعه باسمي إلى جانب خالد مشعل ورمضان شلَّح..." (ص 157)، فقد لقي هذا الاتفاق ترحيبا شعبياً كبيراً ما يوحي بمقدرة كبيرة لقائد من الدرجة الأولى... كيف لا وقد كان قدوته الشيخ عز الدين القسَّام هذا القائد الجليل الذي قدم من سوريا الشقيق ليقود حركة النضال الفلسطيني في بدايات القرن الماضي، وقد أطلق البرغوثي اسم ابنه البكر "قسَّام" تيمنا بالشهيد الشيخ، فالقائد هنا قدوته القائد ورمزه الوفاء والتضحية... لكنني لا بد أن أتطرق ولو باليسير إلى الأسلوب المشوق والجميل خاصة رسالته لابنه القسَّام، فقد كانت رسالة موجهة ليس للقسَّام فحسب ، إنما هي رسالة موجهة لكل الشباب الفلسطيني، فهذا الجزء من الكتاب يمثل الأقوى أدبيا ولغويا، فيه اللغة الجميلة وفيه المعلومة المهمة، وفيه الحكمة والتاريخ، إن هذا الجزء يختلف عن بقية الكتاب اختلافاً جلياً... إن القائد الحقيقي هو الذي تعيش الجماهير في وجدانه تماما مثلما يعيش الوطن فهو جزء من كل وهو مبادر في كل الظروف وهو الشعلة التي تنطلق لتضيء دروب النضال، لقد قرر المشاركة بالإضراب المفتوح عن الطعام علما بأنه غي مطلوب من الذين في الأسر الانفرادي المشاركة بالإضراب بسبب عزلهم هذا، لكنه أبى إلا أن يكون مبادرا محاولا حث بقية الزملاء والأخوة والرفاق الذين بزنازين العزل على المشاركة لما فيه مصلحة عامة، يقول: " أخذت قراراً بالمشاركة بالإضراب المفتوح عن الطعام في اليوم التالي أي في 18/8/2004، مع المضربين في المرحلة الثانية، وكنت في عزل بئر السبع..." (ص205)... ويعبر مروان عن وفاء القائد للقائد، فالقائد بطبعه وفيّ، وقد تجسد هذا الوفاء بذكر مناقب الرئيس الراحل ياسر عرفات وكانت دموع الحزن على رحيله خير شاهد على مقدار الوفاء، فأخذ بذكر مناقب الراحل ورسم لنا صورة جميلة عن (أبو عمَّار) الإنسان والقائد الذي عاش ومات لفلسطين، يقول: " ثم هدأت محاولاً إخفاء دموعي وحتى حزني عن سلطات السجن التي كان أفرادها يمرون في القسم... عدت إلى الوراء بشريط طويل من الذكريات والعمل الدائم مع الرئيس الراحل ياسر عرفات، فهو جدير باحترام الناس...كرس حياته لفلسطين وتمكن من تأسيس حركة فتح والثورة...كانت القدس هاجسه في الحرب والسلام...لم يخطط للانتفاضة ولم يقدها ولم يؤسس كتائب الأقصى واعتبرها أداة لتحسين الشروط...لم يجمع أو يدَّخر المال لنفسه، بل عاش حياة متواضعة كثيراً في الملبس والمأكل والمشرب والمسكن...(ص210-215) ... لقد ظهر مروان في هذا الكتاب قائدا حتى بإنسانيته، فهو لم يفتأ يذكر عائلته وعلاقته المميزة بتا بدءاً بولده القساَّم وانتهاءً بزوجته التي يعبر عن محبته لها في الكلمات أحيانا وأحياناً كثيرة بين السطور، فكم تركت في نفسه الذكرى تلك الزنزانة التي جاءه خبر مولوده أثناء الإضراب عن الطعام واليوم يأتيه خبر اعتقاله وهو في زنازين العزل، ومن اللافت أنه يخصص فصلاً كاملاً لحارسة حلمه زوجته، وهو الفصل السادس، الذي يذكر فيه دور الزوجة المناضلة التي هي نموذج حي للمرأة الفلسطينية المثقفة والمضحية والتي تسير جنباً إلى جنب مع زوجها المناضل، يعبر من خلال ذلك عن ارتباطه الوطيد مع أسرته وزوجته وأولاده، وهذا دليل آخر على مميزات القائد الفذ التي يتمتع بها هذا الإنسان السياسي المحارب الذي لا يتوقف نضاله في فلسطين بل يخرج إلى فضاء الكون متضامناً مع المعذبين في الأرض لأنه واحد منهم...

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل