المحتوى الرئيسى

أحمد شوقي يكتب : ” عن كمال الشيخ.. العبقري المظلوم حيا وميتا “

05/12 22:11

لو سألت مائة شخص من العاملين في السينما ومحبيها عن أفضل عشرة مخرجين في تاريخ السينما المصرية فستتكرر أسماء مثل يوسف شاهين وصلاح أبو سيف وعاطف الطيب ومحمد خان، يليها أسماء مثل رأفت الميهي وخيري بشارة وهنري بركات وعلي بدرخان، وقد يميل البعض للمعاصرة فيختارون أسامة فوزي أو يسري نصرالله أو هاني خليفة، وبالطبع سيتجه اختيار “المُثقفين” إلى شادي عبد السلام وربما توفيق صالح، ولكن وسط كل هذا الزخم من الأسماء المختلفة في هامتها وأهميتها والمتفقة في تأثيرها وتفردها، سينسى العدد الأكبر ذكر اسم كمال الشيخ، ربما يذكره البعض على استحياء ولكن تأكد إن تجميع عدد الأصوات لن يضعه ضمن أفضل عشرة أسماء، وهو الأمر الذي سيجعل هذه القائمة ببساطة بحاجة إلى التمزيق والإلقاء في أقرب صفيحة للقمامة.ولقد توقفت كثيرا محاولا التفكير في سر هذا الإهمال والتجاهل المنهجي الذي يتعرض له الراحل كمال الشيخ بعد أعوام قليلة على وفاته، بل والذي تعرض له خلال 17 عاما كاملة قبل وفاته لم يقدم فيها أي عمل في وقت قدم فيه أشخاص أقل ما يوصفون به إنهم جهلة عشرات الأعمال، وسر حيرتي إزاء هذا الموقف الغريب إن سينما كمال الشيخ لم تكن أبدا من النوع الطارد للإنتاج، بمعني أنني أتفهم تماما ابتعاد رجل كتوفيق صالح عن العمل في ظل آليات سوق لن تسمح له بتقديم الشرائط الذهنية المأدلجة الذي اعتاد تقديمها، ولكن أن يجلس رجل لُقب يوما بهيتشكوك العرب من فرط تمكنه من صنعة الإثارة والتشويق فهذا أمر محير. –وأسجل هنا اعتراضي على تشبيه كمال الشيخ بهيتشكوك لأن فيها حسب رأيي تقليل من شأنه ,الشيخ لا هيتشكوك!بعد تفكير ومحاولة لاستقراء منهج مجتمع السينما المصري وطريقة تفكير أفراده توصلت إلى إن أسباب عظمة كمال الشيخ هي ذاتها أسباب التجاهل والتهميش الذي يتعرض له بشكل منتظم، فالحقيقة إن السينمائيين المصرين من كتاب ومخرجين ونقاد بل ومشاهدين قد اعتادوا بشكل عام –وهناك استثناءات بالطبع- على تقسيم الأعمال السينمائية إلى فئتين عريضتين: الأعمال التجارية والأعمال الفنية، وفي قول آخر أفلام الشباك وأفلام المهرجانات، وفي قول ثالث أفلام الجماهير وأفلام المثقفين، وكان الدأب الدائم هو الفصل الكامل بين الفئتين، ووضع تصورات لأفلام كل فئة يصعب تجاوزها، فأفلام الشباك ممتعة ومثيرة وخفيفة الظل، ولكنها خفيفة المضمون أيضا لا تهدف سوى لمقايضة أموال المشاهد بساعتين يقضيهم سعيدا، أم الأفلام النخبوية فهي في الغالب أفلام معقدة محشوة بالأفكار عسيرة الفهم ولا يشكل الاستمتاع بمشاهدتها أي حيز من اهتمام صناعها، وأكرر هنا إن هذا هو الوضع السائد مع وجود استثناءات دائمة.وبالوقت خلق كل اتجاه عدد ضخم من المريدين والمروجين له، يعتمد كل جانب منهم بالأساس على السخرية من الآخر كمصدر لشرعيته، فدعاة السينما التجارية يتحدثون عن التسلية والترفيه وإتقان الصنعة ويسخرون من الأفكار العميقة واللغة السينمائية المعقدة في الجانب الآخر، بينما يتحدث أنصار السينما الفنية عن الإبداع النخبوي ساخرين من التردي والسطحية في أفلام التجاريين، وعندما يصبح الصراع بهذا التطرف كان لابد وأن يكون الضحية شخص مثل كمال الشيخ لأنه ببساطة يهدم بأعماله آراء الجانبين ويسخر من جمودهم وتشدقهم، فهو الذي أثبت “في مرحلة مبكرة للغاية من عمر السينما المصرية” إن القيمة الفنية والفكرية العالية لا تتعارض إطلاقا مع التشويق والجماهيرية، بل وأن صانع الأفلام المتمكن قادر على أن يجعل ارتباطهما طرديا، فأكثر أفلامه إثارة وجاذبية للجمهور هي نفسها أعلى أفلامه قيمة وأثراها فنا.لاحظ إننا نتحدث عن مخرج بدأ العمل في خمسينيات القرن الماضي، في وقت لم يكن فن السينما في مصر قد تمايز من الأساس عن باقي الفنون بصورة تسمح بأن يكون له ملامح واضحة، ليصنع فيلم مثل “حياة أو موت” ليؤسس به لفكرة السينما الشعبية القادرة على تحدي الزمن، تحدي زمن إنتاجها بصنع فيلم للمرة الأولى يتراجع فيه دور النجم كثيرا لتصبح البطولة للمدينة، ويتحدى زمننا الحالي بقدرته على المواصلة لتشاهده بنفس المتعة بعد أكثر من نصف قرن.. فيلم يمتاز بلغة سرد شديدة التماسك بدرجة تجعل من المستحيل أن تبدأ المشاهدة دون أن تنهي الفيلم الذي لا تتجاوز مدته الساعة والربع “وهو في حد ذاته تحطيم لفكرة سائدة حتى الآن تتعلق بالحد الأدنى لزمن الفيلم”.على هذا المنوال استمرت مسيرة كمال الشيخ السينمائية، ليقدم لأرشيف السينما المصرية عدد ضخم من الأعمال التي يجمع معظمها بين الحسنيين: الشعبية والفن، بالإضافة للقدرة على الاستمرار.. ويمكنك أن تشاهد أفلام مثل “الخائنة” و”على من نطلق الرصاص” و”غروب وشروق” و “اللص والكلاب” لتفهم سر عظمة الرجل التي شكلت مأزقا لكل من يحاول الدفاع عن رؤية سينمائية متطرفة، لأنه يقول ببساطة لدعاة السينما التجارية إن دفاعكم عن أفلام ضعيفة لا ينم سوى عن عجزكم عن تقديم الأفضل، ولدعاة سينما النقاد والمهرجانات إن تشدقكم سببه الفشل في الوصول للجماهير، فكانت النتيجة هو نسيانه حيا وميتا، والاحتفاء بمن هم أقل منه قدرا وموهبة وتأثيرا.مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل