المحتوى الرئيسى

دولتنا مدنية بمرجعية إسلامية

05/12 16:10

بقلم: أحمد أحمد جاد   أحمد أحمد جاد  الحمد لله وبعد، فقد كان الأنبياء يجمعون بين الدين والسياسة، كلما ذهب نبي خلفه نبي آخر، أما النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم فلا نبي بعده، إنما يخلفه بشر غير معصومين، حفظ الله لهم الدين الذي ورثوه عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)﴾ (الحجر) والذكر هو الوحي: كتاب وسنة، وهو المرجع الثابت للمسلمين.. أما أمور الدنيا والسياسة فقد علمهم النبي صلى الله عليه وسلم كيف يجتهدون في الوقائع المتجددة.. فالاجتهاد بالرأي أصل بشري يلي الوحي.. وفي الحديث "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وأنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء... أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم" (البخاري أنبياء: 3455)، و(مسلم: إمارة 1842) وغيرهما.. تسوسهم الأنبياء: أي يتولون أمورهم، كما تفعل الأمراء والولاة بالرعية.. والسياسة: القيام على الشيء بما يصلحه، والحديث فيه إشارة إلى أنه لا بد للرعية من قائم بأمورها يحملها على الطريق الحسنة وينصف المظلوم من الظالم. أعطوهم حقهم: أي أطيعوهم وعاشروهم بالسمع والطاعة، فإن الله يحاسبهم على ما يفعلون بكم.   وأهم ما يميز الحاكم في الإسلام عن الحاكم في الدولة الدينية أن الأول بشر يخطئ ويصيب غير معصوم، لا ينفرد بالقرار، ويعمل بالشورى، اختارته الأمة ليمثلها وهي التي تحاسبه وتعزله إن أخلَّ بشروط البيعة، أو الولاية، له مرجعية لا يملك مخالفتها، يعمل على حفظ الدين وسياسة الدنيا.. أما الحاكم في الدولة الدينية فيُدعى أنه يحكم باسم الإله وهو مقدس معصوم لا يخطئ، ولا معقب لحكمه لا يحاسبه ولا يعارضه أحد، لا رقابة ولا شورى.. وهذا مثل ما كانت عليه الكنيسة في العصور الوسطى، فقد أصدر البابا سنة 1864م منشورًا لعن فيه كل مَن يقول بجواز خضوع الكنيسة لسلطة مدنية، أو جواز أن يفسر شيئًا من الكتب المقدسة على خلاف ما ترى الكنيسة، أو أن الشخص حرٌّ فيما يعتقد.. وجاء في الفصل 19 من العقيدة البابوية التي شرعها البابا غريغور السابع أنه لا يمكن للبابا أن يكون موضع محاسبة، وهذه السلطة لم تكن للنبي صلى الله عليه وسلم إذ كان أصحابه يسألونه في مواضع الخبرة والتجربة، هل هذا من الوحي أم من الرأي؟ فإذا علموا أنه من الرأي، أشاروا عليه، وكان يأخذ برأيهم، وهو بعدُ مأمور بأن يستشير أصحابه ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (آل عمران: من الآية 159).   أقسام تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم: نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر يوحى إليه، فهو بشر فيما يتعلق بالإمارة والسياسة والإدارة والاقتصاد والمصالح والحرب والقضاء بين الخصوم، وهو يبلغ عن ربه عزَّ وجلَّ بما يوحى إليه، وبما أنه لا نبي بعده فقد وضع أسس الدولة المدنية للخلفاء من بعده.. يقول الإمام القرافي: إن تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم تنقسم إلى:   1- تصرفات بالرسالة وبالفتيا التي تفسر الوحي.. وهذه التصرفات ترجع إلى الوحي والدين. 2- تصرفات بالقضاء في المنازعات بين الناس وتصرفات بالإمامة والإدارة والسياسة في مختلف الميادين والمجالات، فهو يسوس الأمة بما يحقق مصالحها ويدفع عنها الضرر.. وهذه من أمور الدنيا (راجع "الأحكام" تحقيق المرحوم أبو غدة بتصرف واختصار).   ويقول الدهلوي: اعلم أن ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم على قسمين: أ- تبليغ الرسالة.. وهذا مستند إلى الوحي. ب- ما ليس من تبليغ الرسالة، ومنه قوله: "إنما أنا بشر"، فمنه الطب ومستنده التجربة، ومنه ما على سبيل العادة لا العبادة، ومنه ما قصد مصلحة جزئية، مثل تعبئة الجيوش، ومنه حكم وقضاء خاص كان يتبع فيه البيانات والأيمان، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "الشاهد يرى ما لا يراه الغائب" (راجع: حجة الله البالغة جـ1/ 128 طبعة 1355هـ)، ومن تصرفات النبي باعتباره بشرًا: أنه رأى قومًا يؤبرون النخل فقال: "لعلكم لو لم تفعلوه كان خيرًا" فتركوه، فلم يصلح الثمر، فذكروا ذلك له فقال: "إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر" وقال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" (رواه مسلم: 2361/ 2363 وأحمد: 3/ 152) فأمور الدين مرجعها الوحي وأمور الدنيا مرجعها الخبرة والتجربة. والإمام محمد عبده يقول: قد أرشدنا نبينا صلى الله عليه وسلم إلى وجوب استقلالنا دونه في مسائل دنيانا. وفي غزوة بدر نزل النبي صلى الله عليه وسلم منزلاً فسأله الحباب بن المنذر أهذا منزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة، فلما علم الحباب أن هذا ليس بوحي أشار برأيه، وأنفذه النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث مشهور وسنده صحيح.. وفي غزوة الخندق، اشتد الأمر على المسلمين فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة.. فاستشار أصحابه فقالوا له: يا رسول الله أمرًا تحبه فنصنعه أم شيئًا أمر الله به لا بد من العمل به، أم شيئًا تصنعه لنا؟ قال: "بل شيئًا أصنعه لكم"، قالوا يا رسول الله.. أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ والله لا نعطيهم إلا السيف (راجع التاريخ الإسلامي. دار الدعوة). وهكذا كان أدب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يبدون رأيهم إلا بعد أن يعلموا أن فعله هذا بصفته بشرًا لا من الوحي، فإذا كان وحيًا سلموا له ورضوا به، ومن ذلك قضاؤه في المنازعات فيقضي بما يقدمه الخصوم من البينات، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنكم تختصمون إليَّ ولعلَّ بعضكم ألحن بحجته من أخيه فأقضي على ما أسمع، فمن قضيت له من حقِّ أخيه شيئًا فلا يأخذه.." (البخاري ومسلم).. فالنبي صلى الله عليه وسلم يحكم بالظاهر لأنه بشر.   وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلِّم أصحابه الاجتهاد ويدربهم عليه حتى يحكموا بين الناس من بعده فيما لا نص فيه، ففي حديث معاذ حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال: "كيف تقضي إذا عرض عليك قضاء؟" قال أقضي بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد في كتاب الله ؟" قال فبسنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله؟" قال: أجتهد رأي ولا آلو، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال: "الحمد لله الذي وفَّقَ رسول رسول الله لما يرضي الله" (أبو داود، والترمذي، والنسائي وغيرهم)، ومن ذلك كثير.   المرجعية الإسلامية: هي مرجعية ربانية من عند الله الذي صنع الجهاز الإنساني، ويعلم ما يصلحه وما يفسده، وهي مرجعية مبرأة من النقض والجهل والزيادة، فقد كمل الدين وتمت النعمة، وهي تهدي لأقوم المناهج، وهي تحدد علاقة الإنسان بخالقه وتحدد اختصاصاته، وهي الميزان الثابت الذي لا يتغير بتغير الحكام ولا الزمان ولا المكان ولا مع الأهواء، وهي العاصمة من الضلال: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنتي" (مالك، والترمذي، وأحمد)، وهي الضابط من الانحراف والأهواء ﴿وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (المائدة: من الآية 49)، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن اهتدى به هدي إلى صراط مستقيم، وليس هناك دولة دون مرجعية تكشف عن هويتها، وتؤثر في قراراتها، ومن مميزات هذه المرجعية أن الله حافظها على مرِّ الزمن من التحريف والتبديل وأنها معلنة للكافة، ولا يستأثر بها أحد، ولا يحتكر تفسيرها أحد.   والمرجعية الإسلامية تتمثل على سبيل المثال في: 1- النصوص قطعية الثبوت والدلالة وهي التي لا مجال للاجتهاد فيها، مثل مسائل العقيدة والعبادات والحدود والمواريث ومقادير الزكاة، والجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، إلى غير ذلك، وحكم القطعي أنه يفيد اليقين، ومنكره خارج عن الملة بخلاف من أنكر معنى يحتمله النص.   2- المحكم الذي لا يقبل التفسير ولا التخصيص ولا يحتمل غير معناه، وهو واضح الدلالة على معناه.   3- مبادئ الإسلام: مثل حرية العقيدة، والعدالة والشورى والمساواة في الحقوق والواجبات، وتكافؤ الفرص وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان عامة وحقوق المواطنة واستقلال القضاء.   هذا بالنسبة للنصوص الخاصة بالمرجعية الإسلامية أما أكثر النصوص فهي ظنية الثبوت، أو ظنية الدلالة، وهذه قابلة للاجتهاد وإعمال الرأي، كما أنها لا تفي بالحوادث والوقائع المتجددة.. يقول الشهرستاني: نعلم قطعًا ويقينًا أن الحوادث والوقائع مما لا يقبل الحصر والعد، ونعلم قطعًا أنه لم يرد في كلِّ حادثة نص، والنصوص إذا كانت متناهية والوقائع غير متناهية.. علم أن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد.. (راجع الملل والنحل جـ 1/ 205).   ويقول الإمام البنا: والقرآن الكريم مرجع كل مسلم، ورأي الإمام ونائبه فيما لا نص فيه وفيما يحتمل وجوهًا عدةً، وفي المصالح المرسلة معمول به ما لم يصطدم بقاعدة شرعية، وكل أحد يؤخذ من كلامه ويرد إلا المعصوم.   وصفوة القول أن الدولة الإسلامية مدنية تتميز عن الدولة الدينية بأن الحاكم فيها بشر غير معصوم خاضع للمحاسبة والعزل إن أخلَّ بشروط الولاية، وهو يعتبر وكيلاً عن الأمة التي هي مصدر السلطات، كما رأينا وتتميز عن الدول المدنية الأخرى بأن مرجعيتها إسلامية، كما رأينا، والعبرة بالمسميات لا بالأسماء، وبالمعاني لا بالألفاظ والمباني. وعلى الله قصد السبيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل