المحتوى الرئيسى

الثورة والبناء

05/12 16:41

بقلم: د. ماهر أبو عامر ليس لدينا وقت، لا بد أن نبدأ معركة البناء, إنها بالفعل معركة تحتاج لجهد وعرق, يتطلع إلينا العالم كله ينتظر ما نقدم في الأيام القادمة.   كانت ثورتنا المجيدة قائمةً على مساحة كبيرة من الأخلاق والتسامح والتآخي كانت كما هتف الشباب (سلمية, سلمية)، والأيام القادمة لا بد أن يثبت الإنسان المصري للعالم كله مرةً أخرى أنه متحضر واعٍ يتمتع بقدر كبير من الأخلاق الحميدة.   شغلني في هذه الأيام ما يحدث في مصرنا الحبيبة من بعض أبنائها، بعضهم يبني وما زال هناك مَن يهدم، كنا نشكو من الظلم، وللأسف أصبح الكثير منا يظلم في محيطه ومهنته أو حرفته، الكل ينتهز الفرصة، ونشتكي من الأوضاع وبطء التغيير نحو الأفضل، ونحن نساهم في تأخُّر التغيير نحو الأفضل.   في النظام البائد كنا ننتظر خطاب الرئيس يوم عيد العمال.. ليس شوقًا لسماع هذا الخطاب.. ولكن: للمنحة يا ريس.. وفي هذا العام وبعد الثورة قلنا الحمد لله، ولكن!! المنحة يا ريس مَن يعطيني.. فكانت الزيادة.. وتبع ذلك تصريحات بالزيادة القريبة في المرتبات.. وكان السيناريو المتكرر في عهد الريس المخلوع.. زيادة مخيفة ومرهقة في الأسعار.. المواد الغذائية الضرورية.. المواصلات.. السولار... إلخ.   شغلني ما يُسمَّى بجهاز الأمن الوطني بديل جهاز أمن الدولة المنحل، وهالني كثيرًا ما تناقل عن ثقات أن جهاز الأمن الوطني هو هو نفس جهاز أمن الدولة، أي أن التغيير فقط في الاسم، ولكن الأفراد كما هم لم يتغير إلا رءوس الجهاز.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.   تذكرتُ الإمام البنا- رحمه الله- وحديثه الملهم عن البناء.. ورحتُ أقرأ رسالتهالمسماة "نحو النور".. ووجدت التجسيد الطيب للبناء الذي ننشده في هذه المرحلة.. فكان اختياري لهذه الكلمات المعبرة.   ليس في الدنيا نظام يمد الأمة الناهضة بما تحتاج إليه من نظم وقواعد وعواطف ومشاعر كما يمد الإسلام بذلك كله أممه الناهضة, ولقد امتلأ القرآن الكريم بتصوير هذه الناحية خاصة, وضرب الأمثال فيها بالإجمال تارةً وبالتفصيل تارةً أخرى, وعالج هذه النواحي علاجًا دقيقًا واضحًا لا تأخذ به أمة حتى تصل إلى ما تريد.   وأول طريق البناء.. بث روح الأمل في النفوس؛ حتى تسعى بهذا الأمل نحو البناء..   الإسلام والأمل تحتاج الأمة الناهضة إلى الأمل الواسع الفسيح, وقد أمد القرآن أممه بهذا الشعور بأسلوب يخرج من الأمة الميتة أمة كلها حياة وهمة وأمل وعزم, وحسبك أنه يجعل اليأس سبيلاً إلى الكفر والقنوط من مظاهر الضلال, وإن أضعف الأمم إذا سمعت قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ (القصص: 5-6).   وقوله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران: 139-140)وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّهِ فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ (2)﴾ (الحشر).   وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)﴾ (البقرة).   إن أضعف الأمم إذا سمعت هذا التبشير كله, وقرأت ما إليه من قصص تطبيقية واقعية, لا بد أن تخرج بعد ذلك أقوى الأمم إيمانًا وأرواحًا, ولا بد أن ترى في هذا الأمل ما يدفعها إلى اقتحام المصاعب مهما اشتدت, ومقارعة الحوادث مهما عظمت, حتى تظفر بما تصبو إليه من كمال.   الإسلام والعزة القومية وتحتاج الأمم الناهضة إلى الاعتزاز بقوميتها كأمة فاضلة مجيدة لها مزاياها وتاريخها, حتى تنطبع الصورة في نفوس الأبناء, فيَفْدُون ذلك المجد والشرف بدمائهم وأرواحهم, ويعملون لخير هذا الوطن وإعزازه وإسعاده، هذا المعنى لن نراه واضحًا في نظام من النظم عادلاً فاضلاً رحيمًا كما هو الإسلام الحنيف, فإن الأمة التي تعلم أن كرامتها وشرفها قد قدسه الله في سابق علمه وسجله في محكم كتابه، فقال تبارك وتعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: من الآية 110), وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: من الآية 143), ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (8)﴾ (المنافقون:8), لهي أجدر الأمم بافتداء عزتها الربانية بالدنيا وما فيها.   ولقد عملت الأمم الحديثة على ترسيخ هذا المعنى في نفوس شبابها ورجالها وأبنائها جميعًا, ومن هنا سمعنا: (ألمانيا فوق الجميع), (إيطاليا فوق الجميع), (وسودي يا بريطانيا واحكمي)، ولكن الفارق بين الشعور الذي يمليه المبدأ الإسلامي وبين الشعور الذي أملته هذه الكلمات والمبادئ, أن شعور المسلم يتسامى حتى يتصل بالله, على حين ينقطع شعور غيره عند حدِّ القول فقط من جهة, ومن جهة أخرى فإن الإسلام حدد الغاية من خلق هذا الشعور وشدد في التزامها, وبيَّن أنها ليست العصبية الجنسية والفخر الكاذب بل قيادة العالم إلى الخير, ولهذا قال تبارك وتعالى: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: من الآية 110).   ومعنى ذلك مناصرة الفضيلة ومقارعة الرذيلة واحترام المثل الأعلى وملاحظته عند كل عمل, ولهذا أنتج الشعور بهذه السيادة في السلف المسلم منتهى ما أثر عن الأمم من عدالة ورحمة, أما مبدأ السيادة في نفس الأمم الغربية فلم يحدد غايته بغير العصبية الخاطئة, ولهذا أنتج التناحر والعدوان على الأمم الضعيفة, فكان المبدأ الإسلامي أخذ خير ما في هذه الناحية, وأراد أن ينطبع بذلك أبناؤه, وجنَّبهم ما فيها من شر وطغيان, ولقد وسَّع الإسلام حدود الوطن الإسلامي, فالوطن في عرف الإسلام يشمل: 1- القطر الخاص أولاً.   2- ثم يمتد إلى الأقطار الإسلامية الأخرى فكلها للمسلم وطن ودار.   3- ثم يرقى إلى الإمبراطورية الإسلامية الأولى التي شادها الأسلاف بدمائهم الغالية العزيزة فرفعوا عليها راية الله, ولا تزال آثارهم فيها تنطق بما كان لهم من فضل ومجد, فكلُّ هذه الأقاليم يُسأل المسلم بين يدي الله تبارك وتعالى لماذا لم يعمل على استعادتها؟.   4- ثم يسمو وطن المسلم بعد ذلك كله حتى يشمل الدنيا جميعًا, ألست تسمع قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (الأنفال: من الآية 39).   وبذلك يكون الإسلام قد وفَّق بين شعور الوطنية الخاصة وشعور الوطنية العامة بما فيه الخير، كل الخير للإنسانية جميعًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: من الآية 13).   الإسلام والقوة الجندية وتحتاج كذلك الأمم الناهضة إلى القوة وطبع أبنائها بطابع الجندية, ولا سيما في هذه العصور التي لا يعيش فيها المسلم إلا بالاستعداد للحرب, والتي صار شعار أبنائها جميعًا: (القوة أضمن طريق لإحقاق الحق).   والإسلام لم يغفل هذه الناحية, بل جعلها فريضة محكمة من فرائضه, ولم يفرق بينها وبين الصلاة والصوم في شيء, وليس في الدنيا كلها نظام عني بهذه الناحية, لا في القديم ولا في الحديث, كما عني بذلك الإسلام في القرآن، وفي حديث رسول الله، وإنك لترى ذلك ماثلاً واضحًا في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (لأنفال:من الآية 60), وفي قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ (البقرة:216).وهل رأيت منشورًا عسكريًّا في كتاب مقدس يُتلى في الصلاة والذكر والعبادة والمناجاة، كهذا المنشور الذي يبتدئ بالأمر المنجز في قوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ﴾ ثم بيَّن الجزاء بعد ذلك: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (74)﴾ (النساء).   ثم يتلو ذلك باستثارة أنبل العواطف في النفوس، وهي استنقاذ الأهل والوطن فيقول: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75)﴾ (النساء).   ثم يوضح لهم شرف غايتهم ودناءة غاية عدوهم, ليبيَّن لهم أنهم يجودون بثمن غالٍ هو الحياة على سلعة غالية، وتربوا عليه وهي رضوان الله, على حين يقاتل غيرهم لغير غاية, فهم أضعف نفوس وأخزى أفئدة, فذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76)﴾ (النساء).   ثم يندد بالذين جنبوا عن أداء هذا الواجب, وأخذوا التكاليف السهلة وتركوا تكاليف البطولة, ويبين لهم خطأ موقفهم هذا, وأن الإقدام لن يضرهم شيئًا بل سيكسبون به الجزاء الكبير, والإحجام لا يغنيهم شيئًا، فالموت من ورائهم لا محالة، فيقول بعد الآيات السابقة مباشرة:﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (النساء:77-78).   بربك أي منشور عسكري في هذه القوة وفي هذا الوضوح يبعث في نفس الجندي كل ما يريد القائد من همة وعزة وإيمان؟؟   وإذا كان قوام الحياة العسكرية في عرفهم أمرين, هما النظام والطاعة, فقد جمعهما الله في آيتين من كتابه فقال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ (4)﴾ (الصف), كما قال تعالى: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ (20) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ (محمد:20-21).   وإنك إذا قرأت ما جاء به الإسلام في إعداد العدة واستكمال القوة وتعليم الرمي ورباط الخيل, وفضل الشهادة وأجر الجهاد وثواب النفقة فيه ورعاية أهله واستيعاب صنوفه, لرأيت من ذلك ما لا يحصيه الحصر, سواء في الآيات الكريمة أو الأحاديث الشريفة أو السير المطهرة أو الفقه الحنيف: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (98)﴾ (طه).   ولقد عنيت بذلك الأمم الحديثة فبنت نفسها على هذه القواعد, ورأينا أساس فاشية موسوليني ونازية هتلر وشيوعية ستالين أساسًا عسكريًّا بحتًا, ولكن الفرق بين ذلك كله وبين عسكرية الإسلام فرق عظيم؛ فإن الإسلام الذي قدس القوة هذا التقديس, وهو الذي آثر عليها السلم فقال تبارك وتعالى بعد آية القوة مباشرة: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (الأنفال: من الآية 61).   وهو الذي حدد ثمن النصر ومظاهره فقال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ (41)﴾ (الحج).   وهو الذي وضع أساس القانون الدولي الحربي فقال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58)﴾ (لأنفال).   ولأمر ما كانت وصية الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه من بعده لقواد جنودهم أروع مظاهر الرحمة والرفق: "لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا امرأةً ولا طفلاً ولا شيخًا كبيرًا، ولا تقطعوا شجرةً مثمرة، ولا تجهزوا على جريح، وستمرون بأقوام ترهبوا في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له".   كذلك كانت العسكرية في الإسلام، بوليس العدالة وشرطة القانون والنظام, أما عسكرية أوروبا الآن فقد علم الناس جميعًا عنها أنها جيش الظلم وجند المطامع, فأي الفرقين خير مقامًا وأحسن نديًّا؟   الإسلام والصحة العامة ولما كانت الأمم الناهضة في حاجةٍ إلى هذه الجندية الفاضلة, وكان قوام هذه الجندية صحة الأبدان وقوة الأجسام, فقد أشار القرآن إلى هذا المعنى في بيان قصة أمة مجاهدة تحفزت للنهوض بعبء النضال في سبيل حريتها واستقلالها وتكوين نفسها, فاختار الله لها زعيمًا قوي الفكر وقوي الخلق, وجعل من أركان نهوضه بعبئه قوة بدنه, فذلك ما حكاه القرآن الكريم عن بني إسرائيل في تزكيته طالوت: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (البقرة: من الآية 247).   ولقد شرح رسول الله هذا المعنى في كثير من أحاديثه, وحثَّ المؤمنين على المحافظة على قوة أبدانهم, كما حثهم على قوة أرواحهم, فالحديث الصحيح يقول: "المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف"، ويقول: "إن لبدنك عليك حقًّا"، ولقد بيَّن رسول الله للأمة كثيرًا من قواعد الصحة العامة وبخاصة في علم الوقاية, وهو أفضل شطري الطب، فقوله صلى الله عليه وسلم: "نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع" وتحريه فيما يشرب من ماء, وفي الحديث: "كان يستعذب الماء", ونهيه عن البول والتبرز في المياه الراكدة, وإعلانه الحجر الصحي على البلد المطعون وأهله, فلا يتركونه ولا ينزله غيرهم, وتحذيره من العدوى وطلب الفرار من المجذوم, وأخيرًا عنايته بكثير من فروع رياضة البدن كالرمي والسباحة والفروسية والعدو, وحثَّ أمته عليها وعلى العناية بها؛ حتى جاء في الحديث: "من تعلم الرمي ثم نسيه فليس مني", ونهيه نهيًا مشددًا عن التبتل والترهب وتعذيب الجسوم وإضوائها تقربًا إلى الله تبارك وتعالى, وإرشاد الأمة إلى جانب الاعتدال في ذلك كله, كل هذا ينطق بعناية الإسلام البالغة بصحة الأمة العامة، وتشديده في المحافظة عليها، وإفساح صدره لكلِّ ما فيه خيرها وسعادتها من هذا الجنب المهم.   الإسلام والعلم وكما تحتاج الأمم إلى القوة تحتاج كذلك إلى العلم الذي يؤازر هذه القوة ويوجهها أفضل توجيه، ويمدها بما تحتاج إليه من مخترعات ومكتشفات، والإسلام لا يأبى العلم، بل يجعله فريضةً من فرائضه كالقوة ويناصره، وحسبك أن أول آية نزلت من كتاب الله تعالى:﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)﴾ (العلق).   وأن رسول الله قد جعل من فداء المشركين في بدر أن يعلم أحدهم من الأسرى عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة, عملاً على محو الأمية, ولم يسوِّ الله بين العلماء وبين الجاهلين, فقال تبارك وتعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (9)﴾ (الزمر), وقد وزن الإسلام مداد العلماء بدم الشهداء, ولازم القرآن بين العلم والقوة في الآيتين الكريمتين: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123)﴾ (التوبة).   ولم يفرق القرآن بين علم الدنيا وعلم الدين، بل أوصى بهما جميعًا، وجمع علوم الكون في آية واحدة، وحثَّ عليها، وجعل العلم بها سبيل خشيته وطريق معرفته، فذلك قول الله تعالى:﴿أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً﴾، وفي ذلك إشارة إلى الهيئة والفلك وارتباط السماء بالأرض, ثم قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ وفي ذلك الإشارة إلى علم النبات وغرائبه وعجائبه وكيميائه, ﴿وَمِنْ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27)﴾، وفي ذلك الإشارة إلى علم الجيولوجيا وطبقات الأرض وأدوارها وأطوارها, ﴿وَمِنْ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾، وفيها الإشارة إلى علم البيولوجيا والحيوان بأقسامه من إنسان وحشرات وبهائم، فهل ترى هذه الآية غادرت شيئًا من علوم الكون؟ ثم يردف ذلك كله بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: 27-28).   أفَلَسَت ترى من هذا التركيب العجيب أن الله يأمر الناس بدراسة الكون ويحضهم على ذلك, ويجعل العارفين منهم بدقائقه وأسراره هم أهل معرفته وخشيته؟   اللهم فقه المسلمين في دينهم.   الإسلام والخُلق والأمة الناهضة أحوج ما تكون إلى الخُلق.. الخُلق الفاضل القوي المتين والنفس الكبيرة العالية الطموحة، إذ إنها ستواجه من مطالب العصر الجديد ما لا تستطيع الوصول إليه إلا بالأخلاق القوية الصادقة النابعة من الإيمان العميق والثبات الراسخ والتضحية الكثيرة والاحتمال البالغ, وإنما يصوغ هذه النفس الكاملة الإسلام وحده، هو الذي جعل صلاح النفس وتزكيتها أساس الفلاح، فقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾ (الشمس).   وجعل تغيير شئون الأمم وقفًا على تغير أخلاقها وصلاح نفوسها فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية11).   وإنك لتسمع الآيات البالغة في مفردات الأخلاق الكريمة، فتراها القوة التي لا تغالب في إصلاح النفوس وإعدادها وتزكيتها وتصفيتها, مثل قوله تعالى في الوفاء: ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ (الأحزاب: 23-24).   وفي البذل والتضحية والصبر والاحتمال ومغالبة الشدائد: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) وَلا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (121)﴾ (التوبة).   وليس كالإسلام عامل على إيقاظ الضمير وإحياء الشعور وإقامة رقيب على النفس؛ وذلك خير الرقباء، وبغيره لا ينتظم قانون ما إلى أعماق السرائر وخفيات الأمور.   الإسلام والاقتصاد والأمة الناهضة أحوج ما تكون إلى تنظيم شئونها الاقتصادية, وهي أهم الشئون في هذه العصور, ولم يغفل الإسلام هذه الناحية بل وضع كلياتها ولم يقف أمام استكمال أمرها, وها أنت ذا تسمع قول الله تبارك وتعالى في المحافظة على المال وبيان قيمته ووجوب الاهتمام به: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (النساء: من الآية 5)، ويقول في موازنة الإنفاق والدخل: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ (الإسراء: من الآية 29).   ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما عال مَن اقتصد" وهو كما يصدق في الفرد يصدق في الأمة مع قوله صلى الله عليه وسلم: "نعم المال الصالح للرجل الصالح", وأي نظام اقتصادي فاضل يرحب به الإسلام ويدعو الأمة إلى تشجيعه ولا يقف أبدًا في سبيله, والفقه الإسلامي مملوء بأحكام المعاملات المالية, وقد فصلها تفصيلاً لا يدع زيادة لمستزيد.   وبعد: فإن الأمة إذا توفرت لها هذه الدعائم من الأمل والوطنية والعلم والقوة والصحة والاقتصاد فهي بلا شك أقوى الأمم والمستقبل لها, ولا سيما إذا أضيف إلى ذلك أنها قد طهرت من الأثرة والعدوان والأنانية والطغيان, وأصبحت تتمنى الخير للعالم كله, وإن الإسلام قد كفل ذلك فلا حجةَ لأمةٍ تريد النهوض في النكول عنه والعدول عن طريقه.   هذا: ولنا أن نقول: لا بد من البناء المنضبط القائم على: - الوضوح والشفافية، وتجنب الغموض والانفراد بالرؤى والتصورات، لا بد أن تشارك كل المؤسسات في صناعة بناء جديد متماسك ومترابط، مبني على الشورى وعدم الإقصاء، وعدم الانفراد بالقرارات والاختيارات الفردية البعيدة عن صناع الثورة.   - لا بد من الصدق والإخلاص لنصل إلى مرحلة الخلاص من كل ما يسيء لثورتنا المجيدة.   - لا بد من وجود جهاز الأمن الذي يكفل الحرية، ويحقق الأمان لكلِّ أبناء الوطن، ويسعى لخدمتهم لا لخدمة ذاته، وتحقيق الشرطة في خدمة الشعب.. والرئيس في خدمة الشعب.. في خدمة الشعب والوطن الحبيب.   - لا بد من محاربة الجشع وجنون الأسعار، وسُعَار المؤسسات الخدمية.. المواصلات وغيرها.   - لا بد من مراجعة خطة التعليم، ومناهج التعليم، والمؤسسة التعليمية بكلِّ أجنحتها.   - لا بد من صياغة جميع الأجهزة- وفي مقدمتها جهاز الشرطة- صياغة قيمية تتناسب مع ثورتنا المجيدة، ويستعان بذلك بعلماء الأزهر، وعلماء التربية والنفس وغيرهم.   - لا بد من تحقيق العدل بكلِّ صوره بين أبناء الوطن.   - لا بد من الشفافية والصدق في كلِّ شيء يخص الوطن ومستقبله وحاضره.   وختامًا: هذا طريقنا نحو البناء.. فهل نشارك معًا في البناء؟؟ وهل يجمعنا حب الوطن؟؟ وهل ننحي ذواتنا جانبًا وننطلق نحو البناء؟؟   الله أسأل أن يستخدمنا لخدمة الوطن والأمة، وأن يوحد كلمتنا ويجمع شملنا، ويحقق آمالنا، وأن يجعل لنا من أمرنا رشدًا.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل