المحتوى الرئيسى

الثورة وتهديدات النخبة السياسية

05/12 16:54

بقلم: فاطمة أبو زيد شاع هذه الأيام الحديث عن المخاطر التي تواجهها الثورة المصرية من عودة فلول النظام السابق والوقيعة بين الثوار والجيش، ومكائد ضباط جهاز أمن الدولة المنحل وغيرهم، وهذه المخاطر رغم أهميتها إلا أن معرفتنا بها واستعدادنا لها يشكل صمام أمان للثورة يحفظها ويحميها، أما الخطورة الأكبر فتكمن في مصادر تهديد الثورة التي لا ندركها ولا نؤمن بها، وأرى أهمها في اللحظة الحالية ومنذ بدء تحقق مطالب الثورة هو سلوك العديد من أفراد النخبة السياسية في مصر.   وأقصد بالنخبة السياسية قيادات القوى المختلفة من أحزاب وحركات وغيرها والأكاديميين والمفكرين السياسيين، إضافةً إلى الناشطين الجدد في الحياة السياسية المصرية، فهذه الأطراف المختلفة المعنية بالعمل السياسي يفترض لها في هذه المرحلة الحساسة من تطور الثورة ووضع أسس الحياة السياسية في مصر لفترة طويلة أن توجه حالة الحراك السياسي، وتقود جموع المواطنين إلى أفقٍ تعاوني وبناء وديمقراطي، إلا أنها في الواقع تسير في اتجاه آخر.   فأداء النخبة السياسية عن قصد أو غير قصد يعيد إلى الأذهان أساليب النظام السابق، ويستخدمها في التعامل مع الحياة السياسية بشكلٍ يثير المخاوف على منجزات الثورة ذاتها، فقد كان النظام السابق يضع المواطنين على الهامش ويتولى إدارة العملية السياسية كحق خاص له في مواجهة جماهير يراها جاهلةً غير قادرة على المشاركة في بناء الرؤى والسياسات، فكان يسفِّه من صوت المواطن بتزويره الانتخابات، ومنع حرية التعبير وغيرها، ويتعامل مع حقوق المواطنين السياسية من منطلق كونها منحة من النخبة الحاكمة يجب على المواطنين التعامل معها بامتنان، والالتزام في مقابلها بالشروط المصاحبة لها، وكان النظام يقيم حالةً من الاستقطاب بين طرفين متقابلين أحدهما يمثله الحزب الوطني باعتباره صاحب الشرعية والحقوق في مقابل ما عدا ذلك من أطراف، كما اعتمد أسلوب الإقصاء تجاه بعض القوى فحرمها من حقها في ممارسة العمل السياسي وخاصةً جماعة الإخوان المسلمين اعتمادًا على تخوين هذه القوى، واتهامها بالرغبة في القفز على الحكم، والعمل لمصلحة أهداف شخصية، وإذا كانت هذه الأساليب قد عاشت طويلاً في كنف النظام السابق ويُعَدّ رفضها من أهم أسباب ثورة 25 يناير، فإنها وللأسف عادت لتظهر من جديد في سلوك العديد من أفراد النخبة السياسية القائمة رغم أننا في كثيرٍ من الأحيان لا نراها ولا ندرك خطورتها، وهنا سأركز على خمس نقاط شديدة الأهمية.   أما النقطة الأولى فتتمثل في تصور النخبة (الحاكمة إعلاميًّا) لاحتكارها الرؤية السياسية الصائبة، والفهم الصحيح لما هو أصلح للحياة السياسية في مصر، والتعامل مع الجماهير وكأنهم غير راشدين سياسيًّا، وتجب الوصاية عليهم من النخبة التي تدرك المصلحة الحقيقية لهم، فالمتأمل في خطابات النخبة وتحليلاتها عقب عملية الاستفتاء على التعديلات الدستورية يجد في كثيرٍ منها قدرًا كبيرًا من الاستهانة بمنطق الأغلبية، والتشكيك في قدرتهم على اتخاذ القرار الصحيح، واتهامهم بالانسياق الأعمى وراء الشعارات الدينية؛ وذلك رغم أن المنطق الحقيقي وراء اختيارهم كان تحقيق قدر أكبر من الاستقرار والبدء في بناء نظام جديد وهو منطق له وجاهته حتى في حالة رفضه، وإذا كانت النخبة السياسية قد استدلت من نتيجة الاستفتاء على تراجع الوعي لدى عامة المواطنين، فإن ما يستدل منها حقيقة هو انفصال النخبة تمامًا عنهم، ففي الوقت الذي كانت فيه النخبة تحاور نفسها وتصل من ذلك الحوار إلى أن الإجماع الوطني يسير في اتجاه رفض التعديلات، جاء قبول التعديلات بأغلبية كبيرة ليشير إلى أن النخبة لم تنجح في أن تعبر عن الجماهير وتتبنى رؤاهم، كما لم تنجح في إقناعهم بما رأته الاختيار الأصوب، وإذا كان الوعي السياسي للجماهير في بلد يبدأ حياته الديمقراطية يعاني من نقصٍ في الخبرة، فإن النخبة نتيجة لحداثة العمل السياسي الحقيقي ينقصها أيضًا الكثير من التجارب والخبرات، وبتسليمنا بضرورة اضطلاع النخبة بدورها في تطوير الوعي السياسي للجماهير؛ فإن جوهر هذا الدور يتمثل في تشكيل هذا الوعي وتوجيهه لا الحجر عليه وسلب حقه في خوض التجربة الديمقراطية والتطور معها.   أما النقطة الثانية فتتمثل في إنشاء حالة استقطاب في النظام السياسي وهو ما ظهر مع بدء الحديث حول التعديلات الدستورية ولم ينته بانتهائها، فعلى الرغم من أن الموافقة على التعديلات أو رفضها لا يعدو كونه اختلافًا في الرؤى حول الطريق الصحيح للوصول إلى هدف واحد هو إعادة بناء النظام السياسي على أسس ديمقراطية، إلا النخبة بدأت في ممارسة عملية تصنيف بناءً على الموقف من هذا الاختيار، ووضعت أطرًا تحدد هوية الموافقين والرافضين، وقامت على أساسها بتقسيم المجتمع وتكتيله؛ ما جعل البعض يتخذون موقفهم بناءً على هذا التقسيم وليس نتيجة لرؤية موضوعية للقضية، ولم يتوقف ذلك على موضوع التعديلات الدستورية، وإنما امتدت حالة الاستقطاب بعد انتهائه من خلال الترويج لفكرة تقسيم المجتمع تقسيمًا حادًّا إلى قطب علماني وقطب ديني.   وفي إطار ذلك دعا البعض التيار الليبرالي واليساري بمنتهى الوضوح إلى تكوين جبهة واحدة في مواجهة القوى التي تتبنى المرجعية الإسلامية في العمل السياسي، رغم أن كثيرًا منها يتبنى الدولة المدنية وكلِّ أوجه العمل السياسي المدني، ومع استمرار تكريس هذه الرؤية وترويجها نجد أمامنا مجتمعًا منقسمًا بشكل زائف انقسامًا يلغي القواسم المشتركة بين القوى المختلفة ويوجد حالة مصطنعة من التطرف الحاد في اتجاهين يتواجدان أساسًا في مخيلة النخبة وليس على أرض الواقع الذي يشهد وسطية كبيرة لدى الجماهير التي ترفض التصور الثيوقراطي للدولة، وللعمل السياسي عامة في الوقت الذي تتمسك فيه بثوابت الدين كجزء لا ينفصم عن المجتمع بمختلف أنشطته.   أما النقطة الثالثة فتتصل بعملية التخوين التي تمارس بشكل مستمر من خلال الاستسهال في بناء الرؤى ودعم المواقف اعتمادًا على تخوين من يتبنى رؤى مغايرة، فعلى الرغم من أن القوى السياسية الوطنية المختلفة خلال الأيام الأولى للثورة اتفقت على أهدافها وتوحدت في تنفيذها، إلا أن تنوع الآراء تجاه تطور بناء الثورة وتحقيق أهدافها جعل البعض يشكك في إخلاص ووطنية أصحاب الرأي الآخر، ويدفع بتهمة الأجندات الخاصة والمصالح المستقلة والانقلاب على الثورة، ومع أن أي نظام ديمقراطي يقوم على وجود تنوع في الأفكار والآراء والتصورات ويقدم آليات التعامل مع هذا التنوع، ويفرض أدبيات إدارته إلا أن ذلك غاب عن أذهان الكثيرين متصورين أن هناك رأيًا واحدًا صائبًا وأن ما عداه من آراء هي آراء مغرضة وخائنة وذاتية، إن محاولة التوفيق بين الآراء المختلفة والبحث عن المشترك والتعاون في إنجازه هي ضرورة يجب أن يدركها الجميع، خاصة في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية يجب فيها تنحية الخلاف واعتماد التعاون كأسلوب للعمل المشترك.   أما النقطة الرابعة فتتصل بالموقف إزاء جماعة الإخوان المسلمين، فهناك إعادة إفراز لواقع إقصاء الجماعة الذي اعتمده النظام السابق كوسيلة لمواجهة قوة الجماعة التنظيمية، وشعبيتها الجماهيرية، ورفض دمجها في النظام السياسي الناشئ بدرجات متفاوتة وتحت شعارات مختلفة، ورغم أن هذا الأسلوب لا تعلنه القوى السياسية دائمًا بشكل صريح إلا أنها تصوغه في مواقف عديدة يبدو أبسطها في خطاب هذه النخبة فيما يتصل بجماعة الإخوان المسلمين، وهو الخطاب الذي يثير في كثير من نقاطه العجب أكثر مما يثير الاستنكار، فبداية يستخدم مصطلح القوى المنظمة للإشارة إلى الجماعة في سياقات تعطي الانطباع بأن التنظيم يعد اتهامًا تواجهه الجماعة بالرغم من أن هذا التنظيم جاء نتيجة لتاريخ طويل من النضال السياسي، وهو ما يستدعي إلى الذهن استخدام النظام السابق لمصطلح المحظورة للإشارة إلى الجماعة، وكأنه ليس هناك اسم معتمد للجماعة تعبر به عن نفسها وتعرف به في العالم كله، وكذلك توجيه النقد الدائم والمتواصل بل والمتعارض أحيانًا تجاه مواقف الجماعة إلى درجة تجعل من الصعب تصور الشكل المطلوب للسلوك السياسي للجماعة.   ومن ذلك أيضًا الاتهام الدائم للجماعة بأنها تسعى للقفز على الثورة وتحقيق أهدافها الخاصة على حساب الحياة السياسية في مصر، وغير ذلك من الممارسات الإقصائية والتي تعيد إنتاج نموذج فزاعة الإخوان المسلمين وتجعل من الجماعة دائمًا طرفًا غير مرغوب فيه في الحياة السياسية المصرية رغم ما للجماعة من دور لا يمكن لمعارضيها أو مؤيديها إنكاره في النضال السياسي والاجتماعي في المجتمع المصري على مدار عقود طويلة، ورغم أن هذه الحقيقة كثيرًا ما يعترف بها إلا أن ذلك الاعتراف عادة ما يأتي في بداية عبارة تتوسطها كلمة "لكن" وتنتهي بالهجوم على الإخوان المسلمين بشكل لا يناسب الاعتراف بها.   وأخيرًا يأتي أسلوب المنحة الذي يستخدمه الكثيرون من أفراد النخبة السياسية في مصر في التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين، فمن المعتاد الآن أن يؤكد أي مفكر أو ناشط سياسي أنه كان من أشد المناضلين من أجل حقوق الإخوان المسلمين في العمل السياسي، ومن أكثر الرافضين للقمع الذي كانوا يتعرضون له، ولذا فعليهم أن يدركوا- وفقًا لقوله - ضرورة التزامهم بمبادئ الحياة المدنية والديمقراطية، وعدم إساءة استخدام مناخ الحرية الجديد، وضرورة العمل من أجل الوطن، وتنحية مصالحهم الخاصة إلى غير ذلك من التزامات.   وما يثير الدهشة أن كثيرًا منهم تشهد كتاباتهم وحواراتهم- وهي موجودة ويسهل الاستدلال بها- أنهم لم يدعموا أبدًا موقف الإخوان المسلمين، ولم يناضلوا من أجلهم، بل إن بعضهم كان من أهم أسلحة النظام السابق في مواجهته مع الجماعة، كما أنه من المعروف للجميع أن الإخوان لم يركنوا إلى الراحة ويكلفوا آخرين بالنضال من أجلهم، بل كانوا على مدار عقود طويلة يدفعون من حريتهم وأموالهم وأوقاتهم وجهودهم ثمنًا باهظًا لهذه الحرية التي أرادوها للمجتمع كله وليس لأنفسهم فقط، وحصلوا مع غيرهم من المناضلين الشرفاء على ثمرتها في صورة مناخ يدعم المشاركة السياسية، ويضمن عدم التزوير، ويكفل كرامة المواطن وغيرها من مظاهر المجتمع الديمقراطي، وليس في صورة مكاسب خاصة لهم، إن أسلوب المنحة المشروطة التي يجب شكرها هو أسلوب مرفوض تمامًا، وإن التزام الجماعة بهذه الشروط اللازمة لأي نظام ديمقراطي لا ينبع من حفظ الجميل لهؤلاء المتحدثين وإنما من إيمان الجماعة بهذه المبادئ والتزامها الذاتي بها لمصلحة مصر والمصريين.   إن استمرار انتهاج هذه الأساليب في التعامل مع واقع الحياة السياسية لا يعيدنا فقط إلى ما قبل 25 يناير، بل يهدد باستحالة قيام نظام ديمقراطي حقيقي في مجتمعنا ليس في الوقت الراهن فقط ولكن لفترة طويلة قادمة، ومن هنا يجب على النخبة السياسية أن تكون على مستوى المسئولية وأن تنأى بنفسها عن ممارسات المراهقة السياسية، وأن تدرك حجم العمل المطلوب للوصول إلى مستقبل يرضي طموحات الجماهير التي يفترض للنخبة أن تعبر عنها وتسعى لتحقيقها.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل