المحتوى الرئيسى

إلى الدكتور شرف.. بعض الاختيارات كارثية!

05/12 10:01

بقلم: المستشار/ فؤاد راشد جميلٌ أن يطلَّ الدكتور عصام شرف على الناس بوجه طيب نبيل, وجميل أن يبدي تواضعًا، فيتجه بأسرته إلى مطعم شعبي لتناول الفول مع المصريين, ورائع أن تتجه إلى مكتبه سيدة عجوز، فيحمل لها الحذاء في أدب جم, كل ذلك عظيم.. ولكنه لا يكفي.   إن المتابع لقرارات رئيس الوزراء يجد ما يريح الصدر، وهو مفترض بديهي؛ ولكنه يجد أيضًا ما يزعج وما يشعل الصدر نارًا, بل يجد أمورًا تستعصي على الفهم.   يعلم الدكتور شرف أن ثورة قامت على ضفاف النيل, وأن مصريين استشهدوا، وأن آلافًا منهم أُصيبوا بعاهات أبدية، بعضها فَقْد إبصار إحدى العينين, ويعلم أن المصريين مستعدون اليوم لفعل ما يخطر وما لا يخطر على البال؛ لنيل ما سُلِبَ من حقوقهم, ويعلم أن الناس في حالة يقظة دائمة، وأن الظرف يوجب التحوط البالغ عند كلِّ قرار.   وإذا كان الرجل يعلم فما بال بعض اختياراته كارثية؛ حتى إننا لو فرضنا جدلاً أن إنسانًا دخل في غيبوبة قبل يوم تفجُّر الثورة، ثم أفاق اليوم وعلم ببعض الأسماء التي عهد إليها ببعض الملفات المهمة أو المناصب لما خالجه الشك في أن مبارك لا شرف هو من أصدر القرارات.   ألا يعلم رئيس الوزراء أن المصريين كفوا وإلى الأبد عن تفويض أحد كائنًا مَن كان في أمورهم دون رقابة ومحاسبة؟   إن بعض وزراء شرف كانوا أعضاءً بارزين في لجنة السياسات, وكما أن مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمن, فإن مَن دخل لجنة السياسات فهو مؤيد للتوريث؛ لأن لجنة السياسات هي باب جهنم لدور الوريث، أعني المتهم جمال مبارك أحد زعماء التشكيل الإجرامي لنهب مصر, وكما أنه لا يعبد الإنسان الله والمال معًا, فإنه يستحيل على امرئ أن يخلص الحب للوطن ويؤمن بالتوريث لشخص رائحة فساده تزكم الأنوف معًا، وليس بوسع أحد أن يدعي أنه كان يجهل فساد عائلة مبارك؛ لأن الثعابين في الشقوق والطير في السماء وحيتان البحار كانت تعلم! فهل عقمت مصر ولم يعد إلا أعضاء لجنة السياسات يا حضرة رئيس الوزراء؟   ثم نأتي إلى تعيينات المحافظين التي كانت نكبة من نكبات العهد الثوري, فالبعض ملاحق بقضايا فساد مالي، والبعض ملاحق باتهامات بالتعذيب والقتل، والبعض لفظه أبناء محافظته فنُقِلَ إلى محافظة أخرى هنيئًا مريئًا, فهل عقمت مصر يا حضرة رئيس الوزراء فلم تجد محافظين يصلحون إلا مَن تلاحقهم الشبهات؟   وربما قال قائل إن الأمر ليس سوى اتهامات لم يسجلها بالإثبات حكم قضائي، ولكنه قول لا يصمد للنقاش؛ لأن الشرط البديهي للموظف العام، ولو كان في أدني درجات سلم الوظيفة هو حسن السمعة، وهو أمر يستحيل توافره مع إعلان مئات الآلاف رأيهم ساخطين على هذا أو ذاك, ثم إننا لسنا في مقام محاكمة أحد حتى ننتظر توافر الدليل؛ لأن البلد زاخر بكفاءات لا تلاحقها أدنى شبهة, فلماذا لا ندع ما يريب إلى ما لا يريب؟!   لقد صعقتُ لمَّا قرأتُ خبر تعيين أحد خلصاء زعيم العصابة مبارك في موقع مهم, ورحت كغيري أضرب كفًا بكفٍّ مذهولاً، متسائلاً ترى مَن أشار بهذا الاختيار العجيب الذي يصح فقط في باب الكوميديا السوداء!   ونختم "بأم المصائب", وبالرغم أن من طبيعتي ولدواعي انتمائي للقضاء ما يجعلني أتحاشى ذكر أشخاص بعينهم؛ فإنني مضطر اضطرارًا أن أقف عند ترشيح مصر للدكتور مصطفى الفقي كأمين عام للجامعة العربية.   لا أحد يشكك في الأهلية العلمية للرجل, فهو متحدث واعٍ، ومثقف بارز، ونزعته القومية مسلمة، ولكن ذلك وحده لا يكفي على وجه الإطلاق, لأن هناك أمورًا أحاطت بالرجل جعلت مروره إلى المنصب أمرًا باهظ التكاليف؛ لأن ما أحاط به هو عبء ثقيل عليه وعلى مصر معًا.   ودعونا من أن الرجل كان موضع ثقة مبارك، وأنه عيَّنه في مجلس الشورى بقرار، مما يقطع برضاه عنه, ودعونا من دوره في المجلس القومي للمرأة، وما يقال من كتابته خطب زوجة زعيم التشكيل العصابي وأم اثنين من زعماء التشكيل الإجرامي لنهب مصر وإذلال أهلها, فضلاً عما تحمله الأيام عنها هي أيضًا ومالها وما تملك ومكتبة الإسكندرية وغيرها, دعونا من كلِّ ذلك وما على شاكلته؛ لأن هناك جهيزة التي تقطع قول كل خطيب, وجهيزة هنا هي واقعة مقعد مجلس الشعب في انتخابات العام 2005م، وما شهد به كل القضاة المشرفين على دائرة زاوية غزال بالبحيرة من فجائع وفضائح بالجملة يندى لها الجبين, منتهاها أن الرجل أحرز نحو ربع الأصوات التي أحرزها منافسه، وبالتحديد حصل على نحو سبعة آلاف صوت، فيما حصل منافسه الدكتور جمال حشمت على نحو خمس وعشرين ألفًا، ومع هذا أُعلن فوز الفقي وجلس على المقعد، ونال مالاً وسلطةً جرَّاء ذلك، وهو ما لا يحل له شرعًا ولا قانونًا!   تحاشيت إذن ما يقبل القول والرد مما نُسب إلى المرشح للجلوس على كرسي عبد الرحمن باشا عزام, ومن اللافت أن عزام باشا أمضى حياته محاربًا ضد الظلم؛ حتى إنه حمل السلاح ليحارب الاستعمار الإيطالي في ليبيا معرِّضًا حياته للخطر، وقبلها دافع مع محمد بك فريد عن استقلال مصر، وقد تمَّ اختياره بالإجماع من أمة بني يعرب من محيطها لخليجها؛ ليكون أول أمين عام للجامعة العربية, بينما لم يقُل الدكتور مصطفى الفقي طوال حياته "لا" ولا مرة واحدة؛ حتى من باب ذرِّ الرماد في العيون, وكان ذكاؤه المشهود بوصلته الدائمة لتحاشي مواطن الخطر, وعلى سبيل المثال فإنه لم يقفز من سفينة مبارك إلا بعد أن تحقق من هلاكها, وقفز ببراعة أشهد لها ويشهد الجميع!.   وأقول للدكتور مصطفى الفقي ولمن رشَّحه: إن المرء يخطئ أحيانًا خطأ عمره في لحظة اختيار قاسية, وبعدها يمضي بقية العمر في محاولات يائسة للإصلاح دون جدوى, وللتذكرة وحدها فقد ترافع الهلباوي بك ضد شهداء دنشواي، وبعدها أمضى بقية عمره، في محاولة محو فعلته النكراء دون جدوى, ونصيحتي للدكتور الفقي أن يتنحَّى من تلقاء نفسه؛ لأن كرسي جمال حشمت سوف يظل يلاحقه حتى لو جلس على كرسي عبد الرحمن باشا عزام!.   ونصيحة مخلصة للدكتور شرف: دقِّق في اختيار مَن تختار، ومَن يشير عليك أصلاً بالاختيار؛ حتى لا نجد أننا في النهاية قد استنسخنا نظام مبارك في ثوب جديد!.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل