المحتوى الرئيسى

دعوة مهلكة مزدوجة

05/12 08:20

ما يجرى فى وطننا هذه الأيام شديد الغرابة ويبعث على الحيرة وربما الفزع.. وقد عبَّر عن كل هذه المشاعر أكثر من كاتب، وشاركتهم بقلبى وعقلى مخاوفهم، ولكن من بين كل أسباب الخوف والهلع تلك «الدعوة» إلى الولايات المتحدة بالتدخل لحماية الأقليات وتلك دعوة مباشرة عبر عنها بضع مئات أو آلاف من الأقباط الذين تظاهروا أمام السفارة الأمريكية فى القاهرة، ويعكس هذا التصرف الغريب شعور التوتر وعدم الإحساس بالأمان الذى تسرب إلى نفوس عديدة من جراء الفلتان الأمنى من جهة، ومن جهة ثانية نتيجة تصاعد الخطاب الإقصائى المعيب الذى لا ندرى كيف يسمح له بالظهور عبر وسائل الإعلام تحت ذريعة حرية الرأى والديمقراطية الوليدة.. وهذا تبرير فى غاية الخطورة، حيث يستحيل أن تسمح دولة ديمقراطية بـ«حرية» ازدراء الأديان وتجريح أصحاب العقيدة المختلفة، فهل عندما يصرح «شيخ» من تيار يخلع على نفسه صفة الإسلام بعبارات تسىء إلى قطاع من المواطنين يندرج ذلك تحت بند حرية الرأى؟ وهل عندما يهاجم «شيخ» شعار وحدة الهلال والصليب ويعلن أن مصر فيها هلالاً فقط، وأن أهل الصليب (ويقول أحيانا النصارى) عليهم دفع الجزية أو الرحيل، ثم يضيف (كما جاء فى عمود كاتبنا الكبير جمال الغيطانى «إمارة الإسكندرية» بصحيفة الأخبار) أن المسلمين سيزحفون عليهم فى كل مكان لتحرير كاميليا والانتقام لسلوى، يمكن قبول كلامه هذا، بعد أن أطلقت الثورة حرية التعبير؟!.. ألا يصنّف هذا الكلام، وكذلك ما أعلنه آخر قائلاً: لن نكون رجالا إذا لم نحرق جميع كنائس إمبابة، بأنه تحريض على القتل إن لم يكن شروعاً فى قتل؟! ومن نصب هؤلاء للحديث باسم الدين والدولة والمجتمع وكأنهم هم الذين قاموا بالثورة وقدموا الشهداء والمصابين الذين لم يعتبروهم «إخوة» مثل كاميليا وعبير وغيرهما! وهل سحب أصحاب هذا الخطاب «اعترافهم» بالدولة بعد سقوط «الرئيس» السابق حسنى مبارك؟ غير أن أخطر ما فى هذا الخطاب المرعب أنه - فى رأيى - دعوة غير مباشرة للتدخل الأجنبى.. إذ يصعب أن يعثر من يريد التدخل على حجة أبلغ من حجة «حماية الأقليات؟!» من تلك التى تهدد بالزحف عليهم وحرق كنائسهم، فذلك هو أبشع صور الاضطهاد وأكثرها وضوحاً.. المثير للانتباه أن لجنة الحريات الدينية الأمريكية صنفت مصر فى مقدمة دول القائمة السوداء فى «اضطهاد الأقليات» وساعتها قد يستعذب البعض الشعور بالرجولة، ويحصل على شهادة «مضروبة» بأنه رجل! والأكيد أن أى تدخل خارجى، لا قدر الله، لن يوفر لا مسلماً ولا مسيحياً، والدعوة المزدوجة من هذا الطرف أو ذاك هى أسوأ كابوس يمكن تصوره بعد ثورة عظيمة أذهلت العالم وأعادت لمصر وجهها المضىء.. ومن ثم ليس مقبولا ولا مسموحا أن نترك أمثال هؤلاء يعبثون بسلامة وطننا ويقدمون للعدو الإسرائيلى ومن هم وراءه ذريعة تخريب مصر أياً كان الشعار الذى يرفعونه.. وليس لدعوتهم المشبوهة تفسير آخر!!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل