المحتوى الرئيسى

على فراش العودة..بقلم:نعمان الاشقر فلسطين

05/12 00:05

كطيف جميل، يستحضر داوود "التسعيني" ذكريات طفولته صوراً بألوان قوس قزح، منها ما رُوي له، فحاك منه أحداثاً بين واقع وخيالي، ومنها ما عايشه فكان يقيناً يتشبث بذاكرته التي تزداد صلابةً كلما وهن العظم، وغزا المشيب كل ذرة فيه. كان شتاءً دافئا رغم برده القارس، فمريم ذات العيون العسلية والشعر الأشقر كانت تتابع نمو بطنها وحركة جنينها الذي ينبؤ عن طفل شقيٍ، هو بذرة زواج أحمد من ابنة عمه مريم، إذ ربيا معاً وطاف قلباهما حول حجارة اخضرت من من عرق الفلاحين ودمائهم، كان داوود يرفس بأقدامه، ويطرق جدار الرحم حاثاً خطاه لتراب خريش، ومع اشتداد الشتاء بدأ داوود يعلن اقتراب حضوره، مشفقاً على والدته التي كانت تتلوى ألماً وتصطك أسنانها برداً، جاء من عالم الغيب، إذ تفوق على الريح التي كانت تلفح وجهه بعد أن تتسلل من النافذة الخشبية المرثاة ببضع خرق، من ثنايا عباءة مريم أطل ورفعت دعوات وأيادٍ إلى السماء، بانت ملامحة وتشكلت بعد حين، وقد بهر الجميع بعيونه الخضراء الصافية وشعره الذهبي، كان ينظر لمن حوله وهو يدرك ولا يدرك وينتظر الولوج للجنة القابعة خلف الباب، تراب خريش وحجارتها التي خانت توازنه في عهده الأول مع المشي، لم يسمح والده بتعزيل حوش البيت ليكون الولد صلباً، فترك هناك داوود قطرات من دمه التي نزّت من قدميه أحياناً ومن ركبتيه أحياناً أخرى، وعلق بتراب خريش بعض دمعه وشهقات رضيع، هو يتذكر ولا يتذكر، لكنه يرى تلك الصور في مخيلته، ويجزم بأنه يحفظ موقع كل حجرٍ تعثر به، ويستطيع رسم شكل الغيمات التي كانت تطل من ثقوب السماء كجزة صوفٍ كالتي يقصها عمه عن بعض خرافه، أما والده فكان "بائع متجول" يجوب كل البلاد حارةً وزقاقاً وهو يرافقه ويرسم بخطوات والده مهنة المستقبل، إذ ورث عنه الصوت الجهوري والرقة في التعامل مع الناس، لبيع القماش وبعض حلي النساء اللاتي يتهافتن ليكملن زينة حياتهن التي لم ينقصها "هداة البال"، فجاب في شبابه كفر سابا، ومسكة، ويافا، وحيفا، وسلمة، وبيار عدس، والشيخ مونس، وكفر قاسم، واللد، والرملة، ومدن الضفة الغربية حالياً، إذ كان يجول النهار كله ثم يبيت في ديوان البلدة التي تغيب عليه شمسها. لا يستطيع داوود كبح دموعه التي تجتاح خضار عينيه كلما ذكر "البلاد"، التي تطل من ذاكرته أسطورة انتهت به لاجئاً على أطراف بلدة كفر ثلث. بعد أن سرت أنباء المجازر التي كان الجماعات اليهودية ترتكبها بحق الفلسطينيين، "خطف" طفلته وحث الخطى وزوجته وأهل خريش، تاركين نار القدور مشتعلة، وماشيتهم بلا "علف" وملابسهم القليلة في "طشت الغسيل"، و"اللجون" تطفح بالعجين الذي ينتظر خابزيه ليبزغوا بعد ساعات أو أيام، أو أسابيع قليلة على الأكثر، لم يحملوا شيئاً سوى المفاتيح، إذ أن "العقد" الذي كانوا يستترون فيه من البرد والقيظ، لن يمسه السوء، فهو لهم، إذ انغمس بتبنه وحوَّره عرقهم، رغم هشاشة الأبواب والنوافذ إلا أنها ستبقى بانتظارهم، لتنفتح فقط بأيديهم، هذا ما هوّن عليهم النزوح المؤقت-الطويل، ولم يستيقظوا إلا على حقيقة النكبة التي أودت بأحلامهم وبيوتهم وبياراتهم وحكمت بها مؤبداً تحت اسم "دولة إسرائيل". ما يزال داوود يمعن ببصره الضعيف صوب الغرب، إذ تغفو خريش على ركامها الذي يشهد على همجية المحتل، خريش قائمة ببقايا "عقودها"، لكن هويتها تتبع "دولة إسرائيل"، فلن يحقق من تبقى من أهلها رغبة تعبئة رئتيهم من هوائها، أو "سرق" بعض الذكريات التي ستطل من خلف صبارها وحجارتها المحشوة بأسرارهم. لم يبق من الحاج داوود سوى ذهنٍ صافٍ تلاحقه "البلاد" وذكريات الصبا من خلاله، وكومة "عظام" يأمل بأن تعود أخيراً حيث والده وجده، ورغم الاستقرار الذي ينبأ به الوضع الفلسطيني الراهن، إلا أن الحاج ما يزال يتوقف عند كل هجمة يهودية ومجزرة واضعاً يده على قلبه الهش، محذّراً من هجرة جديدة، يقول ذلك ويوصي بأن لا يترك أولاده البلاد هذه المرة مهما كان الثمن، إذ أن الحسرة التي ستعشش فيهم لن تُردَم مهما طال الزمن. لكن أملاً يتسلل إليه كلما تذك "الزعمطوط"، و"اللسان" و"الزعتر البري" و"الميرمية" و"الخبيزة"، و"اللوف" و"البقلة"، ورغم وجود تلك الأعشاب في معظم الريف الفلسطيني، إلا أن نكهتها من "البلاد" كانت "غير"، مهما تحايلت زوجته في طريقة الطهي. يوصي الحاج أبنائه ان "يزيتوا" المفتاح باستمرار حتى لا يتلفه الصدأ، حتى لا يتكلفوا ثمن "سكرة" جديدة للباب، وأن يحتفظوا بكواشين الأرض، لأن اليهود عندما يسلموا البلدة سيختلف أصحابها على ملكية الأرض، وعندما يجيبه الأولاد بأن ذلك لن يحدث أبداً، يرفض تلك الخيبة، فاتحاً شقاً صغيراً للأمل، موشوشاً حفيده ذا الستة شهور "داوود الصغير"، بأن لا يرضع يأس أبيه وأعمامه، ويقول له بأن جدته تركت بعض مصاغها تحت عتبة البيت ستكون هدية له إن احتفظ بالمفتاح بلا صدأ. ويصرخ أخيرا:" لن أحيا طويلاً، سأصل قبلكم جميعاً، أما أنتم، فإن لم تعودوا، لا تتركوا البلاد مرّةً أخرى".

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل