المحتوى الرئيسى

نكبة فلسطين وصراع الروايتين بقلم:جمال أبو لاشين

05/12 00:00

نكبة فلسطين وصراع الروايتين بقلم/جمال أبو لاشين مدير الدراسات بالمركز القومي تصادف بعد أيام قليلة الذكرى الثالثة والستون لنكبة فلسطين , وهو المصطلح الذي أُطلق على صراع استعماري كولونيالي على فلسطين توج بتقسيمها , وإعلان بن غور يون قيام دولة إسرائيل بعد ظهر يوم الجمعة 14. 5. 1948 " لأن يوم 15/5 كان يصادف يوم سبت " وهو التاريخ المحدد لإنهاء بريطانيا انتدابها على فلسطين بعد أن هيأت كل أنواع الدعم لقيام دولة إسرائيل 0 أعقبها تدخل ستة جيوش عربية في محاولة لمنع كارثة التوسع الصهيوني في فلسطين وحصر إسرائيل على الأقل في حدود ما جاء بالقرار 181 ( قرار التقسيم ) والصادر بتاريخ 29. 11. 1947 . وكانت النتائج كارثية على الشعب الفلسطيني . فإسرائيل وقفت عند خط الهدنة مع الجيوش العربية للعام 1949 , بحيث تجاوزت مساحة أل 55 % المقرة في التقسيم إلى 78 % من مساحة فلسطين التاريخية , في حين هجر ما يزيد عن ( 000. 726 فلسطيني ) للضفة والقطاع وخارج فلسطين , بما نسبته 82 % من سكان فلسطين تاركين قراهم ومدنهم سواء في معارك مباشرة أو هرباً من المذابح الصهيونية . وقد بلغ عدد القرى المدمرة عن بكرة أبيها ( 400 قرية ) لا يزال حتى اللحظة 90 % منها مساحات مفتوحة , أما المدن فسلبت منازل مواطنيها عنوة وطردوا منها ليقيم فيها المهاجرين اليهود , ولم تكتف إسرائيل عند هذا الحد بل تعدته بإصدار الكنيست الإسرائيلي قانون الجنسية للعام 1952 والذي أعطى نفسه الحق بنزع الجنسية عن المهاجرين الفلسطينيين ومصادرة ونقل أملاكهم لدولة إسرائيل ولمصلحة الشعب اليهودي . لقد أدى التكالب الاستعماري على الأمة العربية بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية لتمزيق الوطن العربي , وتقسيمه , وزرع جسم غريب فيه ممثلاً بإسرائيل الحالية التي رعتها بريطانيا طوال فترة انتدابها على فلسطين حيث سمحت لأربعة موجات من الهجرة اليهودية لفلسطين , أدت لارتفاع عددهم نسبة لمجموع السكان من 11 % إلى 31 % ما بين عامي 1920- 1948 مما ضاعف بالمقابل المستوطنات اليهودية إلى 291 مستوطنة . لقد مثلت نكبة فلسطين للعرب جميعاً ضياعاً للحلم القومي في إقامة الوطن العربي الكبير , والذي كان ينتظر تحقيقه بزوال الإمبراطورية العثمانية وانحسار نفوذها عن المشرق العربي بعد خمسة قرون من الهيمنة والتجهيل . لذا ساند العرب بريطانيا على أمل الخلاص والاستقلال , إلا أن الأخيرة والتي كانت تقف بداية ضد إسقاط الإمبراطورية العثمانية لتبعد روسيا وألمانيا ثم عادت عن فكرتها بالإبقاء عليها بعد تيقنها أن فكرة إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين تلقى رفضاً من الإمبراطورية , سعت لكسب العرب إلى جانبها على وعد منها بنيلهم الاستقلال , وبعد الحرب العالمية الأولى وانتصار بريطانيا وحلفائها , انتدبت نفسها على فلسطين لتبعد فرنسا ونكثت وعدها للعرب , مشجعة اليهود على الاستقرار في فلسطين , ليكونوا حراساً على طريق التجارة إلى الهند , وتمهيداً للاستيلاء على الوطن العربي شعباً وسوقاً . وبذلك وجد الفلسطيني نفسه منغمساً في صراع مع قوى استعمارية كبرى زرعت اليهود الصهاينة كبؤرة للتوتر في العالم العربي , وتحت أنظارها نمت وتطورت العصابات الصهيونية , وصارت أكثر استعداداً , فالأرض المستعمرة تتزايد والأعداد المهاجرة تتضاعف , والواقع الاقتصادي الصهيوني في نمو وتطور , وشيئاً فشيئاً أصبح الوجود الصهيوني قسرياً في فلسطين ، التي تحولت ملاذاً ووطناً لاحتلال كولونيالي إحلالي ، مادته البشرية هم اليهود. وفي غمرة دفاع الفلسطيني عن حقوقه وكرامته ووقوفه في وجه المؤامرة على فلسطين على أمل تحقيق العدالة الأممية ، كان الوطن العربي يتعرض للتقسيم والسيطرة من القوى الرابحة في الحرب العالمية الأولى ، ورغم الثورات الفلسطينية المتعاقبة ضد ما يحاك لفلسطين ، كان المجتمع الدولي (خصوصاً بريطانيا وأمريكيا) يخفي تقارير اللجان المختلفة التي جاءت لفلسطين للنظر في واقع ما يجرى وطرح الحلول المختلفة. لذلك كان على الفلسطيني الصمود والثبات على الأرض ، دافعه إرادة الحق التاريخي والقانوني "والذي يظهر في كل الإحصائيات والقرارات الخاصة بفلسطين" وعمقه الاستراتيجي عربياً وإسلامياً ، حيث أصبحت القضية الفلسطينية هي قضية العرب المركزية ، وكان ثمن هذا الصمود بأن أصبح سبعة ملايين لاجئ فلسطيني موزعين في بقاع الأرض ، بواقع لاجئ فلسطيني بين كل ثلاث لاجئين في العالم. ورغم إقامة دولة إسرائيل وهيمنتها بدعم من الولايات المتحدة الأميركية وريثة الإمبراطورية البريطانية ، واحتلالها المزيد من الأرض العربية ، فلا زالت تنظر لأي تسوية مع العرب والفلسطينيين بعيد عن الحق والقانون الدولي وليست سوى تسوية سياسية فحسب. بينما الرواية الإسرائيلية فلا تزال تستند في صراعها مع الرواية الفلسطينية إلى الأسطورة والحق التاريخي التوراتي في أرض الميعاد في محاولة منها لإضفاء الطابع الديني على الصراع وترويجا لإسرائيل دولة لكل اليهود في العالم (يهودية الدولة) لتدفع عنها تهمة كونها مشروع استعماري قام بالأساس على مفهوم (مدى نفع اليهود) كإجراء من إجراءات تقسيم الغنائم ما بعد الحرب العالمية الأولى. هذا بالإضافة إلى تنصلها من مسؤولية ما حدث في فلسطين من قتل وتشريد اعتمادا على مفهومها للحق ، فالحق عندها هو القوة فمن يمتلكها هو من يفرض شروطه ، والممسك بها هو الأحق بها وليس من يحمل صك ملكيتها ، وقد عبر البروفيسور اليهودي اليمني الأصل (يوئاف غيلبر) مؤلف كتاب "النكبة والاستقلال" عن تلك النظرة بقوله ((الفلسطينيون لا يتحدثون عن حق ، إنما يتحدثون عن العدل ، هم لا يرون بما نتنازل عنه "تنازلا" إنما عودة لما أخذ منهم)). لذلك لازالت إسرائيل رغم مرور 20 عاماً على بدء التسوية السياسية ورغم تنازل الفلسطينيون عن حقهم التاريخي والقانوني ، مقابل دولة على مساحة 22 % من مساحة فلسطين هي حدود العام 1967م تنظر لأي تنازل على أنه هبة منها للفلسطينيين ، وأطلقت مصطلح "تنازلات مؤلمة" لتعبر عن عدم الاعتراف للفلسطيني بأي حق على الأرض ، والدولة الفلسطينية في نظرهم مقطعة الأوصال ، ليس لها سيادة لا جواًَ ولا براً ولا بحراً ولا اعتراف بحق عودة اللاجئين أو بأي مسئولية قانونية أو تاريخية أو أخلاقية اتجاه ما حدث في فلسطين. هذا أقصى ما تستطيع إعطاؤه ، والبديل هو حل إقليمي لا تخجل من طرحه ، وفيه تشارك مصر والسعودية والأردن بأجزاء من أرضها لاحتضان الدولة الفلسطينية وحل مشكلة اللاجئين ، أي أن إسرائيل تريد كل شيء مقابل أمنها وسلامها ، دون إعطاء شيء ، هذان الموقفان وهاتان الروايتان من الصراع العربي الإسرائيلي تشهدان تطاحناً فكريا وسياسيا وتطرحان بالمقابل قدرا من الحلول للصراع وتبقي الباب مشرعاً على كل الاحتمالات طالما طريق الحل لازال مسدوداً. ووسط هذا التناقض الحاد تأتي الذكرى الثالثة والستون للنكبة هذا العام بطابع خاص ، فالعالم العربي يمر بتغيرات ثورية وديمقراطية تنفض عنها غبار الذل والخنوع والاستكانة ، وجسده يتعافى تدريجيا ، ونظرته لقضية العرب المركزية فلسطين تعود لسابق عهدها حيث كانت الجبهة العربية أقوى في تحدياتها وتمسكها في الحق الفلسطيني ، وأكثر مفهوم وضحته الثورات العربية هو أن لا مكان للمتخاذلين والمستسلمين والمتآمرين , وهي قناعة ترسخت لدى الجميع . والمصالحة الفلسطينية لازال حبرها لم يجف ، وخطابنا السياسي يصبح أقوى وأكثر صموداً من ذي قبل ، والروح الثورية المقاومة تعود للجسد الفلسطيني ، الذي أوهنته العملية السلمية ، بعد أن تحولت لعملية تسول للحق أملت إسرائيل باستثمارها ، في وقت تبقى على ممارستها التوسعية الاستيطانية على الأرض لتعقيد أي حل مستقبلي. ولإسرائيل أقول في هذه الذكرى إن عمر دولتكم أصبح 63 عاماً بعمر النكبة لم تتوقفوا خلالها لحظه عن الحرب والقتل والتدمير ، أما آن لكم أن تراجعوا روايتكم وأن تفهموا أن الأمن لا يتحقق بدون مقابل ، ولماذا لازلتم تعتقدون أنكم جزء من العالم المتحضر الذي يستبعدكم في كل معاركه لتحقيق مصالحه ، وألا تدركون أنه في عصر ثورة المعلومات والفضائيات, يفضح سلوككم الإرهابي واللاأخلاقي في كل دقيقة ، إن ممارستكم دور الجلاد والضحية في آن معاً لم يعد مقبولاً في العالم وحلولكم المطروحة بقوة السلاح لا مكان لها في الوعي العربي.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل