المحتوى الرئيسى

> ما الدور الذي يلعبه الإسلام في مصر الجديدة؟

05/11 21:08

بقلم د. على جمعة لقد آلم قلبي ما شهدته مصر ليلة السبت الماضي من أحداث عنف طائفي راح ضحيتها العديد من الأرواح، وأصيب المئات.. لقد آلم قلبي أن يحدث هذا في بلد عاش فيه المسيحيون والمسلمون علي مر القرون في سلام.إن سلام المنطقة بل والعالم بأسره يستلزم ضمان وحماية المشاركة الفاعلة لجميع اتباع الديانات في بناء المجتمع كما علمنا ديننا، ولأجل هذا فإننا نشيد بالعزم الأكيد والضمانات التي يقدمها المسئولون في مصر لمنع تكرار مثل تلك الأفعال المأساوية مرة أخري. إن المصريين يقفون جميعاً صفاً واحداً في وجه هذه التصرفات الفوضوية، فمصر لا تعرف العنف الطائفي، فهو غريب عنها، لذلك لابد علينا أن نقف بكل ما أوتينا من عزم قوة في وجه كل من يريد أن يستخدم هذه الأحداث ذريعة لتأجيج التوترات الطائفية، وعلينا نحن المصريين في مثل تلك اللحظات الحرجة ألا نروج للشائعات التي تتردد حول هذه التوترات، بل يجب علينا أن نتحد حتي لا نخلق من الوهم حقيقة، وأن نستمر في معاملة بعضنا البعض بنفس الاحترام والمحبة التي تميز بها المجتمع المصري، فهذا من أفضل تعاليم الديانتين الإسلامية والمسيحية اللتين تأمرانا بأن نلتزم دونما تهاون بمبدأي محبة الله ومحبة الجار. إنني أشارك المصريين جميعا في تقديم خالص التعازي لأسر الضحايا من المسيحيين والمسلمين، وأدعو بالشفاء العاجل للمصابين، وأدعو الله من خالص قلبي أن تحمل الفترة المقبلة معها ما يسلي قلوبهم، وأن تحمل السلام لأمتنا، وأن تكون عزما جديداً للمصريين ليعملوا علي تحقيق مستقبل آمن. في غضون الأحداث الجسيمة التي تمر بها مصر لابد علينا جميعاً أن نسعي نحو تحقيق البرامج الإصلاحية التي تهفو نفوسنا جميعاً إلي تنفيذها. يتماشي مع هذا ـ جنباً إلي جنب ـ الاستمرار في التطلع نحو المستقبل بروح الثائر الحق، وألا نسمح للخلافات بأن تهدد وحدتنا، تلك الوحدة التي ظهرت جلية بين المصريين علي مسرح الأحداث في الشهور الماضية. إذا ما أرادت أمتنا أن تلبي طموحاتها وأن نعبر بوطننا العزيز إلي بر الأمان فلابد من اتخاذ خطوات من الناحية العملية نحو ذلك.. إن تحقيق أهدافنا يتطلب منا ألا تلهينا القضايا الصغيرة وتوافه الأمور والخلافات الطائفية والصراعات السياسية، لكن بدلاً من هذا لابد علينا أن نركز اهتمامنا علي التحديات المهمة والقضايا التي تؤثر في مصير أمتنا في هذا المفترق الحاسم. أحد الأسئلة التي أثيرت مؤخراً هو دور الدين والنشطاء الإسلاميين والجماعات في مصرنا الجديدة.. إن المصريين بطبيعتهم شعب متدين ويتمتع بروحانية عميقة، وحس ديني كبير، إن التجربة المصرية مع الإسلام تعكس التسامح والشمولية، يغلف هذا كله حس روحاني عميق، والرؤية المصرية للإسلام هي رؤية تعكس مرونته وفكره.. والإسلام في هذا الفكر ليس جامداً أو نظاماً استبدادياً وغير قادر علي التكيف مع العالم المتغير، لكنه يمثل رؤية عالمية تستلزم الانخراط المستمر والتفاعل مع العالم، حتي إن كان هذا العالم متغيراً بصورة مستمرة كما هو الواقع الآن.. وهذا الأمر ينطبق تماماً علي التراث الإسلامي الشرعي كما ينطبق علي باقي مظاهر هذا الدين. تنعكس هذه الروح التي تمثل الوسطية والمرونة والتسامح بأفضل صورها في منهجية الأزهر الذي خدم المجتمع المصري طويلاً ليس فقط من خلال إخراج علماء ومفكرين من الطراز الأول، بل أيضاً إتا حة فرص التعليم للرجل والمرأة، مرسخاً فيهم أخلاقيات الأمانة، والقيادة، والخدمة وتكريس النفس لنشر رؤية متوازنة وموضوعية للإسلام تقوم علي المثل الموروثة المعترف بها، والمتشبعة بالعمق الروحي.. إن ثقتنا كبيرة في قدرة هذه المؤسسة علي استعادة مكانتها التاريخية، وتفعيل دورها في عرض الإسلام في مصر والعالم الإسلامي.. إن هذا الوقت هو وقت دعم المؤسسات التي تعرض الإسلام بصورة تناسب العالم المعاصر، من خلال طائفة علمية موثوقة ومعتمدة، ومكانة عالمية تنجح في خلق عالم أفضل. لقد قمت بوصفي مفتياً للديار المصرية بدعوة جميع الجماعات والطوائف في الدولة للمشاركة في حوار بناء، ولدارسة مختلف القضايا التي نواجهنا الآن.. وهذا الاقتراح لعقد سلسلة من اللقاءات يأتي ضمن جهد أكبر يهدف إلي تنحية الاختلافات الدينية والانقسامات بين الاتجاهات الدينية المتنوعة في مصر، ولتحل محل هذا جهود ترمي إلي تحقيق "كلمة سواء" كما أمرنا الله تعالي. إن الهدف هو التوصل إلي اتفاق يمكن أن يقدم إلي المواطنين علي نطاق واسع بوصفه برنامجاً يهدف إلي الوحدة والتفاهم، لكن ثمة شرطاً لابد أن ندركه في هذه اللقاءات وبدونه فإن الحوار يكون مستحيلا ألا وهو الالتزام من البداية بتجنب النقاط الخلافية عديمة الصلة بالموضوع، والبعد عن إثارة الاتهامات، بالإضافة إلي تفهم الأوضاع التي نعايشها بدقة قبل معالجتها أو التوصية بأي أعمال لمواجهتها. لقد أطلقت مبادرة إلي قادة وعلماء جميع التوجهات الإسلامية أعربت فيها عن استعدادي لاستضافة هذه الاجتماعات في مقر دار الإفتاء المصرية، تمشياً مع دور دار الإفتاء التاريخي البناء في خدمة الساحة الدينية في الأمة.. إن دار الإفتاء بجميع من فيها علي استعداد لتقديم كل ما هو ضروري، من أجل تنفيذ وحدة الهدف وبرامج التسامح بين الجماعات الدينية، والعمل لصالح جميع الجهات والأشخاص في الأمة. لقد أكدت ضرورة اتفاق كل الطوائف علي ما اتفق عليه العلماء بأن كل من اتبع مذهباً من المذاهب الفكرية المعتبرة فهو مسلم، وأن يعامل علي هذا الأصل، ولا يمكن بأي حال أن يتم تكفيره أوتفسيقه، وأن دمه وماله وعرضه حرام، وكذلك لا يجوز لعن أتباع المذهب الأشعري، ولا أتباع الصوفية الصحيحة، ولا أتباع منهج السلف الحقيقي. وخلاصة الأمر نقول إن أي جماعة مسلمة تؤمن بالله ورسوله وأصول الإيمان، وتعترف بالشعائر التعبدية المفروضة، ولا تنكر شيئا مما هو معلوم من الدين بالضرورة هي في الأساس من جسد الأمة الإسلامية التي يجب أن نحافظ عليه. إن المبدأ الذي لابد أن يوجه هذه اللقاءات هو حب الله، ثم حب الوطن وحب الجار.. ولابد أن تكون الجهود منصبة نحو جمع المسلمين علي ما هو متفق عليه من أصول الدين، وكل جماعة تقبل بالمشاركة في هذا عليها أن تستجيب لهذا بقلوب مفتوحة، إذ إنه من خلال الفهم المشترك يمكننا فقط أن نجتمع ونتحد.. إن هذا الهيكل هو الوحيد الكفيل بنجاح هذه اللقاءات واستمراريتها في أسلوب فعال وبناء.. إنه العمل علي المتفق عليه وترك المختلف فيه. إننا إذ نصر علي أن تتاح الفرصة لجميع التيارات الإسلامية في المشاركة بصورة كاملة في بناء مصر جديدة، وممارسة جميع الحقوق المشتركة، نؤكد أن المسئولية تحتم علينا أن نؤكد أنه ليس من حق أي جماعة أن تدعي احتكار فهم وتفسير الإسلام، بمعني أن ما تعتنقه هو الحق المطلق الذي لا يقبل الاختلاف، ومن ثم تمنع الرؤي والصور الأخري لفهم طبيعة ودور الإسلام في "مصر" الجديدة. إن فهمنا للدور الذي يلعبه الإسلام في مصر هو دور الراعي والمؤيد للمصلحة الدينية والاجتماعية للمصريين، وممثلاً للمجتمع كله.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل