المحتوى الرئيسى

> «علمانيون.. نعم! إلحاديون.. لا » !

05/11 21:05

كتب - د. إمام عبد الفتاح إمامفي ظني أن الآفة الأخلاقية الكبري التي يمكن أن تقوض المجتمع هي شيوع الكذب، لأنك في هذه الحالة لن تقيم بناء سليماً اجتماعياً أو ثقافياً أو علمياً أو اقتصادياً أو دينياً، فكل شيء مزيف. ولعل هذا السبب في أن الرسول الكريم جعله أول صفات المنافق «فإذا حدث كذب!» ولهذا تري الديانات جميعاً تناشد أتباعها بالتحلي بالصدق أو الحق أو الحقيقة ففي الإسلام تجد الحق اسماً من أسماء الله الحسني ويقول السيد المسيح و«تعرفون الحق، والحق يحرركم» يوحنا (8 :33 فالحق أو الصدق وليس الكذب هو الذي ينبغي أن نتبعه وأن نبحث عنه وأن نحرص عليه، فليس للكذب قدمان كما يقولون وسرعان ما ينكشف ولا يصح في النهاية إلا الصحيح!. ولكننا للأسف الشديد، نجد أن بعض الناس يحاولون الوصول إلي غايتهم بأحط السبل حتي لو لجأوا إلي الكذب، من ذلك ما يرويه لنا التاريخ عن أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد المفكر وأحد رواد الحركة الوطنية (1873 - 1963) عندما لجأ أعداؤه إلي تشويه سمعته بأن أشاعوا عنه بين السذج من أهل قريته» برقين بمحافظة الدقهلية أنه «ديمقراطي» ويقصدون أنه ملحد أو خارج عن الدين.. الخ ويحذرون الناس من انتخابه أو حتي الاقتراب منه أو سماع ما يقول.. !! وكان هذا العمل اللا أخلاقي يصدر عن أناس يدعون لأنفسهم أنهم «مسلمون»!! وحدث ذلك منذ أيام قليلة في الاستفتاء علي الدستور فمن قال «لا» فهو خارج ومأواه جهنم وبئس المصير، أما من قال نعم فهو من أهل النعيم والقصة كلها كذب لكنهم لا يستحيون من ترويج الأكاذيب للوصول إلي أغراضهم من أحط السبل فأي استخفاف بعقول الناس أولاً وبالدين ثانياً؟ ويبدو أننا توارثنا هذه الرذيلة الممقوتة فقد كانت موجودة منذ زمن طويل عندما كان الإمام مالك يسير في السوق بمدينة بغداد، سمع خطيباً يروي بانفعال شديد وحماس دافق الأحاديث من النبي الكريم فاستوقفه ما في حديث هذا الراوية من أكاذيب لاحد لها فقال له الإمام مالك: يا رجل أراك تروي الحديث بعد الحديث دون أن تهتم بمدي صدقه أما علمت بالحديث الذي يقول: من روي عني كذباً فليتبوأ مقعده من النار؟ فأجاب الرجل بجرأة ووقاحة، وزهو فارغ: «والله ما كذبت عنه بل كذبت له» ! أي أنه يكذب لصالح الدين!! ولست أدري أي دين هذا الذي تقوم أسسه علي الكذب وتبني قواعده علي التزييف؟ الواقع أن الحقيقة هي التي تقيم الدين وتسنده!! ونصل الآن إلي قمة التزييف والكذب والفتيا بغير علم عندما نستمع إلي مصطلح العلمانية Secularism وهو يعني حرفياً الاهتمام بشئون العالم وأمور هذه الدنيا، ولقد جاءت الكلمة من «العالم» وليس «العلم» ولهذا حرص أستاذنا الكبير زكي نجيب محمود علي أن يكتب مقالاً طويلاً يصحح فيه نطق هذا المصطلح ويجعل عنوانه «عين فتحة عا» انظر كتابه عن الحرية أتحدث ص 184 : فالمصطلح الذي ظهر في عصر النهضة Renaissance كان له تاريخ لا مثيل له عندنا، فقد كانت أوروبا خاضعة لسلطان الكنيسة الكاثوليكية التي أشاعت ازدراء هذا العالم اعتماداًَ علي ما يقوله القديس بولس الذي يزدري الجسد ويرفع من شأن العذرية فضلاً عن أن أباء الصحراء كانوا متحمسين لكراهية الطبيعة، هكذا ظهرت آراء تنادي بأن العالم مفعم بالخطيئة وهو فاسد وهو بالضرورة شر. ولقد ترتب علي ذلك أن هرب آلاف من الشباب من الرجال من النساء من الحياة العامة وفضلوا العزلة، والبعد عن الناس، ولقد أدي ذلك إلي تفكك بعض الأسر ولم يدر أعضاؤها المبعثرون المتحررون ماذا يفعلون؟! وفي عصر النهضة ظهر تيار مضاد جديد ينادي بعدم ازدراء الحياة أو كراهية العالم واستعانوا بنصوص من الكتاب المقدس تقول «كل خليقة الله جيدة) من رسالة بولس إلي تيموثاوس عدد 4 وهكذا ظهر تيار جديد يدعو إلي التخلي عن نظرة الكنيسة التشاؤمية تجاه العالم والاعتزاز بهذه الحياة الدنيا ومحاولة تسهيلها وتذليل الصعاب أمام البشر، ووصف المفكرون المؤسسة الكنسية بأن مهمتها تصدير الناس إلي الآخرة وليس الاهتمام بحياتهم في هذه الدنيا.. الخ وهكذا أصبح العلماني خلاف الكهنوتي كما جاء في المعجم الوسيط المجلد الثاني ص 624 والعلماني هو شخص لا يرتبط بدير من الأديرة، والعلمانية بصفة عامة هي الدعوة إلي تحرير النشاط الإنساني من سلطات الكنيسة الكاثوليكية ولم تتخذ العلمانية شكلاً فلسفياً نظامياً إلا في منتصف القرن التاسع عشر وفي رأس مسلماتها حرية الفكر وحرية كل إنسان في مناقشة جميع المسائل الجوهرية.. إلخ.. تلك هي قصة العلمانية التي يحاول البعض تشويه صورتها وجعلها مرادفة للالحاد دون أن يرعوا في الله إلا ولا ذمة! أصبحت العلمانية إلحاداً وزندقة في نظرهم مع أنها مصطلحات مختلفة أتم ما يكون الاختلاف فالعلمانية مذهب الذين يريدون الاهتمام بالعالم، وبشئون الناس في دنياهم الحالية من يريدون للناس أن يستمتعوا بحياتهم، ذلك أن تقرأ مع هذا قوله « قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين أمنوا» الأعراف 32 فالاستمتاع بالحياة كما تطلب العلمانية ( هي للذين آمنوا ففي استطاعتك يا عزيزي القارئ أن تكون علمانياً وأن تكون في الوقت نفسه مؤمناً بالله، فكيف يجمع هؤلاء الناس بين العلمانية والالحاد في مفهوم واحد. أن ذلك لابد أن يحدث أما عن جهل بالفهم التاريخي الدقيق لمصطلح العلمانية وأما لانعدام الضمير أو بسبب النوايا الخبيثة التي تضمر الشر للثورة ولغرامها لناصع البياض للدين، ويسرعون إلي ركوب الموجة حتي لا يكون في الساحة غيرهم وما يحملون من أفكار ساذجة.. وهناك آيات كثيرة تدعونا إلي دراسة العالم وفهم الكون «قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق» العنكبوت (2) ذلك هو الاهتمام بالعالم ودراسة التطور، وهكذا يتضح لك بما لا يدع مجالاً للشك أن في استطاعتك أن تكون «علمانياً يهتم اهتماماًَ شديداً بهذه الدنيا، وأن تكون إلي جانب ذلك مؤمناً شديد الإيمان.. بهذا الفهم الغريب لهذه المصطلحات لا يمكن أي منهم أن يكون قد قرأ كتاباً واحداً، استغفر الله ولا صفحة في كتاب حول هذا الموضوع!! إنهم أناس لا ضمير لهم وهم الذين اتهموا أحمد لطفي السيد بالالحاد والزندقة لأنه ديمقراطي وهم خطيب بغداد الذي يدعم الدين بمجموعة من الأكاذيب وخطباء المساجد عندنا لا يزالون علي هذا الصراط غير المستقيم حتي هذه اللحظة وهم الذين قالوا في الاستفتاء علي الدستور من قال نعم دخل الجنة التي يملكون مفاتيحها ومن قال لا دخل جهنم وبئس القرار. وهم الذين يلصقون الأكاذيب بالدكتور البرادعي الرجل الفاضل من الجاسوسية إلي العمالة إلي الأمريكية إلي الجهل بالسياسة إلي الزواج من أجنبية. الخ أكاذيب لا آخر لها ليصلوا إلي أغراضهم من أحط السبل «أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدي فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين» البقرة 16 .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل