المحتوى الرئيسى

"أصل الأنواع" في "المعارضة العربية" البائدة!بقلم: جواد البشيتي

05/11 20:02

"أصل الأنواع" في "المعارضة العربية" البائدة! جواد البشيتي نظام الحكم الاستبدادي (التعسُّفي، التحكُّمي) في العالم العربي، والذي كان خير دليل على أنَّ "الاستبداد" هو أصل كل فساد، أثبت، أيضاً، أمراً مهمِّاً آخر هو أنَّ "الاستبداد" لا يعني، ويجب ألاَّ يعني، "نفياً تاماً خالصاً" لـ "المعارَضة (له)"؛ فإنَّ شيئاً (أو نوعاً) من هذه "المعارَضة" يمكن أنْ يعود بالنفع والفائدة على الحاكم المستبد؛ وهذه "المعارَضة"، مع شخوصها وأحزابها، وألسنتها وأقلامها في الإعلام، يمكن أنْ تكون (أي أنْ تبدو) حادة جارحة كسكِّين (لسانية) ولها لمعان الذَّهب؛ لكن من غير أنْ تكون من الذَّهب. لقد تفتَّق ذهن نظام الحكم الاستبدادي العربي عن فكرة، أي ابتدعها وابتكرها؛ وينبغي للعالم أنْ يُسجِّل براءة اختراعه لها. وهذه الفكرة هي "استحداث وظيفة حكومية جديدة هي وظيفة المعارَضة"؛ فإنَّ بعضاً من الألسنة والأقلام الإعلامية (ومن الأحزاب والحزبيين) يمكن أنْ يؤدِّي على خير وجه هذه "الوظيفة الحكومية الجديدة"، فيشرع يُعْلِن (في الصحافة، وغيرها) معارضته الحادة (والحادة كثيراً) للحكومة، والوزراء، وغيرهم من ذوي المناصب العامة، ولسائر أهل الحكم، في السياسة والأمن والاقتصاد..، وكأنَّه قاب قوسين أو أدنى من أنْ يدعو، علناً وصراحةً، إلى إطاحة نظام الحكم نفسه. لكنَّ "المعارِض" من هؤلاء، أي مِمَّن يمارِسون "المعارَضة" بصفة كونها "وظيفة حكومية" في أنظمة الحكم الاستبدادية العربية، يشبه، لجهة إفراطه وتطرُّفه في "معارَضة" الحكم والحكومة، حجراً قَذَفْتُه بقوَّة إلى أعلى، فتصاعد حتى خِلْتَهُ سيتحرَّر نهائياً من حقل الجاذبية الأرضية، ولن يعود أبداً إلى سطح الأرض؛ لأنِّك لا ترى، وليس في وسعك أنْ ترى، قوى الجاذبية (الأرضية) وهي تشدُّه إلى "مركزها"، في استمرار، حتى وهو يبدو في تصاعده منفصلاً، ويزداد انفصالاً، عن "المركز". وبفضل هذا النوع من "المعارَضة"، و"المعارضين"، يستطيع نظام الحكم الاستبدادي العربي أنْ يُوْهِم ذوي النيِّات الحسنة، أو كل من عَمَت أبصارهم وبصائرهم، أنَّ لديه "معارَضة" و"معارضين"؛ أمَّا إذا أحدقت به المخاطر الشعبية والثورية، واسوَدَّ يومه، فإنَّ المشتغلين لمصلحته في "سِلْك المعارَضة" يعودون إلى ارتداء الزِّيِّ الرسمي. بعض المعارَضة (أو المعارِضين) تُقْمَع لكونها متَّهَمة حكومياً بأنَّها تحرِّض في الغرب (أو في بعضٍ منه) ضدَّ حكوماتها واستبدادها وتعسُّفها، توصُّلاً، على ما تتوقَّع وتتمنى، إلى أن يَدْفَع "خطابها التحريضي" إلى انتصار غربي (أو أوروبي) لـ "حقوق الإنسان (المقدَّسة)"، وإلى ممارَسة ضغوط اقتصادية (وغير اقتصادية) غربية على تلك الحكومات. وفي "خطابها التحريضي المضاد"، أي الذي ضدَّ هذا اللون من المعارَضة، تقول الحكومات، أي تشكو وكأنَّها نَبِيٌّ لا كرامة له في قومه، إنَّها ليست ضدَّ "المعارَضة (الدستورية الشرعية المسؤولة الأصيلة..)"، وإنَّ لديها منها، ومن أصحاب "الرأي الآخر"، ما يفيض عن الحاجة؛ لكنَّها ضدَّ "الاستنصار بالأجنبي"، وتعريض "الاستقلال القومي" للخطر، وكأنَّ هذا "الأجنبي"، الذي بفضله تحكم، وتستمر في الحكم، ليس هو نفسه "الصديق" و"الحليف"، في خطاب آخر لها! لقد أرَدْنا معارَضة حقيقية أصيلة، تشبهنا، منَّا ولنا؛ وأرَدْناها، أو أرَدْنا لها، أن تكون حرباً على فساد الحكومات، والحكومات الفاسدة، وعلى حكم الفساد، والحكم بالفساد، فإذا بها، أو بقسم كبير منها، تنافِس الحكومات في الفساد، وتَسْتَنْصِر بـ "أصدقاء" و"حلفاء" حكوماتها في الغرب. أمَّا "المعارَضة البيضاء"، "الناصعة البياض"، أي تلك التي تَفْخَر بها حكوماتنا، وتتغنَّى، فإنَّها، والحقُّ يُقال، تنتسب إلى الحكومة، وكأنَّها "ابنتها غير الشرعية". وإنَّها لظاهرة سياسية جديدة تلك التي نراها في عالمنا العربي والتي نسميها ظاهرة "المعارَضة الحكومية"، أي "المعارَضة" التي تحوَّلت، أو تكاد أن تتحوَّل، إلى "وظيفة حكومية"، يؤدِّيها أفراد وجماعات من خارج الحكومة؛ لكن بما يخدمها، في آخر المطاف، ومن حيث الجوهر والأساس، وفي أوقات الضيق والشِّدة على وجه الخصوص. و"المعارَضة"، بصفة كونها "وظيفة حكومية"، إنَّما هي وليدة حاجة الحكومات لدينا إلى أنْ تحكم بما يجعلها تبدو "صديقة لدودة" للديمقراطية و"حقوق الإنسان"، فتَعَلُّم الحكم بما يوافِق مبدأ "ليس بالعنف (أو القمع أو البطش أو الحراب..) وحده تحيا الحكومات" هو ما توفَّرت عليه حكوماتنا، كارِهةً مُرْغَمَةً. ولا شكَّ في أنَّ هذا "التحدِّي" يضطَّر حكوماتنا إلى "التعلُّم" و"التثقُّف" و"التهذُّب" و"شَحْذ الذهن والقريحة"، وإلى أن تعتاد، من ثمَّ، عادة حسنة، هي أن تتوفَّر (عبر عقول وعيون مستعارة أو مستأجرة) على كَشْف واكتشاف ما لدى شعوبها ومجتمعاتها من ميول ونزعات واتِّجاهات جديدة، في السياسة والفكر والتفكير، توصُّلاً إلى الإحاطة بها، والسيطرة عليها، والتحكُّم فيها، ودرء "المفاجآت" غير السَّارة؛ وتسيير"الرِّياح"، ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، بما تشتهي سفينتها. إنَّها، أي الحكومات، تُدْرِك وتعي الحاجات والضرورات السياسية الجديدة لدى شعوبها ومجتمعاتها، وتَعْلَم أنَّ تلك الحاجات والضرورات ستَدْفَع، عاجلاً أو آجلاً، الناس إلى أن يفكِّروا ويعملوا، سياسياً، بما يعكسها، ويعبِّر عنها، ويوافقها، فَتَخْتَرِع لهم، وإنْ ليس بالمعنى الحرفي دائماً، قيادات تجتذب إليها المعارضين من شتَّى الألوان، فيظل كل شيء، بفضل هذه "الحرب الاستباقية (أو الوقائية)"، تحت السيطرة (الحكومية غير المباشِرة). حكوماتنا أصبح لديها، إذ أدركت أهمية وضرورة "القوَّة الناعمة"، أسلوباً في الحكم، مختصُّون (حكوميون) بكل صنوف المعارَضة، يجتهدون في قيادتها وتنظيمها، وفي تزيينها بما تحتاج إليه من شعارات ورموز وبرامج وصحف..؛ وقد ترى من بعضهم، وتسمع، ما يجعلك تظن أنَّ "شعرة معاوية" بينهم وبين أهل الحكم قد انقطعت؛ لكن يكفي أن ترى ما حلَّ بمعارضين حقيقيين، أقل منهم "تطرُّفاً" في معارضتهم للحكومات، حتى تدرك أنَّ وجود "النقد الحقيقي" يولِّد الحاجة إلى "تزوير النقود". أنتَ إيَّاكَ أنْ "تسب" و"تشتم"، ولو بكلمات سياسية، الحكومات والوزراء..، فإنَ لهذه المعارَضة "موظَّفيها الحكوميين"، فَدَعْ الخبز للخبَّاز! إذا أردت أن تكون "إسلامياً" في معارضتك للحكومة فإنَّ لهذه المعارَضة موظَّفيها الحكوميين "الإسلاميين"؛ وإذا أردت أن تكون "يسارياً" في معارضتك للحكومة فإنَّ لهذه المعارَضة موظَّفيها الحكوميين "اليساريين"؛ وإذا.. وهذا التناقض بين الظاهِر والباطن من الحياة السياسية لقسم كبير من المعارضين، ومن قوى المعارَضة، يتَّضِح ويتأكَّد في أوقات الأزمة والضيق والشِّدة. يُقال "يحقُّ للشعراء ما لا يحقُّ لغيرهم"؛ ونقول إنَّ النقد اللاذع للحكومات يحقُّ للمعارضين من الأبناء غير الشرعيين لهذه الحكومات، ولا يحقُّ لغيرهم من المعارضين، ولو كانوا أقل منهم "تطرُّفاً" في النقد والمعارَضة.. والعداء، فهلاَّ نُدْرِك أنْ ليس كل ما يلمع من "معارَضة" ذهباً. النقد السياسي أتانا، في الجديد من تجربته وخبرته وخطابه وثقافته، بمصطلحات ومفاهيم وعبارات، تظل، على كثرة استعمالها، غير واضحة المعاني والدلالات بما يكفي لجعلها مفهومة جيِّداً لدى فئة واسعة من المواطنين، ومن العامة من الناس؛ وربَّما كان أبرزها، وأشهرها، وأكثرها شيوعاً واستعمالاً، مصطلح "الأجندة الخاصة"، وأصحابها. "الأجندة"، في العربية، وفي معناها اللغوي الصرف، هي "البرامج" و"الجداول"..؛ وليس هناك من جماعة سياسية، أو غير سياسية، معدومة "الأجندة"، فكل جماعة سياسية ينبغي لها أن تملك "برنامجاً"، يميِّزها من غيرها، أي يخصها وحدها؛ ولا بدَّ لهذا "البرنامج" من أن يشتمل على "أهداف"، و"مهمات"، ومن أن يعكس، بأهدافه، ومهماته، مصالح تخصُّ تلك الجماعة، أو تخصُّ مَنْ تمثِّلهم الجماعة السياسية صاحبة البرنامج. وبحسب هذا المعنى، حتى الفَرْد له أجندته الخاصة به. لكنَّ هذا المعنى ليس هو المعنى الاصطلاحي (السياسي) الحقيقي لـ "الأجندة الخاصة"، وذويها، فثمَّة جماعات، ومجموعات، وقوى، ازدهرت في مناخ "العولمة السياسية"، و"العولمة على وجه العموم"، ظاهرها، في السياسة، وغيرها، غير باطنها، وباطنها غير ظاهرها، فهي في أقوالها، وكلامها، وشعاراتها، ومواقفها، تسعى إلى أشياء وأهداف وغايات تحيطها بالسرِّية والكتمان، لا تبوح، ولا تجرؤ على البوح بها؛ لأنَّ "الشفافية" في عملها ونشاطها تصيب منها مقتلاً، وتتسبَّب بانتفاء الحاجة إلى وجودها. إذا أردنا الانتماء إلى السياسة في عالمها الواقعي (لا الأفلاطوني) فلا مهرب لنا من الإقرار بوجود، وبسوء وجود، تلك الجماعات، التي يمكن ويجب تسميتها "أصحاب وذوي الأجندة الخاصة"، والذين يشبهون سفينةً، يملك طاقمها من القوَّة والنفوذ والحيلة والوسائل ما يسمح لهم، على ما يتوقَّعون أو يأملون أو يتوهَّمون، بتسيير الرياح، التي هي كناية عن العامة من الناس، بما تشتهي سفينتهم. ونحن يكفي أن نقرَّ بوجود تلك الظاهرة السياسية حتى نَرُدَّ الاعتبار إلى "نظرية المؤامرة"؛ لكن بأبعادها وجوانبها العقلانية والواقعية والمنطقية، فالمشتغلون بسياسة تقوم على "المؤامرة" استنفدوا كثيراً من وقتهم وجهدهم لينفثوا في روع الناس جميعاً فكرة أنَّ "نظرية المؤامرة" هي من نسج عقل مثخن بجراح الأوهام السياسية، ولا تمتُّ إلى العالم الواقعي للسياسة بصلة، وينبغي لنا، من ثمَّ، نبذها ومحاربتها واستصغارها و"الشفاء" منها؛ أما الغاية الكامنة في حربهم على "نظرية المؤامرة" فهي تذليل العقبات من طريق مؤامراتهم هُمْ. ذوو الأجندة الخاصة هم نمط سياسي (وفكري) متفرِّع من ظاهرة "الفِرَق (السياسية والفكرية) الباطنية"، التي يُظْهِر المنتمون إليها خلاف ما يضمرون، ويضمرون خلاف ما يُظْهِرون، توصُّلاً إلى غاياتهم وأهدافهم التي يتَّخذون من العامة من الناس وقوداً لها، غير متورِّعين عن استعمال حتى القذر من الوسائل في سعيهم إلى تسيير الريح بما تشتهي سفينتهم. وهؤلاء، على سوئهم، وسوء ما يستهدفون، ليسوا بمعدومي الإحساس بالواقع وحقائقه، فهم لا ينبذون "الحَبَّة" من حقائق الواقع؛ لأنَّهم لو فعلوا ذلك لحكموا على أنفسهم بالإعدام السياسي. إنَّهم يتوفَّرون على جعلها في حجم "القُبَّة"، من خلال "تأويلهم" لكلام ما، أو لتصريح ما، أو لحادث ما، بما يؤثِّر، على ما يتوقَّعون أو يتوهَّمون، بنفوس جمهور من الناس أو المواطنين، فتجري الرياح، على ما يتوقَّعون أو يتوهَّمون أيضاً، بما تشتهي سفينتهم، التي قد تكون على هيئة سفينة صيد، يتوفَّر الصيادون على متنها على تعكير المياه ليتصيَّدوا فيها. إنَّهم موجودون بين ظهرانينا، ظهورهم محمية، تمويلهم معظمه أجنبي، يأتي، على مرأى ومسمع من الحكومة والدولة، من جمعيات ومنظمات.. أجنبية، "غير حكومية"، مستقلة في الظاهر ليس إلاَّ، تلبس لبوس الكهنة، وتتقنَّع بأقنعةٍ جميلة، وتؤدِّي كثيراً من الأعمال الخيرية، وكأنَّها للبرِّ والإحسان وُجِدَت وتعمل. ومع ذلك، ينبغي لنا ألاَّ نحيد عن "الموضوعية" في الفهم والتفسير والنظر والتحليل، فـ "ذوو الأجندة الخاصة"؛ ومن قبلهم، "الطابور الخامس"، و"القوى المندسة"، و"أصحاب الفكر الهدَّام والمستورد"، "ومثيرو الشغب والقلاقل والاضطِّرابات"، لا وزن لهم، ولا ثِقَل، حيث تنعدم الجاذبية؛ و"الفكر"، ولو ثَبُت وتأكَّد أنَّه إبليسي المَصْدَر والغاية والغرض والوسيلة..، لا يؤثِّر، ولا يمكنه أن يؤثِّر، حيث يلقى صَدَّاً قوياً له في حاجات ومصالح الناس الحقيقية والأساسية والواقعية. وهذا الذي قُلْت هو ما يميِّز ويَفْرِز الوهم من الحقيقة في "نظرية المؤامرة"، التي بنبذها المُطْلَق لا يمكننا فهم وتفسير "الأجندة الخاصة"، وأصحابها، وأصحاب أصحابها، فالسياسة، في عالمها الواقعي، تشتمل على "المؤامرة"؛ لكنها لا تَعْدلها. وفي هذه "الضارة"، التي هي "الأجندة الخاصة"، وأصحابها، تكمن "النافعة"، التي هي "الحياة الحزبية السليمة الشفَّافة المفعمة بالحياة"، فانعدامها، أو ضآلتها، أو فسادها وتشوَّهها، هو المناخ الذي فيه تزدهر "الأجندة الخاصة"، وأصحابها، وتتسع ظاهرة "الصالونات السياسية"، التي هي في كثير من معناها وحقيقتها، صالونات تعود ملكيتها إلى النافذين (المتصارعين ـ المتصالحين) من مراكز وقوى وأجنحة وشخصيات، تَسْتَجْمِع حولها، ولمصالحها، وعلى موائدها، بمعانيها الحرفية والمجازية، إعلاميين وصحافيين وكُتَّاب، وكأنَّهم جيوش لكرِّها وفرِّها في حروب لا ناقة للمجتمع فيها ولا جَمَل، وإنْ تسربلت بمصالحه وأهدافه وقضاياه. وفي هذا الصنف من الإعلاميين والصحافيين والكُتَّاب نقف، على خير وجه، على معنى "الأجندة الخاصة"، وأصحابها، فما أن يخرج أحدهم من "صالون ما"، مزوَّداً "المعلومة"، و"الفكرة"، و"الغاية الحقيقية"، حتى يُسْرِع في ابتناء "مقالة رأي" من تلك الحجارة واللبنات؛ لكن من غير أن ينسى أن يزركشها ويزيِّنها بمفردات وعبارات "المصالح والقضايا العامة"، فـ "دسُّ السُمِّ في العسل" هو جوهر عمل ذوي الأجندة الخاصة في وسطنا الإعلامي والصحافي؛ وتلك العلاقة، وبحدِّ ذاتها، ليست بالجيِّدة أو السيئة، فتمييز جودتها من سوئها لا يتحقَّق إلاَّ إذا عرفنا "مَنْ يستخدم (ويوظِّف) مَنْ".

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل