المحتوى الرئيسى

"البوسطة" رواية الناشئة التربوية والتعليمية بقلم:جميل السلحوت

05/11 19:57

جميل السلحوت: "البوسطة" رواية الناشئة التربوية والتعليمية لن أكتب كثيرا عن الدكتور طارق البكري، فهو شخصية معروفة كأستاذ جامعي، وأديب رائع كتب القصة للكبار وللأطفال فاكتسب شهرة واسعة، وإن كان تميزه واضحا في الكتابة للأطفال حيث ترجمت بعض أعماله التي أثرت المكتبة العربية الى اكثر من لغة أجنبية. لكنني سأكتب في هذه العجالة عن روايته الأخيرة للناشئة والتي تحمل عنوان(البوسطة)ووصلتني عبر البريد الأكتروني، والمقصود بـ(البوسطة)كما جاء في الرواية هو الباص الذي يقل طلاب المدارس، والبوسطة أعتقد أنها مأخوذة من الكلمة الإنجليزية(Post )والتي تعني النقل البريدي، ومنها مكتب البريد الذي ينقل الرسائل وغيرها، مع أن "البوسطة" مصطلح سيء في الثقافة الشعبية الفلسطينية، وهو السيارة المغلقة التي تنقل المعتقلين والأسرى بين المعتقلات والسجون. قسّم الدكتور البكري روايته الى ثماني عشرة لوحة، ليروي لنا حكاية بطولة تتوزع على أكثر من شخص، أو ساهم فيها أكثر من شخص، حكاية كفاح تحمل أكثر من قيمة تربوية وقِيَمٍ تعليمية، يستمدها الكبار من سيرة الآباء والأجداد، وإن كانت البطولة الرئيسة فيها للسارد الذي تكلم في الرواية بلغة"الأنا". تبدأ الرواية بلوحة"بيتنا الجميل"حيث يصف الطفل بيتهم الريفي الجميل الذي تحيط به حديقة جميلة، مزروع فيها ورود وأشجار وبعض الخضروات للاستعمال البيتي، لكن اللافت فيها هو شجرة التفاح التي زرعتها الجدة من جهة الأب، ومدى حرص الوالد على هذه الشجرة التي شاخت بعد أن أعطت ثمارها اللذيذة لسنوات طويلة، ومع أن الشلل بدأ ينخر أغصانها إلا أن الأب رفض التفريط بها، أو نقلها من مكانها الى مكان خلف البيت مثلا كما اقترح الأحفاد، وبقيت مكانها الى أن" جاءت عاصفة خفيفة وقلعتها من جذروها الميتة"، واذا كان بيت الانسان بمثابة جنته في الحياة الدنيا، وأن الموت نتيجة حتمية لكل المخلوقات الحيّة، الا أن الرسالة التربوية للناشئة سامية جدا وهي ضرورة رعاية الآباء والأجداد في شيخوختهم حتى يتوفاهم الله خالقهم، كما أنها تحمل أكثر من رسالة تعليمية تتمثل في زراعة حديقة المنزل، والأرض المحيطة به كما هي البيوت في القرى، وفي ذلك تجميل للطبيعة، ودعم للاقتصاد المنزلي لن يكون على حساب العمل للكبار، أو الدراسة للأطفال والطلاب. اما اللوحة الثانية"فراشات الحديقة" فهي تتغنى بجمال الطبيعة، وبجمال هذه الحشرة متعددة الألوان، والتي تضفي جمالا خلابا على الطبيعة في فصل الربيع، وعلى حدائق المنازل، لكنها فقدت رونقها وقوتها وجمالها عندما "حبسها" الطفل الراوي في غرفته، ولم تستعد عافيتها الا بعد أن أطلق سراحها، وفي هذه اللوحة دعوة للحرية، اللوحة الثالثة"مناسبة سعيدة:" والمناسبة هي مرور 15عاما على زواج الوالدين، وهي مناسبة يشارك فيها الزوجان والأبناء وربما بعض الأهل والأصدقاء المقربين، وفيها تذكير للأبناء خصوصا الأطفال منهم بأن للآخرين أيضا مناسباتهم التي علينا ان نحترمها، وقد تكون لنا علاقة مباشرة بهذه المناسبات، كزواج الوالدين مثلا، فعلينا أن نشاركهم بها. اللوحة الرابعة :"العم جميل" وهو الرجل الذي يعتني بحديقة المنزل، والذي يعتبر كواحد من أبناء الأسرة، وحتى الكلب يتصرف هو الآخر كواحد من أبناء الأسرة، وفي هذه اللوحة عودة الى نفور الأطفال من المدرسة عند ذهابهم اليها للمرة الأولى، ولكسر هذا النفور فان الأهل زودوا المعلمة بسيارة دمية لتقدمها هدية لابنهم الطفل دون علمه، وكأنها هدية من المعلمة، غير أن الأخ الأصغر كشف هذا السر مما جعل شقيقه التلميذ ينفر من اللعبة ويستعملها بقسوة حتى حطمها لأنه يريد هدية من المعلمة،" وكما أذكر أن هذا المضمون مرّ معي في قصة أخرى للمؤلف نفسه" وتكراره لا ينتقص من قيمة العمل الابداعي بل قد يكون ضروريا لتكريس فهمه والعمل به، وفي هذه اللوحة تعليم للأطفال بأن لا يخافوا من المدرسة، وعليهم أن يقبلوا عليها طواعية، وضرورة احترام الكبير والرفق بالحيوان، كما أن فيها توجيه غير مباشر للأهل وللمدرسة في كيفية استقطاب الأطفال الجدد للمدرسة. وفي اللوحات5+6+7+8 تعريف للتلاميذ على أجواء المدرسة من التعرف على زملاء جدد وبناء صداقات جديدة، ووجود نشاطات وألعاب ككرة القدم، والكشافة التي تربي روح الجندية في الطلاب، والتعرف على علم الدولة وكيفية رفعه وتحيته، واكتشاف الحب الطفولي الأول، وكلها أمور تربوية وتعليمية هامة على بساطتها. أما بقية اللوحات فتروي لنا قصة العم أبي زكي الذي عاش يتيما، وكيف جاهد في الحياة الى أن اشترى الباص"البوسطة" بعد أن عمل بمباركة وتوجيه شيخ القرية في "كافيتيريا" لأحد أبناء قريته في العاصمة لمدة سنة، ودفع ربع ثمن الباص والباقي بالتقسيط لمدة خمس سنوات، وهو لا يزال لا يعلم شيئا عن الجندي المجهول الذي دفع المبلغ الأكبر من ثمن الباص، وهو والدته التي عملت في الحقول عند الآخرين بعد وفاة زوجها لتعيل أطفالها الأيتام، وكأني بالكاتب في نهاية الرواية يعيدنا الى بدايتها، ففي اللوحة الأولى التفاحة التي حاول أحفاد من زرعتها الاستعجال باقتلاعها عندما شاخت ولم تعد مثمرة، وهنا النهاية في الأم التي شقيت وتعبت وحافظت وربت وعلمت وبنت وبسرية تامة دون أن يكون لها أيّ ذكر، فهل تستحق الرعاية أم لا؟ وفي هذه اللوحات تحريض على الجد والاجتهاد والمثابرة، والاستفادة من تجارب الكبار، والاستعانة بنصائح وتوجيهات ذوي الرأي والخبرة والاستعانة بقدرات وخبرات الخيرين من الأقارب والأصدقاء، وأن الهجرة من الريف الى المدينة أو الى بلدان أخرى يجب أن تكون مؤقتة لجلب المال الذي يتعسر الحصول عليه في مكان السكن، ثم العودة الى مسقط الرأس للبناء ومواصلة الحياة الكريمة. وكذلك فيها تحذير من الانجرار خلف الإشاعة، وعدم التحقق من الأمور، لأن في ذلك ظلما للآخرين. الأسلوب: لجأ الكاتب الى أسلوب القص السلس، من خلال تجزئة الرواية الى أقاصيص يمكن قراءة كل منها منفردة، لتتحد مشكلة رواية مشوقة، وذات قِيِمٍ عالية، ولغة الكاتب بليغة منسابة وإن لجأ في البداية الى وصف البيت بطريقة مدهشة، حتى خلته يصف قصرا وليس بيتا قرويا، والرواية يطغى عليها عنصر التشويق الذي يجبر القارئ على متابعتها، ففيها تسلية للقارئ وفيها تعليم وتربية جاءا بين السطور ومن خلال المعاني، وهذا هو الابداع.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل