المحتوى الرئيسى

ذكرى بن لادن

05/11 11:18

ساطع نور الدين هي لمحة خاطفة، لا تشي إلا بأنها لحظة ضعف إنساني، يحار المشاهد في تفسير سبب إقدام الأميركيين على اختيارها وعرضها مراراً وتكراراً للرجل الذي يختزل بالنسبة إليهم معاني الشر والحقد والكراهية. كان أسامة بن لادن في تلك اللمحة، التي لا تتجاوز مدتها خمس ثوان، آدميا ينتمي الى بني البشر، وليس وحشاً ضارياً يتساقط من فمه دم ضحاياها: عجوز متعب يغطي رأسه بطاقية صوفية، يتلحف ببطانية تحمي جسده المتكور من البرد، يمسك بيده آلة التحكم، يتحدث الى أحد أفراد أسرته أو حمايته، يريد ان يلفت نظره ويستثير إعجابه بشريط مصور سبق ان دخل التاريخ. في شريط آخر، كان بن لادن يستعد لأداء دور آخر لا يخلو من طابع إنساني، ويصبح أمام الكاميرا كأي ممثل سينمائي او مقدم برامج تلفزيونية، او حتى مؤدي لقطات دعائية لمستحضرات تجميل او تنظيف. يظهر الرجل على بساطة وعفوية لم يسبق لهما مثيل، وتقدم بقية الأشرطة عرضاً سريعاً للتجاعيد التي غطت وجهه والشيب الذي خط لحيته.. لم يبث الأميركيون الأشرطة الصامتة إلا للبرهان على أنهم كانوا هناك. هي بديل عن صورة الجثة المطلوبة وعن صورة إلقائها في البحر. لكن الغريب انها لم تزد بن لادن بشاعة أو ترهيباً. لعلها زادت من شعبيته، او على الأقل من حيادية الجمهور ازاء شخصيته التي لم تظهر في اللقطات انها تتميز بقسوة استثنائية. كان مجرد رجل مريض يشعر بدنو أجله، فيقرر ان يستعيد صور أمجاده، وبينها شريط شهير يطلق فيه قسماً بالله لا ينسى، بـ»أن أميركا لن تعرف الأمن حتى نعيشه واقعاً في فلسطين». وتلك كانت من المرات النادرة التي قال فيها بن لادن كلاماً مؤثراً ومفهوماً من عامة العرب والمسلمين. هذا الشريط بالتحديد اختاره وعرضه الأميركيون، الذين اثبتوا انهم اشد سذاجة مما كان يعتقد حتى الآن. لم تكن الأشرطة الخمسة الصامتة هي رسالة الوداع، لكنها بالتأكيد كانت الإثبات الأخير على ان بن لادن كان في فترة احتضار حقيقي، بعد معاناة طويلة من مرض عضال. كان الأطباء الباكستانيون قد يئسوا من محاولات إنقاذه من السرطان، وكان الرفاق العرب والأفغان قد تعبوا من علاجه المستحيل، فقرروا أن يستسلموا لمشيئته، بأن يتركوه ليموت بهدوء في أحد منازله المعروفة جيداً وبين معظم افراد اسرته.. حتى ولو اقتضى الامر او الإخراج السينمائي ان يسمح لفرقة إعدام أميركية بأن تتسلل الى غرفة نومه، وتسدل الستار على الفصل الأخير من الأسطورة، وتعود بإنجاز باهر لأميركا... في الأشرطة الخمسة ، كان بن لادن ينتظر ملاك الموت ليس إلا. كان يتوقع ان يظهره الأميركيون بصورة مغايرة. كان يترقب ان يمهدوا لقدوم خليفته في زعامة التنظيم بشكل مختلف تماماً. لكن حصل خطأ ما في الاختيار وفي العرض.. وفي الذكرى الأخيرة عن الرجل الذي عاش لغزاً ومات لغزاً. *نقلاً عن "السفير" اللبنانية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل