المحتوى الرئيسى

فى انتظار الثورة الإسلامية.. ثارت الشعوب على حكامها فهل يثور المسلمون على فقهائهم؟(1-2)

05/11 08:06

كان قيام الثورة المصرية إيذاناً بأن عهد الخيانة وقهر الشعوب وتبديد ثرواتها وجعل مقاديرها بيد «شلة» أو «جونتا» أو «مافيا» من المنتفعين والعملاء، وأن إبقاء الجماهير مستغلة مستسلمة مستخذية قد انتهى. ولكن هذه الثورة لن تستطيع تحقيق أهدافها ما لم تقم بجانبها ثورة أخرى تعمل لتحرير الجماهير من القوى التى تتمسح بالدين والتى تتملك وجدان الشعب، والتى اتسمت باتجاهات مغرقة فى الرجعية والتخلف، لأنها تقوم على تقليد الأسلاف الذين وضعوا منظومة المعرفة الإسلامية منذ ألف عام، وعدم الاجتهاد أو التفكير، ودفعت إلى الصدارة والمقدمة بأشد عناصر القوى الدينية تخلفاً، وهم الذين يسمون أنفسهم «السلفية»، والذين يأخذون بأشد صور السلفية تقييدًا وتشديدًا، وهى السلفية الوهابية التى وضعها محمد بن عبد الوهاب فى السعودية منذ مائتى عام، والتى انتعشت مع انتعاش السعودية وبروز دورها بما يتناسب مع ارتفاع أثمان البترول بدءًا من حرب أكتوبر من 3 دولارات إلى 40 دولاراً، ثم سار الارتفاع حتى جاوز المائة دولار، فتوفرت للسعودية والخليج أموال طائلة خصص بعضها لتعزيز دعوة السلفية الوهابية. من ناحية أخرى فإن العجز الذى أصاب الأزهر طوال فترة استلحاق الدولة له من أيام عبد الناصر وتعيين شيخه طبقاً لإرادة الحاكم، مما حرم الأزهر من الاستقلالية والريادة، وكذلك احتجاز دعوة الإخوان المسلمين التى تعد أقوى التجمعات الإسلامية وأكثرها انفتاحًا وراء جدران السجون طوال مدة حكم عبدالناصر حتى الآن، فلما جاءت الثورة حررتهم، ولكن هذا لم يغير الصورة «الرجعية» للهيئات الدينية، لأن الاختلاف هو فى الدرجة وليس الطبيعة، فمعظم الدعوات الدينية رجعية تعتمد على النقل أكثر مما تعتمد على العقل وتقف موقفاً معارضًا لما حفل به العصر من مستجدات، وقد تدور مباحثات لتعاون الإخوان المسلمين مع السلفيين بحيث يصبحون أكبر القوى فى الشعب. وهكذا.. ففى حين نرى ثورة 25 يناير التى قام بها شبان مثقفون استعانوا فى حركتهم باستخدام صور التقدم فى النت والفيس بوك والاتصالات الإلكترونية، فإننا نجد قوة أخرى صاعدة.. منظمة.. قوية، تعتمد على المقوم الدينى وهو أقوى مقومات الشخصية المصرية، وترجع بالشعب إلى الوراء، وتقاوم إعمال العقل، وتحكمها العادات والتقاليد والخرافة، مما يمكن أن يوقف سير الثورة، ويعود بها إلى الوراء. لابد من القيام بأسرع ما يمكن بالثورة الإسلامية التى تستهدف القضاء على الأفكار التى ألصقت بالأديان على مر العصور، وجعلتها تقاوم التطور وترفض عالم العصر وتعيش فى الماضى ولا تأبه للمستقبل. ■ ■ ■ إن المجتمع الإسلامى يقف اليوم كما وقف المجتمع الأوروبى قبل الثورة الفرنسية التى قضت على السلطة السياسية للبابوات، التى كانت تفرض نفسها على الملوك، وقبل إصلاح مارتن لوثر الذى قضى على الرهبان ورجال الكنيسة وهيمنتهم على الجماهير وعامة الشعب بما يقدمون من خرافات وما يدعونه من قوى، وبهذا تحرر مجال السياسة، ومجال الفكر والعقيدة من هيمنة المؤسسة التى حكمت أوروبا، وكان كل الشعب الأوروبى يطلق عليها «أمنا الكنيسة». وليس عبثاً أن إصلاح مارتن لوثر سبق فترة الاستنارة و«الرينسانس» ومهد لها بحيث جعل الشعوب تستوعب الفكر الجديد الذى كشف عنه فلاسفة الاستنارة. لقد أدت عوامل عديدة إلى تأخر ثورة الإسلام منذ أن ظهر الثورى العظيم جمال الأفغانى ونفخ فى الصور ليوقظ المسلمين الذين كانوا فى سبات عميق، وليعيد الأمل والثقة إلى نفوسهم بعد أن كانوا يؤمنون أن الاستعمار قـوة قاهرة وقضاء من الله لا راد له، وقد أيقظ جمال الأفغانى النيام وأحيا الآمال وهز أسس الحكم المستبد فى الداخل وسيطرة الاستعمار من الخارج، ولكن وقته لم يتسع لغير ذلك. وشغل المصلحون الذين جاءوا بعده بناحية أو أخرى من نواحى الفكر الإسلامى، وغلبت الأكاديمية على بعضهم بحيث لم يؤثر تأثيرًا حاسمًا فى الإصلاح، وقد كان أجدر هؤلاء المصلحين ليقوم بهذا الإصلاح هو حسن البنا، ولكن غلب على حسن البنا التنظيم على التنظير بحيث استوعب جهده بناء «الإخوان المسلمين»، كما أنهم ما كانوا يمكن أن يجاوزوا الحدود الآمنة، أو أن يتصف إصلاحهم بالثورية المطلوبة. إن ما يثير الدهشة أن هذه الثورة الإسلامية موجودة تعمل منذ عدد من السنين وهى «دعوة الإحياء الإسلامى» التى دعا إليها صاحب هذه الكلمات، ولكنها تحارب حربًا شعواء، لأنها لم تصدر من الأزهر ولم تلبس عمامة، ولم تسر فى المسار التقليدى الذى يفرض الالتزام بآراء الأئمة والأسلاف التى وضعوها منذ ألف عام، واعتبرت هى أصول الفكر الإسلامى. ولم يتوفر لأحد ما توفر لدعوة الإحياء الإسلامى من عناصر وملابسات مكنتها لأن تقدم «المشروع الإسلامى» النهضوى كاملاً، لا يغفل ناحية من نواحيه، فتناول الحكم، والاقتصاد، والاجتماع، وعُنى بوجه خاص بموضوع النساء والعمال، وقدم بحوثاً مستفيضة فى هذين، بالإضافة إلى إصلاح أصول الفقه فى كتاب «نحو فقه جديد» فى ثلاثة أجزاء، ونقده وتنقيحه لأكثر كتب التراث قداسة وهو «صحيح البخارى»، بتأليف كتاب «تجريد البخارى ومسلم من الأحاديث التى لا تلزم»، وكتاب «جناية قبيلة حدثنا» وضبط السُـنة بمعايير صارمة من القرآن والعقل. وكان سر الإبداع فى دعوة الإحياء الإسلامى أنها كانت متفتحة على عالم العصر مؤمنة بما جاءت به الحضارة الأوروبية من إنجازات مما يُعد من قبيل «الحكمة» التى تقبلها القرآن، بل وقرنها بالكتاب، وفى الوقت الذى حالت عقلانيتها دون التأثر بكل ما حُشيت به كتب التراث من خرافات، فإن الجذر العميق للإسلام وكان يدور حول القرآن حال دون أن تنحرف عنه، ومن هنا توصلت إلى إسلام يعايش العصر ويمكن أن يجابه تحدياته وملتزم فى الوقت نفسه بما جاء به القرآن. gamal_albanna@islamiccall.org gamal_albanna@yahoo.com www.islamiccall.org gamal-albanna.blogspot.com  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل