المحتوى الرئيسى

> مصر بين دستورين (5).. صدقي باشا عدو الشعب وحزب الشعب!

05/11 21:08

لم تكن مفاجأة أن يعهد «الملك فؤاد» إلي «إسماعيل صدقي باشا» خصم الدستور والمستهتر الأول بحقوق الشعب - والوصف للمؤرخ عبد الرحمن الرافعي - بتأليف الوزارة في العشرين من يونيو سنة 1930 . لقد كان صدقي باشا يتوقع ذلك قبل عامين تقريبًا، بل أعد نفسه لذلك فعلا، حيث يعترف في مذكراته قائلاً: «كانت الرغبة متجهة إلي اختياري لتأليف الوزارة علي أثر إقالة «النحاس باشا» في يوليو سنة 1928، وخوطبت في ذلك خطابًا شبه رسمي وتهيأت لتأليفها، بل وضعت أسماء الذين وقع عليهم اختياري ليتعاونوا معي، وكان المندوب السامي البريطاني في ذلك الحين هو «اللورد جورج لويد» وكان من الطبيعي أن يكون أكثر ميلاً إلي شخص تربي في انجلترا «كمحمد محمود باشا» بتأثير البيئة العلمية الواحدة، والمدرسة الإنجليزية الواحدة، وقد أدت المشاورات العليا إلي اختيار «محمد محمود باشا» لتأليف الوزارة، وفي مساء 26 يوليو من تلك السنة بينما كنت منتظرًا في بيتي الدعوة إلي القصر خوطبت بالتليفون بالقرار الجديد. لم يكن صدقي باشا يستند أو يحتمي بأية قوة سياسية حقيقية في البلاد بطولها وعرضها، وقد حرص صدقي باشا علي أن يؤكد للملك «ستلتزم الوزارة الحيدة السياسية المطلقة فلا تنتسب في مجموعها وأفرادها إلي هيئة أو هيئات سياسية». وكان أول ما فعله «صدقي باشا» أن قام بزيارة المندوب السامي البريطاني الجديد «سير برس لورين» والذي يقول عنه بأنه يختلف عن سلفه بأنه سياسي يمتاز بالمرونة، كان هدف الزيارة كما يقول «صدقي» للتحدث معه في بعض الشؤون السياسية، وقد أبلغته نبأ تكليفي بتأليف الوزارة ولم يكن حتي هذه الساعة قد وصله هذا النبأ فقال سعادته: - إنني لا أعلم شيئًا قبل الآن عن هذا التكليف، ولكني أري أنك أتيت في وقت غير مناسب!! ولما استفسر صدقي باشا عن السبب قال له: لأنني أمضيت نحو شهر في مفاوضة زعماء الأغلبية لوضع مشروع اتفاق بين مصر وبريطانيا وكان لي أمل أن نجد المخرج للوصول إلي اتفاق. ورد صدقي باشا بقوله: إنني مكلف من الملك بتأليف الوزارة، وقد ساهمت في تصريح 28 فبراير بل إني أحد واضعيه، وقد سبق لي أن كنت المفاوض الثاني مع «عدلي باشا» سنة 1921، وفي الإمكان أن استأنف معكم المفاوضات التي انقطع حبلها. وأجابه المندوب السامي قائلا: ما دام الملك فؤاد قد كلفكم بتأليف الوزارة فلا اعتراض لي علي ذلك. ولم يكن المندوب السامي وحده هو الذي يري أن صدقي باشا أتي في وقت غير مناسب، بل أن صحيفة التايمز البريطانية كتبت أن مجيء صدقي باشا كان غلطة سياسية تورط فيها الملك فؤاد!! >> ولعل الأغرب من ذلك كله، أن الوزارة تشكلت، وقررت تعطيل البرلمان لمدة شهر، ثم أغلقت الحكومة أبواب البرلمان بسلاسل من حديد، وعمت المظاهرات والاعتصامات كافة أرجاء مصر، ثم جاء إلغاء دستور 1923 نفسه في 22 أكتوبر سنة 1930، جرت كل هذه الأحداث الجسيمة دون أن يستند «صدقي» باشا إلي حزب سياسي!! وفجأة قرر «صدقي باشا» أن ينشئ حزبًا وهو الذي يكره الأحزاب والحياة الحزبية ولم يكن ذلك سرًا فقد اعترف به في مذكراته حيث كتب يقول: أنا من الذين لا يميلون إلي الحزبية، ولا يحبون التقيد بالأحزاب ولذلك لم أنضم طول حياتي السياسية قبل سنة 1930 إلي حزب ولم أؤلف حزبًا، وقد تألف حزب الأحرار الدستوريين برياسة «عدلي يكن باشا» واشترك فيه زميلي «ثروت باشا» وكلاهما كان صديقًا حميمًا لي ومع ذلك لم أنضم إليهما ولم أشترك يومًا في عضوية هذا الحزب. ولكن بعد تأليف الوزارة، ووضع دستور سنة 1930 وإعلان الانتخابات لقيام برلمان جديد في ظل هذا الدستور رأيت أنه لابد للوزارة من إسنادها إلي أغلبية برلمانية.. وقد كنت آمل أن يؤيدني حزب الأحرار الدستوريين كما أيدني حزب الاتحاد نظرًا لصداقتي لأعضائه الذين شعروا بأني سلكت الطريق القويم، ومما يؤسف له أن المسائل الشخصية لعبت في ذلك دورها الممقوت، ولم يعمل حسابا لما قلته بإخلاص عندما توليت الحكم وهو: إني عابر سبيل!! و.. ولذلك رأيت في تلك الظروف أن أؤلف حزب «الشعب»، ورؤي في أول الأمر أن يسمي حزب الإصلاح، وقد انضم إليه عدد من أعضاء حزب الأحرار الدستوريين وحزب الاتحاد والمستقلين! وتعلق د. عفاف لطفي السيد علي هذا الحزب بقولها: «قام حزب الشعب ليكون مظهرًا خارجيًا، لقد كانت مهمته الوحيدة مساندة الحكومة في حكمها ولم يكن له أتباع حقيقيون، مجرد تأييد وهمي من أعضاء مأجورين وأناس لهم مصالح معينة في حكم صدقي أو لهم علاقات بالقصر». وفي كلمات بالغة الدقة والدلالة تقول «روزاليوسف»: كان صدقي يستكمل لحكمه كل ألوان الشرعية: حزب وبرلمان وأغلبية وجريدة دون أن يكون له «جوهر» الشرعية وهو التأييد الحقيقي لأغلبية المواطنين، أكان يغيب عن ذكاء صدقي أن كل هذا البناء الذي يقيمه لا يجدي فتيلا ما لم يستند إلي رضاء الناس؟! أكان يجهل أن كل ما صنعه سوف يتداعي وتذروه الرياح ما دام الناس له كارهين؟! وتستكمل د. صفاء شاكر عبر كتابها «إسماعيل صدقي: الواقعية السياسية في مواجهة الحركة الوطنية» ملامح صورة حزب الشعب قائلة: كان اسم «إسماعيل صدقي» رجل السياسة المصرية القوي علي رأس الحكومة كفيلاً لكي يضفي علي الحزب الخوف والرهبة! ضم صدقي إلي حزب الشعب طائفة من أغنياء الريف، وهي الطائفة التي كانت في الغالب ما تنتقل بين الأحزاب إما لعصبية أسرية أو للميل مع ميزان القوي لأي حزب بحيث يكون هناك ضمان دائم للمصالح الخاصة. ومن أجل جمع أكبر عدد ممكن من المصريين وضمهم إلي «حزب الشعب» لجأ صدقي إلي العمد والمشايخ في الريف، فأجبرهم أن يوقعوا استمارة تثبت عضويتهم في الحزب وإنهم دفعوا اشتراكه، وأوجب علي أعوان الحزب ومن يجدون في الانتماء إليه تحقيقًا لمصالحهم أن يحرر كشفًا بالأشخاص الذين يخضعون للحزب سواء عن طريق ترغيبهم أو ترهيبهم. وكان رجل الإدارة النشيط الذي يستحق الرضا ومن ثم الترقية في الدرجة والمرتب هو الذي يستطيع أن يحشد للحزب أكبر عدد ممكن. أما الأعضاء الذين انضموا للحزب، فقد جاء عنهم في أحد تقارير الأمن «أن حزب الشعب الحالي جمع الكثير من الأعضاء الذين انضموا إليه لجر المغانم من الوزارة»! >> ومنذ اللحظة الأولي لمولد الحزب وتكوين الجمعية التأسيسية للحزب، من 84 عضوًا وإقرار قانون وبرنامج الحزب فقد هاجمه الجميع وبقسوة! لقد كان الحزب أشبه بالنكتة السياسية لكنها لا تضحك من فرط مرارتها وسخافتها، لقد أطلق الكاتب الصحفي الكبير الأستاذ «توفيق دياب» علي حزب صدقي اسم «حزب الأشباح» ثم عاد وسماه «حزب النفايات» وكتب في جريدته «الضياء» يقول: «إن الحزب الجديد لا يجهل أنه قد تم جمعه من نفايات المبادئ والبقية المنقرضة من عهد الزلفي والنفاق، إنه حزب مهين في عين الأمة بل في عين نفسه، ذلك أن كل عضو أشل من أعضائه، وأعضاؤه كلهم أشلاء، لا يجرؤ علي أن يبرز للناس في البيئات المصرية المختلفة إلا منزويا يداري عواره لما يعلم من جريرته علي سمعة البلاد»! ودخلت إلي مجال الهجوم والسخرية من «حزب الشعب» مجلة الصرخة التي صدرت بعد أن غلق «صدقي باشا» مجلة «روزاليوسف» ابتداءً من العدد رقم 184 وصادره بسبب الغلاف الذي يرسم صدقي باشا وهو يدوس علي مصر المحترقة وبيده مسدس وكان تعليق الكاريكاتير: إسماعيل صدقي يحكم البلاد بالعناصر الرشيدة الحديد والنار»! ولم يكن قد مضي سوي بضعة أيام علي تكوين حزب الشعب حتي نشرت «الصرخة» في عدد 25 نوفمبر سنة 1930 مقالا ساخرا لاذعا عنوانه «مهزلة الانتخابات المقبلة» قالت فيه: «هناك قائمة من الحكم المشهورة علي رأسها حكمة جليلة تقول: اكذب ثم اكذب فلابد أن يترك كذبك في النهاية أثرًا، وقد عرضت هذه القائمة علي صاحب الدولة رئيس الوزراء فأجري فيها قلمه الأحمر بالتعديل والشطب والإضافة، ثم أمر بإضافة الحكمة الذهبية التالية: غالط ثم غالط ثم غالط لعل مغالطتك تترك في النهاية أثرًا!.. وفي رواية أخري إنه قال قاوح بدلا من غالط»! وتضيف مجلة الصرخة في مقالها الساخر: «افتتح دولته عهده السعيد بخطبة قال فيها: إن العناصر الرشيدة تؤيده، ثم رأي دولته فيما بعد أنه ليس من الإنصاف، ولا من حسن الذوق في شيء أن يدع العناصر الرشيدة وحدها تحمل هذا العبء الثقيل فأشرك معها العناصر العميقة بنسبة النص بالنص! ومن ثم راح دولته يحكم البلد مستندًا إلي تأييد العناصر الرشيدة والعناصر العميقة دون أن يكلف خاطره بالسؤال عن محل إقامة أو سكن هذه العناصر يا أولاد الحلال». أما افتتاحية المجلة فكان عنوانها «قبل ما يلعب: برنامج سينما الشعب الجديد» وكان يقطر سخرية وتريقة من حزب الشعب! في البداية تقول الافتتاحية الموقعة باسم «محمد علي حماد» الذي شارك «روزاليوسف» ومحمد التابعي في إصدار مجلة الصرخة ما يلي: في البلد دار للسينما معروفة تدعي «سينما الشعب»، وأشهر ما امتازت به برنامجها العجيب الذي تفرد بعبارات خاصة وجمل معينة هي منتهي الإغراق في الدجل والتهوين واستغلال سذاجة أفراد الشعب وبساطتهم الفطرية، فأنت تقرأ في برنامج هذه السينما العجيبة عبارات تجري علي هذا القياس مثلاً: الشبح الهائل الذي أكل مدينة كذا في فم واحد! البطل ماشست يحمل عمارة من عشرة أدوار علي كتفه ويسير بها! سباق الموت الرهيب بين النملة والفيل.. وهكذا. وبرنامج حزب الشعب الجديد الذي يتولي رئاسته صاحب الدولة «صدقي باشا» بمادة رسمية من مواد قانونه، يسير علي هذا القياس ويجري وفق هذا المنطق، والظاهر أن العبقري الذي كلف بوضع مواد هذا البرنامج المدهش اقتبسها عن إعلانات سينما الشعب فجاءت وكأنها الحسناء وخيالها في المرآة كما يقول شاعر النيل. وتمضي الافتتاحية قائلة: «ولا يعنينا في هذا الصدد أن نتفكه باسم الحزب «الشعب»! وأن نقف أمامه متسائلين، ليكن من قبيل تسمية الأشياء بأضدادها وما يهم؟! إن دلالة الاسم كافية لنوقن منها أن القصة من أولها إلي آخرها لا تخرج عن دعابة، وإن كانت غير محبوكة الأطراف- شاء صاحب الدولة أن تتفكه بها البلاد علها تخفف عنها هذه الأزمة الخانقة أو هذه الحريات المسلوبة والكرامات المهدورة. ثم تتحدث الافتتاحية عن صدقي واستقلال القضاء فتقول: «ولا يضمن استقلال القضاء إلا دولة «صدقي باشا» ووزير حقانيته «علي ماهر» باشا! ولم ير القضاء عهدًا كعهد الاثنين، يكفي أن يجيء حكم القاضي فيه علي غير مشيئة الوزارة ليكون نصيبه الإحالة علي المعاش وحوادث الأمس القريب لا تزال ماثلة للأذهان». ولم يكن صدقي باشا يعبأ بكل هذا علي الإطلاق! >> وقبل ذلك بأسابيع وبالتحديد في عدد الصرخة الصادر بتاريخ الرابع من نوفمبر سنة 1930 راحت تكشف لجمهور القراء عن حكاية حزب وجريدة الشعب فكتبت تحت عنوان «حزب جديد وجريدة جديدة» تقول: «لم يسمع من قبل لا في البلاد الدستورية ولا في غيرها أن وزارة تتولي الحكم ثم تعمل بعد ذلك علي خلق حزب يؤيدها، ويدخل أعضاؤه في الانتخابات تحت لوائها، لكن مصر بلد العجائب وهي كالقطط كفيلة بأن تلد سبع عجائب في بطن واحدة. وشغل الوزارة الشاغل اليوم هو خلق هذا الحزب الجديد، وإنشاء جريدة تنطق باسمه، ولقد كان صاحب الدولة صدقي باشا عند توليه الوزارة يعتمد إلي مدي بعيد علي حزب الأحرار الدستوريين، لكن عندما تنكر له الأحرار الدستوريين واكتشف هو فجأة أنه حزب قليل العدد لا يعتد به، وبدأت السياسة -جريدة الحزب- تهاجمه وانضمت إلي صحف المعارضة، عندها أدرك صاحب الدولة أنه أصبح وحيدا في الميدان؟ لا حزب ولا جريدة! ومن هنا نبتت الفكرة في وجود خلق حزب يناصر الوزارة وفي إنشاء جريدة تنطق بلسان هذا الحزب الجديد، مثل هذه الجريدة تولد ميتة!». وتمضي مجلة «الصرخة» في سخريتها قائلة: «ويقول الراوي إن المرشح لرئاسة التحرير هو محمد بك إبراهيم هلال» وأنه يطلب مرتبًا شهريًا قدره 100 جنيه (مائة) وأن مساعده في التحرير «حسن أفندي الشريف» وقد يطلع هذا الأخير غدًا بمقالات عنوانها «هدم الوفد والأحرار الدستوريين كمان فريضة علي الأكفاء»! إن كل هذه السخرية والاستهزاء والهجوم علي «صدقي باشا» لا يهزه في شيء ولا يهتم به أو كما يقول الأستاذ مصطفي أمين: «إن هتافات الشعب لم تعد تهمه الشعب المصري ليس هو الذي يؤلف الوزارات ويسقط الوزارات، كتابة اسمه علي نعش تحمله الجماهير لا يثيره، الجماهير أضعف من أن تحمي رؤساء الوزارات أو تميت رؤساء الوزارات». لقد كان أكثر ما يشغل بال «صدقي باشا» في ذلك الوقت هو البحث عن رئيس تحرير الجريدة الشعب! وخطر لصدقي باشا أن يكون المفكر الدكتور «هيكل باشا» هو الحل! >> وعن حزب «الشعب» و«جريدة «الشعب» كتب الدكتور «محمد حسين هيكل باشا» في مذكراته يقول: «كان صدقي باشا موقنًا بأن سياسة البطش وحدها لا تؤدي إلي غاية، فهذا فكر في الوسيلة التي يستر بها سياسة البطن هذه فرأي أن ينشئ حزبًا، وأن ينشئ للحزب جريدة، فأنشأ «حزب الشعب» وأنشأ جريدة «الشعب»، وكان جليا منذ اليوم الأول أن الحزب من صنع الحكومة، وأن الجريدة كذلك من صنع الحكومة! وعلي الرغم من النشاط العجيب الذي بذله «صدقي باشا» لتقوية الحزب وجريدته، لقد بقيا برغم قوة صدقي باشا الذاتية هزيلين! لأن الناس جميعا كانوا موقنين بأن المنضمين للحزب والجريدة إنما تجمعهم مصالح مادية بحتة، إذا تداعت أركانها تداعت كل صلة بينهم. حيث تقتصر روابط الناس علي المصالح المادية، حيث لا تجمعهم فكرة يطمئنون إليها أو عقيدة يؤمنون بها أو ما شابه ذلك من رباط معنوي، كان حرص كل علي أن ينال من المصالح المادية النصيب الأوفي سببًا لمفاسد لا حد لها، وذلك ما حدث، وإن ستره بأس «صدقي باشا» في أثناء رياسته الوزارة». ومن غرائب الحياة السياسية أن «صدقي باشا» خطر بباله أن يفاتح «هيكل باشا» في الانضمام لحزب الشعب وجريدته، يقول هيكل باشا: «وخيل إلي صدقي باشا أنه إذا استطاع أن يضمني إلي حزبه أضعف من قوة الأحرار الدستوريين وإذا كان يؤمن بأن لكل رجل ثمنًا، إذا دُفع له قبل ما يعرض عليه مقابل هذا الثمن، فقد بعث مع صهري «عبدالرحمن رضا باشا» برسالة يقول فيها: إنه مستعد لإجابة كل مطلب إذا أنا تركت الأحرار الدستوريين وانضممت إليه، وكان «عبدالرحمن باشا» قليل الثقة بالناس يعتقد أنهم جميعًا يجرون سعيًا وراء مصالحهم، وأن التمسك بالمبادئ السامية في مصر لا يجدي نفعًا». «وكرر عبدالرحمن باشا هذه الرسالة التي حملها إياه صدقي باشا من غير جدوي، ولعل صدقي باشا كان يحسب إنني سأقبل هذا العرض يومًا من الأيام، فلما كررت الاعتذار عن عدم قبولها أخبرني بعض أصدقائي إنهم سمعوا أن البوليس يدبر أن يضبط عربتي يوما بعد أن يدس بها بعض المحرمات، وعجبت لهذا النوع الوضيع من الحرب». وتكشف الدكتورة «صفاء شاكر» في كتابها «إسماعيل صدقي: الواقعية السياسية في مواجهة الحركة الوطنية» عن جوانب خفية من هذا العرض حيث تقول: «ومع أن «هيكل» باشا لم يوضح في مذكراته السبب الذي من أجله أراد «صدقي» ضمه إلي حزب الشعب إلا أنه ما من شك في صدقي لم يرغب في عضوية «هيكل» للحزب، بقدر ما كان يرغب في جهوده لإخراج صحيفة الشعب علي نفس مستوي صحيفة السياسة لعله بذلك يساعد علي اتساع إطار التأييد للحزب». وذكر البعض أن العرض الذي تقدم به «صدقي» إلي هيكل شمل دفع عشرين ألف جنيه لهيكل دفعة واحدة مع إعطائه مرتبًا سنويًا يزيد علي مرتبه أضعافًا، ولكن هيكل رفض هذا العرض بالرغم من الأزمة المالية التي كانت وقتذاك تواجه صحيفة السياسة التي ترتب عليها عجز الصحيفة عن دفع مرتب الدكتور هيكل نفسه»! >> إن أغلب الدراسات والمؤلفات التاريخية تكاد تقطع بأن حزب صدقي باشا ولد ميتًا، وأن صحيفته «الشعب» ولدت ميتة أيضًا. ولعل أفضل من عبر عن هذا المعني الكاتب الصحفي الكبير الأستاذ «صبري أبوالمجد» في كتابه الوثائقي المهم «نوات ما قبل الثورة» فقد كتب يقول عن حزب وجريدة صدقي باشا بالحرف الواحد: «لماذا لا يجرب هو نفسه شخصيًا أن يكون قادرًا علي أن يقول للشيء كن فيكون، إنهم يريدون حياة ديمقراطية تعتمد علي الدستور وعلي الأحزاب، فلماذا لا يقوم هو بتفصيل دستور معين يختار هو نفسه له مواده ليحقق تماما وبالقدر الذي يريده، كل أهدافه واماله، ولماذا لا ينشئ هو حزبًا خاصًا به، تماما كما ينشئ عزبة في سمنود أو زفتي أو ميت غمر، يختار هو بنفسه اسم الحزب ويختار هو نفسه كل أعضاء الحزب من خاصة خاصته، من أصدقائه ومعارفه ومحاسيبه الذين يعتمدون عليه والذي يعتمد هو عليهم في نفس الوقت، بحيث يكون الحزب خاتمًا ينقله من هذه الأصبع إلي تلك الأصبع دون جهد ما. وما دام قد أنشأ الحزب فلينشئ للحزب صحيفة، وما دامت الحكومة معه، فإن الصحيفة ستكون غنية بالإعلانات والاشتراكات، إن كل من يرشح نفسه -مثلا- لمنصب العُمدية يجب أن يقرأ صحيفة الشعب لصاحبها «إسماعيل صدقي»، ويجب أن يقدمها لمعارفه وأصدقائه ومحاسيبه وجيرانه ولو كانوا أميين، وإلا فكيف يمكن أن تتوافر فيه شروط العُمدية إذا لم يكن من أعضاء حزب الشعب الذي يرأسه إسماعيل صدقي، وإذا لم يكن من قراء صحيفة حزب الشعب لصاحبها إسماعيل صدقي. >> وقرر صدقي باشا أن يختار د.طه حسين رئيسًا للتحرير وتلك قصة أخري!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل