المحتوى الرئيسى

أين أنت يا حمـــرة الخجـــــل بقلم:د. خالـد الخاجــة

05/10 22:12

عندما تضع وسائل الإعلام أخلاقيات المجتمع وقيمه العامة في الاعتبار، في ما تقدمه من مواد برامجية، فهي لا تتفضل عليه بذلك، ولكن هذا الالتزام الأخلاقي يعطيها شرعيتها المجتمعية، ويجعل لها دوراً يعتد به فيه، وإلا فما قيمة وسيلة إعلامية لا يلتف حولها المشاهدون أو حتى يقفوا بجانبها وقت أن تواجه العثرات، سواء المادية أو المجتمعية؟ ولذلك علينا جمعياً أن نعترف بأن لوسائل الإعلام أدواراً يجب أن تؤديها تجاه المجتمع، منها المساهمة في زيادة تماسكه وتعزيز تلاحمه، والبعد عن تعميق النعرات الطائفية والعرقية، أو تكدير السلم العام والأمن المجتمعي، وفي الوقت ذاته الالتزام بالمنظومة القيمية التي يلتف حولها المجتمع، والمتجذرة في ضمير أفراده عبر الزمن. هنا نستطيع القول إن وسائل الإعلام تقوم بدورها المجتمعي، وعليه لا يصح أن تكون وسيلة إعلامية في مجتمع وتحدد إطار عملها قيم مجتمعات أخرى، تقوم بنقلها كما هي دون وعي، وهذا خطأ أو عن وعي، وهنا الخطأ أعظم والجرم أفدح. وفي كل النظم الإعلامية التي تعارف عليها العالم بمختلفه، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، لا توجد وسائل إعلام تعمل دون النظر إلى ثقافة المجتمع الذي تعمل في إطاره، والذي يلعب هو دورا يعتد به في تحديد نوعية الرسالة المقدمة إليه، حتى في أعتى النظم اليبرالية التي تأخذ بالنظام التجاري، فالحرية فيه ليست مطلقة وغير مسموح العمل دون النظر لقيم المجتمع ومنظومته الثقافية. أقول هذا بعد أن شاهدت بعض حلقات برنامج يسمى «لحظة الحقيقة»، والذي يذاع في قناة فضائية عربية، وفيه تتم استضافة شخصيات معظمها من السيدات، ويتم طرح أسئلة شديدة الحساسية والخصوصية حول حياتهن في منزل الزوجية، وحول علاقات الزوجة مع زوجها وأسرته، وكذلك علاقتها بوالديها، وحتى علاقتها في العمل بما ينكأ جراحا قد تكون اندملت بفعل السنين أو سترها الله برحمته، وتأبى هذه البرامج إلا أن تذيعها بين الناس، وفي حضور الزوج والوالدة وجمهور الاستوديو الذي يزداد تصفيقاً للضيفة كلما زادت جرأتها في الرد على الأسئلة المطروحة، وهي على غرار؛ هل أغرمت بأحد تلاميذك ذات يوم؟ أو هل غازلت مديرك للحصول على راتب أعلى؟ والأسئلة على هذا المنوال كثيرة، وكلما تم الانتقال إلى مرحلة أعلى، كانت الأسئلة أكثر حساسية وأشد إحراجاً وأقوى أثراً في هتك خصوصية الحياة الخاصة للضيف، الذي لا تتعدى إجابته كلمة نعم أو لا! وهذا البرنامج كولومبي النشأة، وأول نسخه عرضت على قناة «كاركول» باسم «لا شيء سوى الحقيقة» في مايو ‬2007، وقد أثار الكثير من الجدل في كولومبيا ذاتها، بعد أن أجابت إحدى المتسابقات فيه بـ«نعم» على سؤال؛ هل استأجرت قاتلا محترفا لقتل زوجك؟ وعلى إثر ذلك أوقفت القناة عرض هذا البرنامج، إلا أنه أذيع بنسخة أميركية على شبكة فوكس بعنوان ،لحظة الحقيقة (The Moment of the Truth)، وترجم إلى اللغة العربية وأذيع منه بعض الحلقات على نفس الفضائية العربية بنسخته الأصلية، ووصلت فيه نوعية الأسئلة إلى أبعد مدى، مثل سؤال: هل أقمت علاقة جنسية كاملة مع أحد أصدقائك وأنت متزوجة؟ ويبدو أن رغبة القناة في زيادة عدد المشاهدين من غير القادرين على قراءة الترجمة، أو للتسهيل عليهم والرغبة في زيادة نسبة المشاهدة، تم تقديمه في نسخة عربية مستنسخة عن الأجنبية شكلاً ومضموناً. وهنا أتساءل لعَلِي أجد من يجيبني؛ ما هي فائدة إذاعة مثل هذه النوعية من البرامج على قنواتنا العربية؟ بل ما هي القيمة التي تعود على المشاهد العربي من المضمون المقدم في هذه البرامج، التي لا تنمي وعيا ولا تصقل فكرا، بل هي نوع من الصحافة التلفزيونية الصفراء التي تجاوزها الإعلام الغربي، ولكننا نأبى إلا أن نكرر تجارب فاشلة، وهذا نوع من البلاهة! ثم هل يجوز أخلاقيا استغلال حاجة الناس إلى المقابل المادي الكبير الذي يحصلون عليه مقابل كشف عوراتهم السلوكية أمام الملايين؟ قد يكون لذلك ما يبرره في الغرب، حيث ثقافة الاعتراف والتطهر من الذنب، أما في ثقافتنا فإن الجهر بالسلوك الشائن وإشاعته، هو نوع من التبجح وسوء الأدب مع الله وبين الناس، كما أن من ستره الله لا ينبغي له أن يبارزه بإشاعة الخلق المرفوض دينا وخلقا، والله سبحانه اسمه الستير. وهنا يحضرني موقف النبي صلى الله عليه وسلم حين أتى إليه سيدنا «ماعز بن مالك» وهو أحد الصحابة، وقال له: يا رسول الله إني زنيت وأريد أن تقيم عَليَ حد الله. فأعرض النبي عنه، فجاءه من شقه الآخر فقال له النبي الكريم: {ويحك! أرجع وتب إلى الله واستغفره}. لكنه لم يطق، وعاد للنبي، فقال النبي له: {ويحك وما يدريك ما الزنا؟}، وأمر به فطرد. ثم آتاه مرة ومرة، فقال لأصحابه: {انظروا أبِه جنون؟}، قالوا: ما علمنا عليه بأسا. فقال: {أشَرِبَ خمرا؟}، فقام رجل فاستكنهه وشمه، فلم يجد منه ريح خمر، فقال له الرسول: {لعلك قبّلت؟}، قال: لا. فقال: {لعلك فاخذت؟}، قال: لا. قال: {أتدري ما الزنا؟}، قال: نعم. قال: {أتيت من امرأة حراما مثل ما يأتي الرجل من امرأته حلالا}. قال: نعم. فرجم حتى مات رضي الله عنه. فقال الرسول لمن معه: {هلا سترتم على أخيكم}! هذه هي المسألة، فكيف لمن ستره الله، أن يأبى إلا الفضيحة تحت اسم الشجاعة التي هي عندي وقاحة! وهنا أنا لا أنكر أن السلوكيات غير السوية هي جزء من التركيبة البشرية التي فطر الله الناس عليها، لكن هل تتم معالجتها بإذاعتها على لسان أصحابها دون حياء أو وجل عبر الفضائيات، وكأننا نهدف من وراء إذاعة هذه النوعية من البرامج الهابطة، أن يألف الناس السلوك غير المقبول ويعتادوا عليه، وكأنه مقبول بما نضفيه عليه من شرعية إعلامية وجماهيرية، ونصفق لمن يقوم بذلك ونكافئه ماديا. إننا نغلف التبجح وعدم الحياء تحت مسمى الشجاعة والقدرة على مواجهة الناس، أو نشر السلوك غير المقبول أخلاقياً والمرفوض مجتمعياً ودينياً، تحت شعار «لحظة الحقيقة» التي لاقت رفضاً في الغرب مع ما هو عليه من تفلت من كل الضوابط، فكيف تدس هذه النوعية من البرامج في فضائياتنا، بما تمثله من لحظه للفضيحة وليس للحقيقة، تجعلني أردد؛ أين أنت يا حمرة الخجل! د. خالــــــــد الخاجــــــــــــة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل