المحتوى الرئيسى

الفساد غير الكُفر

05/10 16:04

إذا كان هناك شىء مهم يجب أن نأخذه عن الفيلسوف اليونانى القديم «سقراط»، فهو تمسكه بتحديد معانى الكلمات بدقة، قبل بدء أى كلام! كان إذا صادفه أحد فى الطريق، وألقى عليه تحية الصباح فقال - مثلاً - صباح الخير، فإن سقراط كان شغوفاً بأن يحدد أولاً، معنى «صباح».. وثانياً معنى «الخير».. وبعدها يبدأ بينهما الحوار! ولابد أن سقراط لم يلجأ إلى هذا، من فراغ، ولم تستبد به هذه الرغبة، لمجرد أنه كان فيلسوفاً، ومن شأن الفلاسفة، بالتالى، أن يحددوا، ابتداءً، معانى الألفاظ قبل الخوض فى أى حديث، وإنما كان دافعه الأول والأخير أن يكون واضحاً فى كل أحواله. وإذا كان هناك مجتمع فى حاجة إلى طريقة سقراط القديمة، فإنه مجتمعنا نحن، فى هذه الأيام. كان سقراط إذا تبادل حواراً مع أحد فإنه يحب أن يتكلما عن شىء واحد محدد، وواضح، لا أن يكتشفا بعد فترة أن كل واحد منهما يتحدث عن شىء مختلف عما يتحدث عنه الآخر، فى الوقت الذى يتصور فيه الاثنان أنهما يتحدثان عن الشىء نفسه! وإذا كانت كلمة «الفساد» هى القاسم المشترك الأعظم فى لغة الناس ووسائل الإعلام، منذ فترة، بوجه عام، ومنذ قيام ثورة 25 يناير، بوجه خاص، فإننا فى حاجة إلى أن نحدد معنى الفساد، ثم نتكلم عنه، وليس العكس! ولو أنت حاولت أن تحدد معناه، فسوف يتبين لك، بقليل من التأمل، أن الفساد ليس نوعاً واحداً - كما قد تتخيل - وإنما هو أنواع عدة، وربما يكون النوع الأشهر عند المصريين هو أن فلاناً من المسؤولين قد استولى على مال عام. ومع شىء من التأمل الأعمق، سوف تكتشف أن هذا النوع ربما يكون أخف أنواع الفساد وأهونها، من حيث عواقبه على المجتمع، لا لشىء، إلا لأن المال العام، فى النهاية، معروفة حدوده، كما أن «فلاناً» إذا استولى عليه، فسوف يكون من السهل أن نلاحقه، ونتتبعه! ولكن.. هناك فساد بأنواع بلا حصر، على الجانب الآخر.. ومنها - مثلاً - أن تكذب وسائل الإعلام نفسها على الناس، ولا تقول لهم الحقيقة التى تعرفها، ولكنها تخفيها عنهم، أو تكشف وجهاً وتخفى منها وجوهاً لمسايرة الملايين من المصريين فيما يحبون أن يسمعوه، فى الوقت الذى يظل فيه واجب الإعلام أن يجعل جمهوره، يسمع، ويقرأ، ويرى، «ما يجب» أن يسمعه، ويقرأه، ويراه، وليس «ما يجب» أن يسمعه، ويقرأه، ويراه! الإعلام، حين يحيد عن دوره الحقيقى، على حساب الحق، والحقيقة، فهو يمارس فساداً أبشع بكثير مما يقول عنه، كل يوم، إنه، كإعلام، يقاومه! الإعلام حين يساير الناس إنما هو إعلام فاسد، وحين لا يصارحهم، ولا يكون أميناً معهم، فهو فاسد، وحين ينافقهم، فهو للمرة الثالثة، فاسد.. وإذا كان الكفر ملة واحدة، فالفساد ليس كذلك!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل