المحتوى الرئيسى

رسالة إلى رواد الأمة ورموزها وحاملي مشاعل النور والهداية

05/10 12:52

بقلم: أسامة جادو   تطوير الخطاب الدعوي.. من المهام العاجلة ذات الأولوية شاءت إرادة الله تعالى أن تخوض الأمة مخاض التغيير، وتبدأ مرحلة جديدة، وتؤسس نهضة شاملة، وتبني دولة حديثة، وتطوي صفحات الماضي المؤلم الكئيب، الثورة كانت بداية وليست خاتمة المطاف ونهاية الطريق، نحن ندرك ذلك جيدًا، ومن ثمّ وجب علينا نحن الدعاة والمفكرين والمتطلعين لبناء الأمة وتأسيس نهضتها واستئناف مسيرتها الخالدة؛ أن نتأهب ونبدأ، ونسعى بكل جد لا ترف فيه، ونعمل بنشاط لا راحة معه، حتى نحافظ على الروح العظيمة التي تملأ نفوس أبناء شعوبنا الثائرة من المحيط إلى الخليج، وأن نتبنى- في خطابنا الدعوي- منظومة القيم التنموية التي تساعد الأمة في نهضتها وتمكنها من البناء والإنتاج والعمل، وترتقي بالبحث العلمي وتصون الملكية العامة وتحترم الملكية الخاصة وتتعامل مع المال العام والمرافق العامة وأجهزة الدولة، باعتبارها ملكًا للجميع، ومن ثمّ وجب عليهم الحفاظ عليه وتنميته.   ومع كل حادث تتعرض له الأمة يتجدد الحديث عن الخطاب الديني، بل بات لازمة عند من يتحدث في الشأن العام تحميل الخطاب الديني المسئولية، وأنه أحد الأسباب، ومن ثمّ يصبح تطويره، أو تجديده هو الحل والخروج من المأزق.   أدرك أن التغيير والإصلاح له متطلبات عدة لا بد أن تتحقق أولاً على الأرض وبإرادة الشعب وعمله وبذله وتضحيته حتى تهبه السماء ما يصبو إليه من تنمية ورقي، وما يتطلع إليه من إصلاح وتغيير للأفضل ﴿وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)﴾ (محمد).   وهذا منسجم مع السنة الكونية والقانون الرباني.   ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ (الرعد: من الآية 11).   ويأتي الخطاب الديني الرشيد الحكيم على رأس متطلبات التغيير والإصلاح، وعليه تُعقد الآمال، ومنذ فترة ألقيت محاضرة في هذا الموضوع حول (الخطاب الديني.. ضوابط ومعالم)، نبهت خلالها إلى هذه الأمور، وركزت الحديث حول الضوابط العامة لخطابنا المنشود حتى يحقق أهدافه التي نصبو إليها، فهو أحد الملامح الرئيسية لمشروعنا المبارك الذي يستهدف تربية المجتمع على قيم الإسلام ومبادئه.   وفي أعقاب الثورة المباركة دُعيت إلى إلقاء محاضرة في مؤتمر الدعاة والعلماء بكفر الشيخ، حول متطلبات المرحلة المقبلة والدور المنشود للدعاة والعلماء، وتكررت الدعوات لأن الأمر عظيم مما جعلني أسطر تلك الرسالة لعيون الأمة وروادها، حملة المشاعل وورثة النبوة، داعيًا الله تعالى أن يعينهم على أداء رسالتهم والقيام بواجبهم، فالجميع يترقبهم ويتأمل فيهم خيرًا، وظني بهم أنهم لن يخذلوا أمتهم، ولن يتقاعسوا عن مهامهم.   ولا شك أنّ خطابنا يحتاج إلى تطوير وتحديث في الأساليب والوسائل، في المجالات والدوائر، حتى ننجح في إيصاله إلى كل شرائح المجتمع وإحداث الأثر وإنجاز الهدف وتحقيق المستهدفات، إبلاغًا عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.   كم نحن في حاجة ملحة إلى تطوير خطابنا الدعوي، حتى يكون تربويًّا يحقق إحداث الأثر في المجتمع، ولا يكتفي بمجرد إيصال الرسالة.   إن مهمة الدعاة اليوم لم تعد قاصرة على مجرد نشر القيم والمفاهيم الإسلامية فحسب، بل تربية المجتمع عليها.. ولا شك أن ذلك يتطلب من الدعاة تطويرًا في الأسلوب والوسيلة، في البرنامج والأداء.   تطوير الخطاب الديني، ليكون خطابًا تربويًّا؛ من شأنه إحداث الأثر وتحقيق الهدف، وأود أن نلقي الضوء على النقاط التالية:   ما الخطاب؟ الخِطَاب هو مُجمَل ما يصلنا من أفكارٍ أو تصوُّراتٍ أو آراء بكلِّ أشكال التعبير اللغويّ‏،‏ مسموعًا أو مكتوبًا أو مرئيًّا،‏ وبكلِّ وسائل التوصيل التقليديَّة أو المستحدثة‏، مباشرة أو غير مباشرة، سواء كنَّا نتلقَّاها جماعةً أو فُرادَى، فهو الرسالة التي يحرص أصحابها على إيصالها للآخرين عبر وسائل الاتصال التي تعارف عليها البشر، سواء كانت تقليدية، أو مستحدثة.   ومن ثمَّ فالخطاب ليس كما يتخيَّل البعض أنه مجرَّد الخطابة التي نتلقَّاها في المساجد في صورة خطبةٍ، أو موعظةٍ، أو درسٍ، أو ما شابه ذلك.   أنواع الخطاب.. تعددت أساليب الخطاب وتنوعت، وبرع الدعاة في بعضها، ونأمل لهم التوفيق والإبداع في بقيتها.   ونستعرض هنا بعض أنواع الخطاب الدعوي: - أولاً: الخطاب الوعظي هو لون من ألوان الخطاب الدعوي يتوجه إلى القلب ويثير المشاعر ويخاطب الوجدان، فهو خطاب العاطفة، ويعتمد على أسلوب الترغيب والترهيب والثواب والعقاب والمصير والمآل، فهو خطاب القلب.   نعم هو خطاب مؤثر وكثير تأثيره، ولكنه لا يبقى كثيرًا، ويعجز هذا الخطاب- وحده- أن يرقى بالمدعو إلى تكوين إرادة وإيجاب الدعوة، فهو يقتصر على مخاطبة العاطفة وحدها. وتلك آفة أهل الشرق، عاطفيون بطبعهم، يتأثرون سريعًا، ويفقدون الحماس كذلك سريعًا، فهو تأثير مؤقت لا يلبث أن يزول بمرور الوقت.   ثانيًا: الخطاب الفكري هو لون من ألوان الخطاب الدعوي، يتوجه أساسًا إلى العقل، ويثير التفكير ويخاطب وعي المدعو (الفرد والمجتمع)، فهو خطاب العقل.   ويعتمد على إقامة الحجة والبرهان، ويورد الشواهد والأدلة والبراهين، ويعرض المكاسب والخسائر فهو خطاب مؤثر، وتأثير أطول عمرًا من تأثير الخطاب الوعظي، ومن شأنه إحداث قناعة لدى المدعو بصحة الرسالة؛ لكنه لا يرقى بالمدعو إلى مرحلة "إرادة العمل".   فكثيرًا ما تقنع الإنسان بصحة أمر من الأمور، ويبدو مقتنعًا به؛ ولكنه لا يندفع إلى العمل به، ويظل في حاجة إلى قوة دافعة تأخذ بيده إلى ميدان العمل وتشحذ همته وتقوي إرادته.   فأنت تدرك أن غالبية من ابتلوا بالتدخين لديهم قناعة بأن التدخين ضار جدًّا بالصحة والحياة عمومًا، ومع ذلك قليل منهم من توقف عن التدخين، بل ربما كان المحذر من التدخين الناهي عنه مدخنًا (كحالة الطبيب المدخن والمعلم والأب ينصح بعدم التدخين ويبرز أضراره وهو يمسك بين أصابعه بالسيجارة).   ثالثًا: الخطاب الوعظي الفكري هو لون من ألوان الخطاب الدعوي، يجمع بين الخطابين السابقين.   فهو خطاب لا يكتفي بالتوجه إلى القلب وحده، بل يخاطب القلب والعقل معًا، ويناجي الضمير والوعي، ويهتم بالمشاعر والعواطف، كما يعتني بالتصورات والأفكار، يستنهض في الإنسان المدعو وعيه وفكره ويثير فيه مشاعره ووجدانه.   يحبب إليه الفكرة، ويقيم الأدلة على صحتها وجدارتها في البقاء، يلهب مشاعره ويسوق إليه الحجج والشواهد والأرقام والبيانات.   فهو خطاب القلب والعقل معًا.   ولا شك أنه خطاب يؤثر، وأن تأثيره أقوى وأطول، وأن له القدرة على إحداث القناعة وإيجاد الدوافع وتوليد الإرادة لدى المدعو.   وهذا الخطاب برع فيه كثيرٌ من الدعاة العاملين الموفقين، بيد أنه يفتقر إلى أمرين مهمين: - الأمر الأول: أن يتضمن هذا الخطاب الدعوي النماذج العملية والبرامج التطبيقية والمشروعات التنفيذية التي تحيل الفكرة إلى واقع قابل للتطبيق.   لست أعني من ذلك أن يذكر الداعي نماذج وصورًا تطبيقية لما يدعو إليه من فكرة، فهو إن فعل ذلك فقد استعمل الأدلة العقلية والشواهد الفكرية الدالة على صحة ما يدعو إليه، وكثير منا يفعلون ذلك.   لكني أقصد أن يصاحب الخطاب الوعظي الفكري مشروع عملي وبرنامج تطبيقي، يبين للمدعو (الفرد أو المجتمع) الوسائل والخطوات التنفيذية المطلوبة لتحقيق الهدف من الخطاب.   فبعد إيجاد القناعة وتوليد الدافع والإرادة يحتاج المدعو إلى أن ينخرط في مشروع عملي تطبيقي يتعلم من خلاله السلوك ويتقن الأداء.   مثال "غرس قيمة التكافل في المجتمع".   إذا أردنا أن نغرس قيمة التكافل في المجتمع، فهذا يتطلب منا أن نستخدم من الأساليب الدعوية والوسائل والأنشطة؛ ما يحقق للجمهور المتلقي القناعة الكافية لصحة هذه القيمة وجديتها في البقاء، وأن يتولد لديهم الدافع والرغبة في تبني هذه القيمة، والرغبة في المشاركة واستشعار المسئولية عنها، ولا يكفي أن نورد على مسامعهم، ونضع تحت أبصارهم صورة تطبيقية ونموذجًا عمليًّا، بل ينبغي أن يصاحب خطابنا حول قيمة التكافل مشروع تطبيقي عملي، يسمح للمدعو أن يمارس هذا القيمة ويعمل بها في نطاق المشروع العملي.   من ذلك: أن يصحب الخطاب الدعوي مشروع "كفالة اليتيم" أو "شنط الخير في رمضان"، أو "سداد مصروفات المدارس للأيتام والفقراء"، أو "بطانية لأخيك تقيه برد الشتاء"، وهكذا..فكأن المشروع العملي يأتي كإجابة مفصلة على سؤال المدعو: كيف السبيل، وما العمل؟   - الأمر الثاني: أن يكون الخطاب الدعوي قادرًا على تخطي الصعاب والتغلب على المعوقات، وتلافي العقبات على النحو الذي يضمن استمرارية المشروع، ويحافظ على ثماره.   ليس مطلوبًا من الدعاة أن يقتصر دورهم على مجرد الخطاب وبيانه، بل مطلوب منهم أن يتواصلوا مع جمهورهم (المدعو) حتى يسلكوا معهم سبيل العمل، ويحققوا أهداف الخطاب الدعوي، وأن يتضمن الخطاب بيانًا بالمعوقات، وكيفية التغلب عليها، وذلك حين وجودها.   تلك نقاط خمس تشكل ملامح الخطاب الدعوي المنشود. - أن يتوجه الخطاب إلى القلب ليأسره. - أن يتوجه الخطاب إلى العقل ليقنعه. - أن يكون الخطاب قادرًا على إيجاد القناعة وتوليد الإرادة وإيجاد الدافع. - أن يتضمن الخطاب الدعوي النماذج العملية والبرامج التطبيقية والمشروعات التنفيذية التي تحيل الفكرة إلى واقع. - أن يكون الخطاب قادرًا على الاستمرارية وتخطي الصعاب وتلافي العقبات.   تلك مقدمة مهمة- أراها ضرورية- ونحن نراجع معًا الخطاب الدعوي، مدركين أهميته وضرورته في الإصلاح والتغيير، وعلاج أوجه القصور الحاد الذي أصاب قطاعات عديدة في حياتنا ومفاصلنا وتنذر بالخطر، وإذا أذن الله تعالى لنا وكان في العمر بقية أتناول معكم ضوابط الخطاب الدعوي ومعالمه.   وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، معلم الناس الخير. ----------- * عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين في برلمان 2005م.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل